نص كلمة الدكتور عامـر خيًـاط
ألامين العام للمنظمة العربية لمكافحة الفساد
في حفلة التكريم
المقامة من قبل المنتدى القومي العربي
في بيروت
في 22/أيلول /2011
amer.khayatt@gmail.comالبريد الالكتروني :
دولة الرئيس الدكتور سليم الحص المحترم
أيها الإخوة الأعزاء
أشكر ألأخ العزيز معالي الأستاذ بشارة مرهج على حسن تقديمه لي
و جميل ما أفاض به من طيبِ الكلام. كما
أشكر المنتدى القومي العربي بشخص رئيسه الدكتور محمد المجذوب على ضيافته هذه، وهو
تكريم لا استحق، وهو تشريف أعتز به.
يحتار المرء فيما يود الحديث عنه أمام نخبة متميزة، أشعر أمامها أنني
بين أهلي ورفاقي، أشترك معهم في رؤى متقاربة في مسار نضالهم الطويل. فما الجديد
والمفيد الذي لي أن أطرح، "لأهلِ مكةَ، وهم أدرى بشِعابها".
أيها الإخوة الأعزاء
-1-
يمر الإنسان في مسيرة حياته بعدة أحداث تؤثر فيه. كما
يمر أيضاً بأشخاص يتفاعل معهم فيتأثر بهم ويؤثرون فيه. سوف لا أتكلم على الأحداث،
على أهمية تأثيرها، فقد اصبحت في عهدة التاريخ. بينما يبقى في ذاكرة الإنسان،
الأشخاص الذين تأثر بهم. فهم على أية حال من َصنع وساهم في الأحداث والظروف. أجدني
اليوم أمام فرصة، قد لا تتاح لي لاحقاً لإيفاء حقهم والاعتراف لهم بحسن صنيعهم
(وسوئها أحياناً). وسوف أتكلم على الأشخاص من خلال مفاصل مررت بها، متحاشياً ذكر
الأسماء كي لا يَكتَشف بعضكم قصور ذاكرتي في هذه الأيام.
لقد ولدت في مدينة الموصل في العراق. والموصل كانت احد
ثلاث ولايات تابعة للحكم العثماني، تكوّن منها العراق الحديث. وهي، فوقاً عن جمال
طبيعتها وحسن مناخها، راسخة في التاريخ. فهي تقوم على كتف نينوى عاصمة الأشوريين
وحضارات الرافدين القديمة يخترق سهولها نهر دجلة العظيم، شاهداً على ما مر
بها من أحداث جسام عبر هذا التاريخ. يسكن
الموصل وجوارها أغلب مسيحيي العراق في كنف أغلبية مسلمة. نشأنا بدون أن نشعر بأية فوارق أو تمايز بين
الطائفتين والاهم من ذلك بدون خوف. لم يكن ذلك بشجاعة ذاتية فقط إنما أيضاً،
بحماية الانتماء العربي.
عشت في بيت شرقي الطراز، بناه كبير العائلة في القرن
التاسع عشر ليجمع أبناءه وبناته وأحفاده كعادة أهل زمان. وعلى أيامي، كان عميد
عائلتنا رجل دين، سَلكَ الكهنوت مدخلاً الى السياسة. تربيت طفلاً، على مشهد مجلسه
كلّ يومِ جمعة بعد الصلاة (صلاة الجامع طبعاً)، حيث كان يجتمع في ديوانه كبار
علماء المسلمين وأعيان ووجهاء المدينة. لا فرق في الدين ولا في الهوية. رجل الدين
هذا، شارك في المجلس التأسيسي الذي أنشأ الحكم الوطني في العراق سنة 1922 وانتخب
نائبا في البرلمان العراقي. وكذلك حال أخيه، الذي أصبح أول وزير صحة سنة 1923.
جاور بيتنا هذا الجامع الكبير، وبالقرب منه كانت الكنيسة القديمة. فإذا ما "رُتّل ترتيلا" ردد صداه
الناقوس ترنيماً. في عراق اليوم سكت المُرتــّل حزناً ،
فصمت الناقوس عن الترديدَ.
استمرت هذه الحالة المنسجمة
على طوال تعاقب الحكومات العراقية وصولاً الى الاحتلال المقيت. لقد شغل المسيحيون
في العراق مناصب بالغة الأهمية واذكر في الفترة التي شاركت فيها تسنم المسؤولية
الرسمية (1972-1977 ) كان منهم وزراء (ومنهم نائب رئيس وزراء الاستاذ طارق عزيز
خفف الله من مأساته اليوم) ووكلاء وزارات ومدراء عامون بما يفوق عددهم ما تسمح له
نسبتهم (والتي ما تجاوزت 5% في أحسن الأحوال من مجموع السكان). ما كان هؤلاء
ليمثلوا طائفةً ما، إنما كانوا يمثلون الأمة بكل مكوّناتها. تجمعهم ثقافة عربية
عمقها الحضاري والتراثي هو الإسلام ووطن واحد موحّد، لا للطائفية والمذهبية فيه
موطناً.
لقد زرعت هذه البيئة فيّ، احترام وقبول الآخرين. ولم أجد، حرجاً أو ضعفً في
انتمائي الى أقلية ما. ثم، عن أية أقلية يتكلمون.. وأنا انتمي الى أغلبية عربية
راسخة، من يصطف خارجها هو الأقلية، بغضّ النظر عن طائفته ومذهبه.
أهل الذمة؟ أبداً..أشعرونا دوماً نحن أهلُ الدار وهم الضيوفُ.
"أهل الدار" اليوم في حالة خوف، إنما خوفي اليوم ليس من المسلم
العروبي إنما من المسيحي اللاعروبي.
في هذا المفصل أود ان أسجل تحية إكبار وامتنان إلى ذلك
الجيل الذي زرع فينا حب الوطن وحب المواطن على اختلاف دينه وهويته. وما عرفنا كيف
نحفظ ذلك الإرث.
-2-
والحديث في النسب والطوائف والمذاهب يقودنا الى لغة
الأرقام والأعداد. واستهوائي للأرقام مردّه خلفيّتي الهندسية. فلم أع مثلاً لماذا
لا نستطيع أن نجمع 5 تفاحات ب 7 برتقالات، أو أن نطرحهما من بعضهم البعض. فوجدت
لاحقاً، وهو أمر بديهي، أن لا معنى للرقم إن لم يتم توصيفه أو نعته بما يراد
حسابه. يجب أيضاً ،كي يستوي التعامل
الحسابي معه، أن تنسجم النعوت فيما بينها. هكذا بالإمكان جمع تفاح مع تفاح، وما
الى ذلك.
ولكن ليس بالإمكان مثلاً تقسيم وطن على طوائف، فشرط تجانس النعوت يفرض في
حالتنا هذه، انتماء الطائفة إلى الوطن. على هذا النحو نستطيع جمع الطوائف في وطن،
وليس العكس.
ويعود اكتشاف الرقم الى سكان ما بين النهرين الأقدمين.
ثم جاء العلماء العرب واستخدموا هذه الأرقام في تأسيس علوم الجبر والهندسة
والمثلثات. فكان أن سُميّت ب"الأرقام العربية" (Arabic Numerals ) في الوقت الذي استخدم فيه الغرب
الأرقام اللاتينية " لاستبشاعهم استخدام أرقام صنعها ويستخدمها الكفّار"
على حد قولهم. الأهم من ذلك، نجد "الصفر" مغيّباً عن الأرقام (من 1-9)
هذه. والسبب في ذلك ليس لجهل أسلافنا به، إنما ارتبطت فلسفة استخدامهم للرقم
بضرورة ارتباطه بموصوف، ولما كان "الصفر" تعبيراً عن "لا شيء"
فكيف بالإمكان أن نربط موصوفاً به؟ بكلمة أخرى، اعتبروا أرقامهم أمراً سامياً
ونبيلاً، ولا يجوز أن يعتبر "اللاّشيء" رقماً لفراغ دلالته. تعليلاً على
ذلك قالوا ما معنى أن نجمع رقماً ما مع "اللا شيْء" ؟ وكيف نضرب ونطرح
من الصفر (اللاشيء). والاهم أن نسأل ما معنى أن نقسم أي رقم على الصفر؟ فتجنبوا
استخدامه، وليس جهلاً به.
ماذا تفعل أنظمتنا اليوم؟ هم
يقسمون شعوبنا على "اللاشيء" ويضربونها باللاشيء، ويطرحون جانباً حقوقها
ب"اللاشيء"، ويجمعون ب "اللاشيء" على هدر كراماتنا وأمالنا
وطموحاتنا. ألا يدركون أن الأوائل اكتشفوا بحساب الأرقام أن جمع شعوبنا قوة، وأن
قسمة أعدائهم (لا قسمة الشعوب) قوة، وأن طرح الفساد والمذهبية والطائفية من صفوف
الشعب مدخل الى الإصلاح، وضرب الشعب بعضاً ببعض مفسدة للأخلاق.
فألى أولئك الذين علموني سمو
الرقم وأهميته بجانب صناعة الحرف ونحته، تحية إجلال وتقدير لما أثْرَوني بعلمهم
وأثّروا فيّ في مسار حياتي.
-3-
في المفصل الأخير، أود الإشارة الى الحراك الاجتماعي
والسياسي الهائل الذي يجري في بلادنا العربية.
الذي يحدث هو نقلة نوعية في طبيعة النضال الشعبي من أجل التغيير. لم نر
مثله منذ ستة أو سبعة عقود. فإذا كان هذا الحراك تعبيراً عمّا كنا نطمح إليه من
خلال نضالنا السياسي في العقود السابقة وفشلنا، يستوجب الأمر، إعادة النظر في تلك
المرحلة، على الأقل، من أجل توفير الحماية
والحصانة لحراك اليوم من محاولات تسعى الى وأده وتغيير مساره. ليس مجال هذا اللقاء الدخول في التفاصيل، ولكني
أعتقد بأن الأداة الرئيسية في النضال من أجل التغيير كان، في الأمس ولا يزال،
الإنسان العربي. وكان لنخبته "المثقفة" أن تلعب دوراً مميزاً في قيادة
التغيير في المجتمع وإرساء معالمه. وإذ استذكر هذا الدور (دور المثقفين العرب)، في
أمسية تقام في صرح ثقافي جليل، تنتابني بعض الهواجس، أغتنم هذه الفرصة لذكرها.
-4-
بشكل عام، هنالك
أربعة شوائب في سلوك "المثقف العربي"، أدت الى إضعاف دوره في مسيرة
النهضة والتنوير والتغيير العربية.
أولها، قصور ثقافته عن عنصر التكامل والشمولية في النظرة والموقف. نقصان ناتج من
الاقتباس والمعرفة السطحية والانبهار بحضارة الغرب، وعدم إخضاع العلوم المكتسبة
والمقتبسة لمعايير وحاجات مجتمعاتنا. كما من مظاهره الادعاء بما ليس له، تغطية على
احتمال كشف ما ليس عنده.
ثانياً، نظرته الاستعلائية على غيره، التي تصل أحياناً الى حدّ تسخيف المقابل
والاستخفاف به، وسببها الجهل والرغبة الجامحة لتعزيز الذات (EGO) وتضخيمها إلى حدّ التخمة، جاهلاً
أن قوائم المعرفة والثقافة تعتمد على التواضع وسماع الرأي الأخر.
وثالثاً ، ضعف حصانته تجاه إغراءات المال
والسلطة. وجانب منها الوصولية واللهاث، بكافة الطرق، وراءها، وما يترتب على ذلك من
فساد. ورابعاً، ضعف التزامه بالثوابات الوطنية والقومية، ناسياً أو
متناسياً، أن الالتزام بهذه الثوابت هو من صلب الثقافة وغيابه يؤدي الى غياب
الثقافة. كما أن الالتزام بالثوابت الوطنية والقومية يستدعي الى قيادة الشعب من
أمام، وفقدانها يؤدي الى الاصطفاف في الخلف، بما يضطره الى الانقياد لا الى
القيادة.
إننا بحاجة الى إعادة تكوين ثقافتنا، وصولاً الى ميثاق
ثقافي ومعرفي يرتبط بمصالح أمتنا وشعوبنا، لا يعتريه قصر النظر والمكاسب الآنية
وملذات الحياة المغرية.
-5-
والحديث عن ملذات الحياة وإغراءاتها يقودنا الى حديثٍ
طويل عن الفساد. كل الذي أود قوله، أنني عبر ما يقارب النصف قرن من تجربة سياسية ومهنية
تقلّبت خلالها في مسؤوليات أعتز بنجاح بعضها، وتعلمت من فشل بعضها الآخر. إلا أن
جميعها لا ترتقي إلى الشرف الكبير الذي مُنح لي يوم تمّ اختياري أميناً عاماً
للمنظمة العربية لمكافحة الفساد. عزز موقعي هذا أن تكون مرجعيتي دولة الرئيس
الدكتور سليم الحص رئيس مجلس أمناء المنظمة وهو رافد ثري في حصافة الرأي، وحصانة
الذات ورجاحة المنطق. له عظيم الشكر واعتزازي العميق لحضوره هذا الحفل الكريم.
مكافحة
الفساد أيّها الأعزاء ، تلخص مجمل سعي هذه الأمة من أجل التغيير وإقامة الحكم
الرشيد في ظل السيادة المطلقة للقانون. فإذا كانت الديمقراطية تعني المساءلة
والمحاسبة، فمكافحة الفساد لا تتم دون مراقبة ومحاسبة ومساءلة. هنا المقاربة وهنا
سمو الهدف والمقصد. وبالرغم من أن ما تم تحقيقه منذ تأسيس منظمتنا جاء أقل من
طموحاتنا، وبسبب حسر المال والإمكانات عنّا، ولشراسة العدو الذي نحارب، إنما يحلو
لنا أن نعتبر أنفسنا جزءاً من هذا الحراك السياسي والاجتماعي والذي تحدثت عنه في
مطلع هذا المفصل.
فإلي شباب الثورة تحية شكر وامتنان وتقدير. وعهد منا
جميعاً أن تبقى شعلة مكافحة الفساد نيّرة في خضم صراعنا من أجل التغيير.
-6-
ولقد
وعدتكم في مطلع حديثي أن أتجاوز ذكر أسماء من تأثرت بهم. ولكن اسمحوا لي استثناءاً
واحدا. إذ، بدونه، لا استطيع أن أشكر قافلة الشباب التي ما كلّت في صمودها من أجل
الدفاع عن قضايا العروبة والمقاومة والحرية والديمقراطية. يصعب عليّ تعريفها،
لكثرة هياكلها ومنابرها ولجانها وروابطها ومنتدياتها القومية العربية ومؤتمراتها
القومية والإسلامية ولقاءاتها وتجمعاتها الشبابية. وكي أختصر الوقت ، اذكر للدلالة
عليها: معن بشور. وكان في كتابة هذه الأسطر مناسبة لإعادة تقييم علاقة مستمرة
بيننا منذ ما يقرب من خمس عقود. فوجدت معن في كل مفصل من المفاصل التي ذكرت في
كلمتي اليوم، مثالاً يقتدى به: للمسيحي الذي زاده الإسلام عروبة وثقافة، وللمسلم الذي تزيد المسيحية فيه تسامحاً
ومحبة، وللمثقف الأصيل الذي ربط العلم والمعرفة بنضاله.
فله ولرفاقه في مختلف هياكل ومنظمات عملهم شكري واعتزازي
وتقديري لما أثروا فيّ من خلال عملهم وصمودهم وتضحياتهم.
-7-
ختاما، اسمحوا لي أن أعبر عن خاطرة لا تغيب عن ناظري في
خريف أيامي هذه:
أرى في مسيرة أمتنا العربية من أجل تحقيق أهدافها في
الوحدة والحرية وفي إقامة مجتمع الرفاهة والعدل، مسارين متوازيين لا بديل عنهما،
أولهما يسعى من أجل تحقيق الديمقراطية، والأخر توق الى مزيد من العلم والمعرفة.
بين هذين المسارين تتحقق عروبتنا العادلة كما عدالة قضايانا. ومن خلالهما نحمي
أغلى ثرواتنا: الإنسان العربي ودوره في هذا المجتمع الكبير.
أتطلع أن تفي الأجيال القادمة ، حقّ مَنْ لم يبقَ له سوى
الأمل، تعصر قلبه تجارب الفشل، وَسِمات الجهل، وغياب مرجعية العقل، في مراحل تذكر
كي لا تعاد.
شكراً لجميل صبركم وحسن سماعكم.