كيف تدفع سوريا اليوم ثمن خطيئة 1990؟

كنت قد كتبت في مجلتي الفصلية التي أصدرت باللغة الإنكليزية في لندن بين عامي 1991 و 1996 مقالا بعنوان "Syria is Next" "سوريا هي  التالية" تحدثت فيه عن كيف سيكون استهداف سوريا بعد العراق. وربما أخطأت في تحديد الوقت الذي يتم فيه ذلك الإستهداف لكني لم أخطئ في تحليل أسبابه وحقيقته وهدفه.

وأستغرب اليوم أن بعض الكتاب العرب وبينهم على وجه الخصوص كتاب سوريون يتصدرون المشروع القومي وهم يتساءلون عن سبب تحول الجامعة العربية الى أداة صهيونية وكأنها لم تكن كذلك يوم أسسها البريطانيون لمنع قيام الوحدة العربية الحقيقية. ثم ذهب بعضهم الى حديث بائس عن كيف دافعت سوريا عن قضايا العرب في تأريخها السياسي المعاصر فأوردوا من ذلك دفاعها عن الكويت ويا ليتهم لم يقولوا ذلك..... ذلك لأن عار سوريا الحقيقي في القرن العشرين كله هو وقوفها تحت العلم الصهيوني الأمريكي دفاعاً عن حكام الكويت. وهي اليوم تدفع ثمن ذلك كما سأبين لاحقا.

وحتى لا يطلع علينا أحد من الصغار الداخلين على المشروع القومي من باب المنفعة ومسح الأكتاف والإنتفاع في ظل الفساد الأسطوري الذي أنتجه بعث سوريا المترهل،  أذكر الناس ببعض المبادئ الأساس التي جاء بها المشروع القومي العربي في القرن العشرين وتبنتها بشكل جدي حركة البعث في سوريا والعراق في مراحل نشأتها الأولى قبل أن تضيع خطاها.

1.  إن مشروع سايكس بيكو الذي قسم المشرق العربي لدويلات ووزعها بين بريطانيا وفرنسا مرفوض جملة وتفصيلاً.

2.  إن الحدود التي رسمها الإستعمار الأوربي للمنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى هي حدود مصطنعة ولا تكتسب أية شرعية سواء أقرتها عصبة الأمم أو جمعية الأمم أم لم تقرها. وعلة ذلك الرفض ليست حلماً عاطفياً بل هي حقيقة يقرها القانون الدولي حتى في وضعه الهزيل القائم.

3.  إن الثروة القومية العربية هي ملك الأمة مجتمعة وليست ملك شركات النفط الغربية كي توزعها على حفنة من الأعراب هنا وهناك فتشكل منهم محطات نفط كبيرة وتسميها ممالك أو إمارات أو مشايخ وهي جميعها تفتقر لأية مقومات الدويلة.

4.  إن اقتطاع الكويت من العراق التأريخي والجغرافي والسياسي لا يختلف عن اقتطاع لواء الإسكندرون عن سوريا.

5.  إن خلق الدولة الصهيونية على أرض فلسطين مناقض للوجود العربي وهو أمر لا يحق لأحد التفاوض عليه.

6.  إن أي تصد أوربي لأي من المبادئ هذه يجب أن يقاوم ويواجه مهما كانت الحجة التي يدعيها الغرب ساعة باسم القانون الدولي الذي كتبه وحده وساعة باسم ميثاق الأمم المتحدة الذي لم نساهم في صياغته.

وحين نادى البعث بتلك المبادئ التف حوله الجيل الجديد المتوثب والمتطلع للتحرر الحقيقي من الإستعمار الذي أراد أن يخرجنا من دائرة العثماني المتخلف إلى دائرة الصهيوني الساقط. والتف حول المشروع القومي الجيل الجديد المتطلع لجمع شمل الأمة وتوحيدها وتوزيع ثروتها بشكل عادل على جموع المحرومين من أبناء الأمة لا تكديس آلاف آلاف آلاف الآلاف منها في أيدي أفراد فاشلين عاجزين غيرمنتجين كما هو الحال اليوم في ممالك وإمارات ومشايخ الجزيرة والخليج.

وعمل الحزب في سوريا والعراق لذلك الهدف ثم جاء جمال عبد الناصر ليعطي المشروع القومي زخماً ودفعاً ثورياً لم يقدر أحد عليه لا قبله ولا بعده. لكن عبد الناصر، وربما لأنه سابق لقومه، أخفق في خلق الحالة القومية المرجوة في مصر فما أن رحل حتى تلاشى المشروع القومي في مصر وهو اليوم، خلاف ما يدعيه البعض، ليس في طليعة أولويات الشعب المصري في انتفاضته الأخيرة. ونجح الحزب في العراق وسوريا في قيادة المشروع القومي في النصف الثاني من القرن العشرين مع بعض الإختلاف بسبب اختلاف المجتمعين العراقي والسوري ولأسباب يطول الحديث فيها ويخرجنا عن موضوع اليوم. ونجح الحزب في البلدين إلى حد كبير في تحقيق رفاه محدود إذا ما قيس بمن حوله وبالإمكانات المادية المتوفرة.

إلا أن الحزب أخطأ في البلدين ولأسباب تكاد تكون متشابهة حين انشغل بتدبير امور السلطة ففقد المبادرة الثورية التي أكسبته الشرعية وتحول إلى جهاز يخدم نظاماً سياسياً يتعامل مع العالم الغربي وفق نظام هذا الأخير لكنه مع ذلك يدعي أنه يتصدى لمشاريعه..... ولعمري لا أدري كيف تصور قادة البعث في العراق أو سوريا أنهم يمكنهم الجمع بين النقيضين!

فأخطأ صدام حسين حين تصدى للثورة الإسلامية في إيران والتي رغم أنها تناقض المشروع القومي العربي إلا أنها جاءت لتتصدى لمشروع الإستكبار (الإمبريالي) الصهيوني، وكان من الممكن التعايش بل التعاون معها في مواجهة عدو مشترك.. لكن جهل البداوة أوقع صدام ومن حوله في سراب الخيارات فانتهى البعث في العراق يوم دخل في المواجهة العسكرية ضد إيران خدمة للإستكبار العالمي سواء أأدرك ذلك أم لم يدركه فأخرج العراق من الصراع المركزي حين تحالف مع الصهيوني الأمريكي ظناً منه أنه سوف يسمح له هذا الأخير أن ينقلب عليه مستقبلاً. وهذا موضوع يحتاج لدراسة شاملة في التأريخ السياسي لتجربة البعث في العراق لم يقم بها أحد بعد بموضوعية وتجرد

لكن ما يهمنا اليوم هو ما حدث في سوريا.. ورغم أن الرفاق السوريين يحتفلون هذه الأيام بذكرى الحركة التصحيحية والتي لي فيها رأي قد لا يروق لبعضهم، رغم ذلك فإن لن أعرج عليها لأن موضوع اليوم أكثر دقة ومباشرة من ذلك. وهو الذي سيجيب على عنوان المقال.

فعندما قرر صدام حسين بعد سنوات من دفاعه كما صرح هو عن عروبة الخليج، وهو الخليج الذي يزخر بالجاسوسية الأوربية والبغايا والقمار والخمر والجيوش والطائرات والأساطيل الأوربية وليس فيه من العروبة شيء،  قرر أنه يريد أن يحتله لأنه أي الخليج شق عصا الطاعة عليه فلم يقدر ما فعله من أجله. اي أن صدام حسين اكتشف فجأة أنه نسي المبادئ التي أولدت البعث فأراد العودة لها لكنه نسي في الوقت ذاته أنه تخلى عن تلك المبادئ يوم سمح للفرنسي أن يقاتل الأيراني إلى جنبه ويوم سمح للمخابرات المركزية الأميركية أن تفتح لها مكتباً رسمياً في بغداد ويوم و يوم.... وحين قرر صدام حسين ذلك ارتكب الرئيس حافظ الأسد الخطأ السياسي الثاني في حياته وربما كان الخطأ المميت.....

ذلك لأنه كان بمقدور سوريا يومها أن تمنع الجامعة العربية من الطلب من مجلس الأمن التدخل العسكري في العراق....ولست أدعي أني أتنبأ بما كان سيحدث لو أن سوريا أصرت يومها على أن تتبنى الجامعة العربية وحدها حسم الخلاف العراقي الكويتي... لكني أعلم أن الأمر ما كان ليقود لخراب العراق والمشروع القومي العربي معه كما هو الحال اليوم.. إن الإدعاء بأن سوريا عملت لحماية الأمن القومي العربي يدعو للضحك فمتى كانت حماية النظم الوهمية التي قام البعث على رفضها دفاعاً عن الأمن القومي العربي؟ وكيف يمكن أن يكون خراب المشروع القومي العربي في العراق لصالح المشروع الصهيوني في الكويت خدمة للأمن القومي العربي؟ إن حقيقة الموضوع هي أن حافظ الأسد وهو السياسي المحنك والمعروف عنه كرهه للبداوة والأعراب لم يكن حقاً يريد انقاذ حكام الكويت لكنه أخطأ في تقدير حقيقة القوى المتصارعة في العراق فاعتقد ان اضعاف صدام حسين كان سيفسح المجال أمامه هو ليقود البلدين، فكان ذلك ما كشف ضعف بصيرته في فهم هذا الجزء من الواقع القومي العربي.

ومهما كان السبب الحقيقي لتأييد سوريا للتدخل الصهيوني في العراق والذي أدى ما أداه في النتيجة الى عراق اليوم بيد مجموعة من اللصوص وشذاذ الآفاق، فإن السابقة التي خلقها دعم سوريا لطلب الجامعة العربية للتدخل الصهيوني هي نفسها التي تستعمل اليوم ضد سوريا.... أي أن سوريا تدفع اليوم ثمن خطيئتها في الوقوف مع المشروع الصهيوني ضد العراق عام 1990. وقد فتح طلب الجامعة العربية للتدخل الصهيوني في العراق والسكوت على كل الجرائم أثناء الحصار الجائر وكذلك عدم استناد سوريا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة لتجاوز الحصار وكذلك سكوت سوريا عن دعوة الجامعة العربية لإتخاذ موقف من غزو العراق عام 2003 كل هذه خلقت النتيجة الطبيعية بأن سوريا سمحت للجامعة العربية أن تتحول لأداة مكشوفة للصهيونية ففعلت ما فعلت مؤخراً في خراب ليبيا. وقد كان على سوريا وهي الدولة المؤسسة أن توقف الدول الهامشية الخليجية عن التحكم بها.... فإذا لم تنجح فقد كان عليها أن تنسحب منها محتفظة بموقعها القومي تاركة الجامعة العربية كي تصبح جامعة الدول الحليفة للصهيونية...

ولعل أضعف المواقف لسوريا عام 1990 كان الإمتناع عن التصويت كما فعل ملك الأردن لا الوقوف مع حسني مبارك... فهل كان ملك الأردن أكثر قومية من حافظ الأسد؟ فلو امتنعت سوريا عن التصويت لما نجح مشروع حسني مبارك في الجامعة العربية ولما استطاعت الصهوينة أن تدعي أن الجامعة العربية تدعم التدخل العسكري لدمار العراق..

أما ماذا يمكن لسوريا أن تفعله اليوم فليس في ما تقوله سوريا اليوم بممارسة الدبلوماسية الهادئة فليس هذا زمنها.... ولنا رأي مختلف في هذا قد نعرضه إذا وجدنا من يسمع.

والسلام

عبد الحق العاني

25 تشرين الثاني 2011