http://www.kitabat.com/i12767.htm
30 كانون الثاني 6200
شلش العراقي والعامية العراقية
كتابات - باقر الكوفي
حدث
ما تخوّفت منه منذ البداية،
واعني ان يتحول شلش العراقي الى نموذج للمحاكاة للكثيرين الذي رأوا فيما فعله أمراً
يمكنهم بسهولة تقليده، وربما بعدها الحصول على الثناء والمعجبين كما حصل هو عليهم.
ولكن
الأمر تجاوز حدود مخاوفي بعد ان بدأ جمع كثير بتقليده من الذين كانوا يكتبون
بالعربية الفصيحة فقط، بل ان منهم من هو في ارذل العمر ومعروف، ولو عن طريق رويات
قادسية صدام السيئة الصيت.
ربما
يتميز الشعب العراقي عن الشعوب العربية الأخرى بأنه شعب يكتب بالعربية الفصيحة فقط
اذا ما تناول شأنا عاما في الصحف والاعلام المطبوع، بل وحتى في الرسائل الشخصية
التي يتبادلها مع أهله او اصدقائه، والى المحاولة للتعبير بالعربية الفصحى اذا ما
كان الحديث عبر التلفزيون او الراديو. هذا الأمر ليس عاديا، كما قد يتصور بعض
الناس، لأن في مصر مثلا صحفا تصدر بالعامية المصرية فقط، وتوجد مقالات عديدة
تتناول الشؤون المختلفة في الصحافة " الفصيحة" تُكتَبْ بالعامية، بل ان
اسم احدى الصحف المصرية هو" الكورة" ويقصدون بها " الكُرَة"،
وربما يعرف الكثيرون ان "توفيق الحكيم قد كتب روايات عديدة أما باللهجة
المصرية فقط، مثل "عودة الروح"، او كانت العامية تحتل مكانا مهماً من
حجم الرواية مثل "يوميات نائب في الأرياف".
الا
ان الكتابة بالعامية هو امر لم يكن معروفا في العراق الا في نطاق محدود يكاد يقتصر
على الكاريكاتيرات المصحوبة باللغة المكتوبة التي هي بطبيعتها متواضعة تتناول
أموراً يومية أو سياسية بقصد التهويل والنقد الذي يهدف الى الاضحاك والسخرية. وحتى
هذه لم تحتل حجمها الا بسبب سياسة "التطبيل للشعب" التي اتبعها النظام
الساقط ايام الحرب مع ايران.
ولكن
ظهور شلش العراقي تبعه ظهور شلشات عراقية عديدة، بل ان الكثيرين اصبحوا لا يتحرجون
من استعمال أو إقحام الكثير من التعابير العامية في مقالاتهم تماشيا مع
"الأسلوب" الجديد الذي اختطه شلش وكأن الكتابة بلغة عامية هي بطبيعتها
ضعيفة ولا يمكن التعبير بها عن معان كبيرة الا بصعوبة، قد اصبح مثالا للأسلوب
الرفيع. يكفي أن اذكر هنا ان اللهجة العراقية مثلا لا تعرف كلمة يبتسم وتعبر عنها
ب "يضحك" ولا تعرف تعبير" بكل سرور" وتعبّر عنه بجمل طويلة
ثقيلة أو تستعيض عنه بما لا يفي بالغرض اساساً، وكمثال أخير اذكر تعبير "ليلة
سعيدة" أو "تصبح على خير" اللتين لا تعرفهما اللهجة العراقية ايضا.
لست
من قراء أو حساد شلش العراقي لأنني لست كاتبا اصلا ولا اطمح من أجل ذلك، ولكني
غيور على اللغة العربية المهددة اساساً وتكاد تختنق في كل مكان وحتى في قلاعها
الأخيرة، أي البرامج السياسية والأدب.
يستطيع
أي انسان أن يكتب وينشر اذا وجد له قراء ومجالا للنشر، ولكن أن يقلد الكثيرون ذلك
الذي يكتب بالعامية يعني أننا في مسار تحول ربما يكون خطيرا اذا ما كبرت كتابات
شلش.
والسؤال
هنا هو: هل هذا ما نريده للعربية. هل التحول الى العامية هو الحل حتى في مجال
الأدب؟
وفي
الحقيقة لا يوجد ما يمنع، نظرياً، ان تتحول لغة صعبة كالعربية الى مجموعة من
اللغات، فقد سبقتها في هذا الطريق لغات كثيرة كاللاتينية مثلا. ولكن بما أن هذا
التحول صعب في العربية لأسباب دينية وحضارية كثيرة، يكفي ان اُذَكِرَ هنا ان قواعد
اللغة العربية يكاد لم يطلها التغيير منذ ايام اباء القواعد الاوائل في عهد
الاسلام الأول بسبب المعارضة القوية من المحافظين. ولذا فأن ما استطيع ان اتصوره
هو أن كتابات شلش وامثاله، أو تلامذته، لن تساهم الا في مزيد من التدهور في
التعبير. وقد نجد انفسنا في يوم قريب وقد فقدنا لغتنا وعندها لن يبقى عندنا شيء.