http://www.iraq4allnews.dk/new/ShowNews.php?cat=8&id=2736

March 21, 2008

موت الكفاءات المهاجرة وغدر الكفاءات الصامدة
رحلَ فخري البزاز

نهاية عام 1974 و خلال دراستي في المملكة المتحدة للحصول على الأختصاص شاركت في دوره متخصصه  بامراض الدم في مدينة مانجستر وخلال فترة الاستراحة لتناول القهوة في اول أيام الدورة، حيث يتم التعارف والالتقاء وتبادل الحديث بين المشاركين، بادرني الاستاذ المشرف على الدورة، وهو الشهير حينها في امراض الدم  بعد ان عرف اني من العراق، "ما رأيك بعبد الرحمن البزاز؟" وفي حينها كان البزاز قد توفي بعد معاناة طويله أعقبت خروجه من السجن  لتفاقم ارتفاع الدهنيات التي  تسببت باصابته بجلطات دماغية في احد مستشفيات لندن عام 1973 وقبل وصولي الى بريطانيا بسنة. فوجئت بسؤال الاستاذ في بداية تعارفي به، وتلافياً للأحراج أجبته :" لم اتوقع  يااستاذ امراض الدم انك ستسألني عن رجل قانون في العراق. يبدو انك ضليع بالسياسة".. أجابني بابتسامة: "البزاز زميلي في الدراسة يوم كنا في كلية كنكز (College King’s) في لندن كنا معاً لسنوات عديدة ندرس القانون، والبزاز كان الطالب الاجنبي الوحيد بين مجموعتنا، لقد كان  الاكثر تفوقاً وألمعيّةً وذكاءً والأول علينا في الوجبة، وبقينا على تواصل بالرغم من افتراقنا بالتخصص وابتعادنا بالمكان، و حين عُيّن رئيسا للوزراء في العراق إستبشرت و توقعت ان ينتشل البزاز العراق من نكساته و يقف على قدميه، لكنكم سرعان ما عزلتموه وسجنتموه، وحين زرته في احد مستشفيات لندن وهو على فراش الموت لم أستطع التعرف عليه. فلماذا كل هذه القسوه مع هذا العقلية الموهوبه؟" وفعلاً توفي عبد الرحمن البزاز في حينها (رحمه الله) مخذولاً ومشلولاً ومقهوراً وكان ممكن فعلاً لو اتيحت له الفرصه ان يكون منقذاً للعراق.

وفي بداية عام 1976 كنت اتدرب واعمل في احد مستشفيات ليفربول بالمملكة المتحدة وهناك عرفت زوجتي وهي تحضر لشهادة الدكتوراه  في علم الاحياء بجامعة ليفربول ان استاذها في الستينات في كلية العلوم (د. فخري البزاز وهوشقيق عبد الرحمن البزاز) متواجد في ويلز في المملكة المتحدة في جامعة بنكر بصفته استاذ زائر في علم البيئة. وذكرت لي في حينها كيف كان فخري البزاز استاذا لامعا في اختصاصه في الكلية وكيف كان يتعامل مع طلبته بحيوية وعلمية فائقة ويختار الطلبة المتفوقين لمساعدتهم في الحصول على البعثات والزمالات التخصصية في اميركا. ومن خلالها تكلمت مع فخري البزاز هاتفيا  وكان في حينها على وشك العوده الى جامعته في هارفرد مما حال دون اللقاء به، ولكني بقيت حقيقة اتابع عن كثب ما حققه فخري البزاز من بحوث وابداعات وانجازات وكيف اتيحت له الفرص ليبرز كعالم بيئة وتلوث لأشهر المراكز في امريكا و ليصبح احد كبار الاستشارين في شؤون البيئة وعلى مستوى عالمي .

قبل اشهر قليله كنا مجموعة من الأكاديميين في عمان وفي جلسة  نتحدث فيها عن الوضع الصحي  في العراق وكان يجلس الى جانبي شقيقه الاستاذ الدكتور حسن البزاز و حين تطرقنا الى مسألة التلوث البيئي  والاشعاعي و الاحيائي في العراق وخطورته وكيف كان ينبغي ان يكون الاستاذ فخري البزاز بيننا او في العراق ليدلو بدلوه، اجابني شقيقه: "يا دكتور، لقد انتكس فخري صحياً مع انتكاسة العراق، وهو الان طريح الفراش لا ينطق ولا يتحرك بسبب اصابته بجلطات دماغية ".

 لقد كان فخري البزاز حريصاً على ان يقدم لوطنه شيئا حين تفاقمت الاحداث بعد الاحتلال وتعاون مع علماء وزملاء عراقيين لإنشاء الأكاديمية العراقية في لندن على أمل البدء بمشروع علمي نهضوي عصري، لكنً ألامال خابت والهمم خارت أمام الأحداث. إتصل بي إستاذي والطبيب الألمعي الدكتور فرحان باقر، احد المؤسسين مع فخري البزاز لمشروع الأكاديمية، قبل يومين، وهو المهجًر حاليا في دولة الامارات، وأفصح لي عن خيبة امل وقنوط  لعدم  اعتقاده بامكانية العوده الى العراق قريباً وفقا لما شاهده في بغداد من واقع حيث امضى خمسة ايام لحضور مؤتمر طبي لم يغادر خلالها فندق الرشيد في المنطقه الخضراء ولم يستطع رؤية بيته المتميز قي حينها بالمنصور. وانا أدرك مايحمل فرحان باقر وقد تجاوز الثمانين، أطال الله عمره، من مشاعر للعراق الذي قضى جلً عمره كطبيبٍ فيه وخرًجَ أجيالاً من الأطباء منه. أنهى الحديث الاستاذ فرحان معي بالهاتف بكلمات مرتعشه ومتترددة بخبر وفاة الدكتور فخري البزاز وكيف ان الخليج على اتساعه لم يعد يحوي أساه لانه لا يعرف كيف يقدم تعازيه لذوي الفقيد الذين شتتهم الزمن في بقاع متباعده من الارض.

لقد بكيت فخري في وفاته غريبا شريدا وبكيت فرحان حيا في شيخوخته ووحدانيته وهوينتظر ن يعود باقرب وقت الى وطنه و داره بين زملائه واهله  وذويه.

 وأنا أكتب هذه السطور تسلمت نداءً من زوجة استاذنا الجراح خالد ناجي تخبرني برغبته في الحديث معي اذ انني افتقدت الحديث بالهاتف معه منذ اسابيع بسبب حالته الصحية المتدهورة ومرضه المتقدم فلم افهم منه سوى كلمة "هلو" ليتبعها ببكاء متقطع ادركت حينها لماذا تقًصدَ الاستاذ خالد ناجي الحديث المباشر معي. لقد اراد ان يبكي فخري ويبكي نفسه ويبكيني وهو الذي اوصى بان لا يدفن الا بجوار قبر اخيه الدكتور اسماعيل ناجي في بغداد. مع الدموع كانت الذاكره تستعرض قمما واسماء وملامح كفاءات ومواهب دُفنت في ثرى الأغتراب كالجواهري والبياتي و عبد الرحمن عارف وخالد القصاب وسبهان الخضيري وسامال فرج وعضيد سالم ونازك الملائكة وراسم الجميلي و محمد حسين السعدي ولمعان امين زكي وسالم الدملوجي وسعدون حمادي وعبد الرزاق الظاهر وبلند الحيدري.  واليوم وانا استعرض مسودة هذا النعي نعت قناة الشرقيه القاص فؤاد التكرلي وآخرون كثر ربما رحلوا دون ذكر ونحسبهم احياء. لفّني بعد ذلك نوم عميق ما اعتدت عليه في مكتبي لأستيقظ مبكرأ والتلفاز الشغال على احدى قنواتنا الفضائيه ينقل اليً خبراٌ عراقياً مفاده ان شاباُ جراحاً شهيراً  بريطانياً من اصول عراقبه غادر العراق بعد اكماله ثانويه كلية بغداد وهو الان في منتصف الاربعين عمرأ منح لقب سيًد (SIR) ولورد ( LORD) ويشغل منصب وزير الصحه حالياً، وبقدر مااستبشرت بالخبر قبل ان تعًرج المذيعه الى خبر آخر مزعج حول موت المفخخات والاحزمه الناسفه او قتل خاطئ من  قذيفة دبابة احتلال، تناولت فنجان القهوه وفتحت بريدي الالكتروني وأخذتني الدهشة، فأمامي رساله  من عميد كلية الاطباء الملكيه في لندن يدعوني فيها لحضور ندوة طبيه ولقاء مباشر مع اللورد (ارا درزي). خلال سنوات الحصار وما تلاها بعد الاحتلال انقطعت عني مراسلات هذه الكليه التي انا احد اعضائها وزملائها. ماسرُ هذا التوارد المتعاقب من الاحداث الذي يدور ويجول حول كفاءات العراق؟.

 عجيب انت ياعراق!! يا بلد العقول والمواهب والعبقريات! عجيب كيف تلقي برجالاتك فرادى وجماعات خارج الحدود بين مطاردٍ ومهجّرٍ ومهدد! بين مهمشٍ وسجين او معذب! والأعجب من ذلك كله كيف يختار الغرب هذه الكفاءات وكيف يكتشفها ويستثمرها ويرقى بها في حين لا تجِد أقطارنا العربية، المقفره منها، عقبةً الا ووضعتها نصب طموحاتهم لحرمانهم من العمل فيها او تقديم خدماتهم لها. لك العذر ياعراق! ياغرة الاحداق ! متى تشدُ اليك الرحال ويعود اليك الرجال؟ متى يبدأ الاعمار والبناء؟ متى تتحسن الحال؟ متى تحتضن العقول والمواهب التي اعددت واعطيت؟ متى يرحل الغزاة والحفاة والطغاة؟ متى تتوقف طاحونة الموت والغدر والسلب والنهب؟ متى نستعيد رفات اجساد وعقول البزاز والقصاب والجواهري التي تملأ  مقابر الكون اشلاؤهم وأرواحهم تبقى شاخصة اليك حتى يوم الفصل؟ هل ستحتضن ثانيةً خالد ناجي وفرحان باقر وعباس الرشدي والوكيل وجعفر ضياء ومسارع الراوي ومحسن الموسوي؟ هل في الأفق آمال أم انها قضية أجيال؟ عشمنا فيك ياعراق انك صابر و(صبر العراق صبور انت ياجمل).

الدكتور عمر الكبيسي
عمان.الاردن
10شباط - 2008