http://english.aljazeera.net/NR/exeres/10BD41A2-B1F8-41A2-95B2-45898566C48E.htm
مؤسـسات الإبادة الجماعية في العراق
نوفة
خدوري*
قبل
خمسة سنوات كانت معرفتي عن الحرب الدائرة في العراق قليلة جداً. وعندما طُلب الي
في حينها ان أكتب كلمةً ضد هذه الحرب لم أدرِ من اين أبدأ. أمـا اليوم فاني
اعلم تماماً لماذا بدأت هذه الحرب، كما اني اسـتطيع القول انها حرب ليست كباقي
الحروب ، بل انها ليست بحرب عادلة.
لقد
إستمرت هذه الحرب لمدة طويلة جداً وإنها مؤلمة جداً، ومكلفة جداً، وشريرة بلا
رحمة، ولا إنسانية أو عدالة فيها، ولا يصدقنا القول بتاتاً ان نَصِفُها بغزوٍ أو
حرب تحرير. اليوم وفي هذا المقام، وفي هذه اللحظة، أطالبُ ان تُصنّفَ هذه الحرب –
كما يجب ان توصف حقيقة - على أنها حرب إبادة ضد الشعب العراقي.
أنها
جريمة كراهية قامت بها المؤسسات. انها ليست حرباً عادلة، كما وإنها تفتقر الى المقومات
الشرعية، وتمَّ تنفيذها بادعاءات باطلة ولم تُنفّذ كخيار أخير – وليس هذا هو جلُّ
الامر، فبما ان فرص النجاح كانت ضئيلة جداً فان معظم الاسلحة التي استُعملت قد تعدَّت
تأثيرها قنابلهم الذكية.
اذا
كان المجتمع الدولي قد اعتبر النزاعات التي حصلت في البوسنة وأرمينيا ورواندا على
انها إبادة عرقية حيث استبُدلت الحقوق الانسانية بحملات التطهير العرقي، فان الوضع
في العراق يستحق ذات التقويم، بل أكثر من ذلك .
مؤسـسات
الإبـادة الجمـاعية
تشكل
عمليات القتل العشوائي والاغتصاب والتعذيب العناصر الرئيسية لمفهوم الإبادة
الجماعية. إلا أن الوضع في العـراق يتعدّى تلك الاوصاف لتنطبق عليه حالة من خصائص
القرن الحادي والعشرين – اي الابادة الجماعية (المنهجية) بواسطة المؤسـسات.
حينما
نقول ان الابادة الجماعية الجارية في العـراق هي فريدة عن سواها فاننا لا ننتقص من
وزر حروب الابادة السابقة او نتجاهل ما يجري من مذابح في اماكن اخرى من العالم.
بالاحرى
اننا ندرك ان ما يجري في العـراق ليس امراً جديداً، انما الامر هو مدى ما وصلت
اليه الأوضاع من تدهور.
ان
عملية الابادة الجماعية بواسطة المؤسـسات هي عملية تكتل كثيفة لغزو عسكري يقوده
رجال اعمال حيث يُقدم الاهالي الى المذابح من اجل غنائم يجنيها الغُزاة. أن عملية
الابادة الجماعية بواسطة المؤسـسات يتجاوز الحقد الاعمى وقتل المدنيين الابرياء
إذ أنه يُنفّذ بصورة رئيسة من اجل الوصول الى السلطة و الإستحواذ على الموارد
الطبيعية والنفوذ الأقليمي.
وحتى
تحقق الولايات المتحدة اسـتراتجيتها الاقتصادية فقد قامت بقتل واصابة الملايين من
العراقيين – عمداً او عن غير عمد.
الازدهار
بالحرب
استطاعت
الشركات الاجنبية التي تكسب ارباحا وازدهاراً أثناء الحروب (تجار الحرب) ان تحقق
مواقع قوة لها في العـراق دون ان تتعرض للمسـاءلة. ثم ان شـركات الامن الخاصة
والتي إنتشرت بصورة ملحوظة في العراق لا تجد دافعاً لأن تعمل للسلام او ان تحول
دون الابادة الجماعية - وان كان ذاك من ضمن اختصاصها.
لقد
اصبح ترهيب الأهالي وقتلهم هو مصدر رزق لهم، كما انه يحرم اطفال العـراق الجائعين
من لقمة العيش. اصبحت الحرب علينا مصدر رزق لهم!
وحتى يستمر تدفق
الأموال، فان شركات الامن الخاصة تقوم بتجريد المقاومة العراقية والجماعات المتمرده
من انسـانيتها، وتصفهم بانهم ارهابيون. ان حملة التشويه الإعلامية المتعاظمة لهذا
التفسير هو احدى عناصر عملية الابادة الجماعية عن طريق
المؤسـسات.
وهناك سبب آخر يُشجّعهم
على التمادي في ممارسة عنفهم الدموي وهو عدم خضوعهم لأي محاسبة قانونية في قتل
الناس الابرياء.
كـما ان الاشخاص
الذين يُشتبه بكونهم خطراً على المؤسـسة يُعاملون كاعداء يجب التخلص منهم تحت
ذريعة هجوم عدواني على المؤسسة. وبذلك تظل المؤسـسة بعيدة عن الحساب والمساءلة.
وبما ان هذه المؤسـسات تمتلك النفوذ، فانها تستطيع بكل سهولة إنكار ماقد ينسب
اليها من اساءة استعمال القوة، وتبقى كلمتها هي العليا.
ان عدم الاعتراف
بالمسؤلية عن تدمير حياة الرجال والنساء والاطفال يسجلُّ فصلاً جديداً في سجل
مؤسسات الابـادة الجماعية في العـراق.
رفض فرض
الديمقراطية
ومن الواضح انه
بعد مرور خمس سنوات ، نجد ان الولايات المتحدة لم تحقق سوى القليل من جدول اعمالها الانسانية، ولكنها انجزت
الكثير من الاهداف المدرجة في جدول اعمالها الخفيَّة و المتعلقة بالشركات
والمؤسسات.
لقد تمَّ، وما
يزال، توزيع الموارد الطبيعية العراقية وبعثرتها بين أعتى الشركات، فيما يُخصص القدر الضئيل جدا من الربح نحو اعادة بناء
العراق. وهذا هو تماماً
مفهوم مؤسـسات الابـادة الجماعية.
يدور كثير من
النقاش حول ما اذا كان العراق يمكن ان يقف من تلقاء نفسه بعد رحيل قوات الجيش
الامريكى.. ولكن من الاهمية بمكان ان نأخذ في الاعتبار ان الولايات المتحدة لم تذهب
اصلاً الى العراق وتتعامل معه كدولة ذات سـيادة، كما انها لم تساعد العراقيين للحفاظ
على وحـدة امتهم .
سـبق وقلت
قبل خمس سنوات ، واكرر قولي الآن : لايمكن فرض ديموقراطية على الطريقة الغربية على
أمّة لا تُرحّبُ بها.
ان كنتم لا تعتقدون انه يمكن للشعب
العراقي ان يؤلف شكلاً من اشكال الحكومة الذي نراه مناسباً لاحتياجاتنا ، وينبع من
ذاتنـا، انما هو إعتقاد مُهين للتضامن العـراقي والتراث التاريخي الذي كان سخياً دائما، ومازال مسـتمراً في العطاء،
وسوف لن يتوقف عن هذا العطاء أبدا.
_________________________
* نوفـة خدوري طالبة في جامعة تورنتو في كندا، وقد بدأت الحملة
ضد إحتلال العراق منذ سن 15 عاما.