نزيـف العـقل العـراقي

عماد خدوري

 

ألقيتُ هذا التقرير في مؤتمر "العالم الاسلامي والغرب : تفعيل سُـبل التقارب" التي استضافها المركز الدولي لدراسات الشرق الاوسط المُعاصر في مدينة فيكتوريا، كولومبيا البريطانية، كنـدا،   خلال الفترة من 28 الى30 اذار / مارس 2008 .

 

تحلّ في شهر آذار/مارس من هذا العام الذكرى السنوية الخامسة للغزو والاحتلال غير المشروع للعراق -  وهو الاحتلال الذي يقف الآن مهزوماً معنوياً ولكنه يواصل بالرغم من ذلك إغراق  الشعب العراقي في دوامة من العنف الدموي، وتستمر هجمتة بوحشية رهيبة : فالبنتاغون يقرُّ بان الضربات الجوية قد إزدادت بمقدار ستة أضعاف خلال عام 2007، وإن عدد العراقيين المُحتجزين في المعتقلات تحت سلطة الولايات المتحدة قد تضاعف في العام الماضي، ووفقا لرابطة العراقيين المحتجزين والسجناء، فهناك اكثر من 400,000 من العراقيين المسجونين والمحتجزين في 36 مركز من مراكز الاعتقال العراقية - بما في ذلك الآلاف من النساء والاطفال. ووفقا لبيانات الكونجرس الامريكى ، فان التكاليف الحرب في العراق تبلغ 12 مليار دولار شهرياً.

من اجل السيطرة على العراق،  فككَّ الاحتلال المؤسسات العراقية الرئيسية وعرّض المجتمع العراقي لأقسى انواع العنف والإفقار والتحريض العرقي والفتنة الطائفية من خلال إتباع الإحتلال لإسـلوب تمرّس فيه سابقاً في فيتنام وأمريكا الجنوبية في تأسيسه لفرق الموت (كما في السلفادور في ثمانينات القرن الماضي) والإستعانة بحوالي 200,000 عنصراً من المرتزقة الاجانب القتلة غير الخاضعين لأي محاسبة قضائية وبعض المرتزقة المحليين، و سمح لعصابات الجريمة المنظّمة، والتي تعمل تحت ظلّ الجماعات والأحزاب الدينية السياسية والتي هي نفس الجهات التي تتعاون مع المحتل وتعمل على إطالة أمد الإحتلال او التي تساعدها بصورة فعّالة البعض من الانظمة المجاورة للعراق.

 

لقد ادَّت سياسات الإحتلال الى ما يلي :

 

o       لقيَ ما لا يقلّ عن 345 من المدرسين واساتذة الجامعات في جميع انحاء العراق مصرعهم (هذه قائمة بالإنكليزية بالأسماء التي تم توثيقها لحد الآن و قائمة أقدم بالعربية) على أيدي جهات ما زالت هويتها تثير الشك القريب من اليقين في أنها بدواعي الإنتقام والتصفية المقصودة فى حملة منظَّمة من الاغتيالات، ويمثل هؤلاء النخبة جميع التخصصات العلمية والاكاديمية. ولقد أعلنت وزارة الداخلية العراقية مؤخراً بأنها احتجزت اكثر من 6000 شخص من المشتبه فيهم بتهمة اغتيال الاكاديميين والعلماء و قد حُكم علي 600 منهم بالاعدام ، وإن احد المشتبه فيهم قد إعترف بقتل 60 من قائمة العلماء والاساتذة . ومع ذلك، فان وزارة الداخلية العراقية تتوقف عن تقديم اي توضيح عن إنتماءات هؤلاء المتهمين ولا عن المحرّضين او الذين يقفون وراءهم.

o       ومن المقدر ان 2000 من الاطباء العراقيين قد قتلوا، وأن نصف الـ 34000 من الاطباء المُسجلين في عام 2003  قد غادروا البلاد، كما وإن تسعون في المائة من 180 من مستشفيات العراق الكبيرة تفتقر الى المواد الاساسية. وأثناء تولي جماعة مقتدى الصدر شؤون وزارة  الصحة سقطت الوزارة في مستنقع  الفساد والعنف الطائفي حيث تحوّل العديد من المستشفيات الى مراكز اعتقال سرية يُمارس فيها التعذيب والقتل بطريقة منهجية على ايدي فرق الموت الطائفية

o       إعترفت  وزارة الداخلية العراقية بأن اكثر من 9000 من موظفي الخدمة المدنية، بما فيهم من موظفين رفيعي المستوى في مكتب رئيس الوزراء، قد قدموا  شهادات جامعية مزوّرة تم شراؤها من السوق المحلية.

o       توقّف اكثر من 800,000 من تلاميذ المدارس (22 في المائة من فئة ذلك العمر) عن الالتحاق بالتعليم الابتدائي، وإن حوالي نصف الذين يكمّلون التعليم الابتدائي فقط يتابعون  تعليمهم الثانوي. كما ان اكثر من 220,000 طفل عراقي، والذين رافقوا أهلهم في اللجؤ الى البلدان المجاورة، هم الآن محرومين من حقهم في التعليم بسبب الظروف المادية أو العقبات الإدارية في الهجرة.

o       لقد إنهارت معظم الخدمات العامة فعلياً منذ عام 2006، حيث إن حوالي أربعون في المائة من الموظفين العراقيين المهرة قد غادروا البلد طالبين اللجوء أو الهجرة.

وينبغي الإشارة إليه بأن تراجعُ الاستقلال الاكاديمي للجامعات العراقية كان قد بدأ منذ أوائل الثمانينات، في ظل النظام الديكتاتوري السابق، عندما فقدت جامعة بغداد وجامعات أخرى استقلالها الأكاديمي في إطار القيود الادارية الخانقة التابعة لوزارة التعليم العالي. كما وأدى ذلك الى هجرة واسعة للادمغة العلمية خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حيث رحل العديد من أعضاء هيئة التدريس المؤهلين كنتيجةً مباشرة للتدخل القمعي من اجهزة الامن والإستخبارات في حرم الجامعات، وتمادي الاتحادات الطلابية التي كان يهيمن عليها الطلبة البعثيون واعضاء هيئات التدريس من البعثيين المتجذرين. وان كانت هجرة الادمغة  تلك بطيئة ومطّردة ألاَّ انها تحولت بشكلٍ مأساوي الى نزيف مخيف  بعد احتلال العراق، كما تظهر الاحصاءات  الواردة اعلاه.

إن الدعاية الاميركية بشأن  إعادة إعمار البلد ما هي إلا إكذوبة مريرة. وما زال المجتمع الدولي صامتاً أزاء الفساد السرطاني المستفحل في جميع المجالات وعلى كافة المستويات (حيث أن العراق هو الآن ثالث اسوأ بلد في العالم من حيث الفساد)، وحول تكاثر العصابات المحلية والاغتيال المستهدف وإختفاء اصحاب المهارات العلمية و الفنية.

 

إن المشكلة في العراق، كما يُخبرنا المحافظون الجدد الأمريكيون والذين هم على رأس حربة الهجمة السياسية لإحتلال العراق واتباعهم من اصحاب الاختصاص، كان بسبب الافتقار الى الإعداد المُستبق أو الخطأ النوعي في التخطيط للإحتلال، او أنها مجرد اخطاء في التنفيذ والادارة قد يستنبط منها الأمريكيون بعض الدروس والعبر للمستقبل بكلفة دماء العراقيين، وكأن الإختناق المأساوي الحالي لم ينشأ بسبب الغزو والاحتلال غير الشرعي  لدولة عربية  نفطية  ذات سيادة تحت غطاء من الخداع الرسمي، وإنما هي فقط في الطريقة التي تمَّ بها تنفيذ الإحتلال!

ما ينبغي اعتباره شرعياً وباصرار دائم هو ماذا تُدين به الولايات المتحدة الى العراق بعدما تسبب بوِش بأكثر من مليون قتيل عراقي، وعشرة اضعاف هذا العدد من الجرحى والمنكوبين خلال  خمس سنوات من اراقة الدماء بدون هوادة و أدى الى نزوح 5,000,0000 من العراقيين من الذين إقتُلعوا من أرضهم  أوشُردوا من ديارهم، وقد إضطر نصفهم إلى الفرار من وطنهم، علماً ان 65 ٪ منهم من النساء والاطفال، و إن 80 ٪ من الأطفال هم أقل من سن 12 سنة؟

إن هذه الاعداد تكوّن ما مجموعه 10 مليون عراقي من اصل عدد السكان الذي يوازي  حوالي 27 مليون. أن مصطلح "
مؤسسات الإبادة الجماعية" يطابق تماماً وصف هذه المأساة الانسانية.

 

تكمن اسباب نزوح السكان العراقيين بعدة عوامل متداخلة:

 

-عمليات عسكرية واسعة النطاق لقوات الإحتلال؛
-التدمير المنهجي للبنية الاساسية؛
-تدهور الاوضاع المعيشية الاساسية نتيجة لتدمير الدولة؛
-الفساد المستشري وتعزيز العصابات المحلية؛
-اعمال العنف الطائفية، وبالذات بعد تفجير المرقدين في سامراء في عام 2005 وبإسناد مكشوف من قبل اجهزة الأمن والشرطة والميليشيات وفرق الموت المرتبطة مع القوات المتعاونة والتي تضم الاحزاب الدينية في الحكومة العراقية و بموافقة ضمنية من المحتل الأمريكي.

أن وجود تنظيم القاعدة في العراق هو نتيجة اخرى مباشرة للاحتلال الأمريكي والتي يفتخر بأنه قد إستدرجها لقتاله على أرض العراق وليس على أرض الولايات المتحدة الأمريكية، فهو يشجّع الحرب الطائفية والتخلف الاجتماعي، وقد نددت بوجود هذا التنظيم حركات المقاومة العراقية المضادة للاحتلال. أن الهجمات العشوائية التي شنتها القاعدة، أو التي تُنسب لها ولكنها تدلّ على أنها عمليات موضوعية لفرق الموت الأجنبية والمحلية، والتي اخذت حيزاً كبيراً من جانب وسائل الاعلام تظل على حافة مستنقع اعمال العنف التى يعانى منها العراق ككل وتستخدم لتبرير اطالة أمد الحرب و الاحتلال.

 

ولقد استفادت الولايات المتحدة  من هذا العنف الطائفي، والذي عملت على تأسيس أرضيته دستورياً، من اجل تدمير القواعد الاجتماعية المقاومة للاحتلال ويؤدي حتماً الى استئصال العناصر البشرية القادرة من السـكان العراقيين – اولئك القادرون على ادارة العراق الديمقراطي  ذو السيادة، الموحد، والشمولي فيما تواصل الولايات المتحدة تبرير وجودها في العراق بذريعة تجنب "الحرب الاهليه" و "مكافحة الارهاب".

أن تدمير المؤسسات القائمة، اضافة الى الممارسات الواسعة  للافقار والتفكك الاجتماعي، قد أذكت من إنتشار القوى المتخلفة والقوى الطائفية التي لجأت الى الارهاب من اجل السيطرة وتفتيت البلد. وفي غضون ذلك، أُصدرت قوانين جديدة في ظل الاحتلال اسفرت عن احتمال كسر الرابط القانوني لوحدة العراق، والتخلص من مفهوم المواطنة، وتعزيز التشريعات الإنشطارية تحت مظلة دينية وطائفية.

يبرز تقسيم العراق كهدف استراتيجي للعنف الشديد الذي تعرّضت، ولا زالت تتعرض له، البلاد تحت هذا الاحتلال المقيت.

وتظلُ المقاومة العراقية بثباتها وصلابتها، على غرار غيرها من حروب التحرير كما في فيتنام والجزائر، تمثل الطموح الوطني الشرعي والوحيد للشعب العراقي.