http://www.kitabat.com/i11800.htm
2 كانون الثاني 6200
في بيتنا... شلش
كتابات - جمال حافظ واعي
1
كلما
قرأت شلش العراقي،
تذكرت احد اصدقائي ايام الثمانينيات الذي كان اسمه شلش، وكنت اقول له من باب
السخرية، ان اسمك وهيئتك المَلْحَة جريمة متكاملة الاركان مع سبق الاصرار والترصد،
فهي لا تحتاج الى مبرزات جرمية ولا الى كشف دلالة او شهود اثبات، فالشين الاول من
اسمك يعني (( شروكي \ شيعي )) وحرف الشين الاخير يعني (( شيوعي )) اما حرف اللام الفاصل بينهما فهو اشبه بالبرزخ الفاصل
بين عماءين !!
واذا
وقفت على قمة هذه اللام
ونظرت ذات اليمين وذات الشمال فستجد نفسك في صحراء شروكية شيعية شيوعية لا متناهية
الاطراف ، اليس هذا كله جريمة عظمى متكاملة في نظر الدولة؟!
لم
يكن اختيار الكاتب – شلش العراقي - لإسم شلش عفويا فهو مرمّز ومشفّر ويحمل الثنائية
المربكة التي اشرنا اليها، اي ان للاسم دلالة استعارية موسّعة وهو مفتوح لرياح
الجهات الاربع وتستطيع ان تقرأه من اية جهة شئت، من اليمين الى الشمال او بالعكس،
اي انه اسم مرن وسبورت ويعطي نفسه من اي باب دخلت عليه! وربما اراد ان يختزل باسمه
المستعار هذا معادلة الوقائع المتداخلة التي ضاع فيها – راس الشليلة - والتي
يختلط اولها بآخرها، انه تاريخ من التسميات المريبة المتلبسة بالضحية المستباحة في
جغرافية العراق.
وشلش
واجهة الواقع والسياسة ولافتته، وما يكتبه في مسلسله الفجائعي هو نحن، الذين نؤدي
اكثر من دور في المشهد الواحد، فالكثير من الكتاب نقرأ امراضهم في نصوصهم، اما شلش
فهو يحيلنا الى امراضنا واورامنا وكتابته تعني صراع الطبقات وصراع الاضداد وصراع
الطوائف وصراع الجشع والحيازة وضجيج عربات الباعة المتصادمة في الاسواق وحيرة
الناس امام ذواتهم المصادرة، فما يرويه هو نزيفنا، ذلك الجرح الغامض الذي ينكأه
الجميع كل آن، والذي يعاين الجرح النازف ليس كمن يشرح تاريخ النزيف او يعقب عليه،
هكذا يقودنا شلش الى منطقته، مختبره اليومي المحمول على ظهر المأساة، تلك المأساة
التي لا تحتاج الى المزيد من الخيال قدر ما تحتاج الى المزيد من التأمل .
فاللحظات
اليومية القلقة المعاشة والاحداث الصادمة غير المتوقعة لا تحتاج الى عقل تحليلي
تأويلي لأنها تستفز الكينونة الانسانية برمتها الى الحد الذي تجعل الانسان يكفر
بكل شيء وهو يرى مسرح اللامعقول هذا يضج من حوله، لذا يلجأ شلش الى سرد الحوار من
خلال القاموس اللغوي المتداول، فالكاتب هو نتاج مجتمعه المضطرب المتناقض و لا بد
له ان يستجيب الى شكل الكتابة المعبر والموحي والاكثر اقترابا من هموم الناس
وحواراتهم اليومية وازماتهم المصيرية التي يغلفها الغموض وعدم وضوح المقاصد.
يوميات
هي اشبه بسجل حياتي للاوبئة التي تنخر الحشود المُساقة والمنساقة، وشلش لايقتحم
منطقة التجريد في كتاباته ولا يخوض في نظريات علم الاجتماع وانما يزيح الستار فقط
لنرى بأعيننا، انها دراما الأنا وهي تتساءل بتجرد وتراوغ بثعلبية للافلات من
مصائد الغفلة والمغفلين !!
2
لم
يكتب عن يوتوبيا متخيلة داخل الشرائط الملونة للغة، وانما عن اهلنا الذين يتجولون
في الاماكن المباحة والمستباحة والمصائر وعند حافات الاشتباك، وهو لا يفرض علينا
ان نصدقه فيما يرويه وانما يوحي من جانب خفي، ان ثمة فرقا بين التصديق كقناعة
ذاتية وبين وجوب التصديق كمهيمن خارجي .
وبسخريته،
التي هي سلاح الاعزل كما يرى فولتير، يتساءل شلش بنبرة القافلة التي فقدت بضاعتها
وطريقها وحداتها، عن دورة الايام عندنا، هل تدور بإتجاه عقارب الساعة ام تدور
بإتجاه عقارب الاخرين، تلك العقارب المتجولة بيننا آناء الليل واطراف النهار،
العقارب التي تتزيا بشتى الازياء وتتخذ شتى المسميات وتبث سمومها في المفاصل
الحساسة، ربما اراد ان يسحب البساط من تحت اقدام طبالي وراقصي الملل الجديدة وسيرك
القردة المتجول، فمن الخسارات الفادحة ان تكون في الصفوف الامامية لمنازعات لا
تعرف مقاصدها الحقيقية، والاكثر فداحة عندما تشعر انك طُعم مجاني لتلك المنازعات،
هكذا حمل شلش مرآته وقدم لنا هذا الكشف الانثربولوجي اليومي لنسيج متداخل من
الاحداث وبمرويات تسجيلية تناور في لغة الفضيحة والفضيحة المقابلة التي
تعرّي الذوات الهشة وهي تجاهد للحيلولة دون انكشاف نوازعها العصابية وامراضها
المزمنة، متخذا من صديقه او ابن محلته الذي سماه – خنجر – دالته، وخنجر هو ذلك
الرمز الافعواني، الحرباوي، الثعلبي وعراب اللحظة الراهنة، فالطريق الى الوطن
اليوم لا بد ان يمر بخنجر هذا الذي يطعنك من الخلف، وخصوصا في الظلام، فهو دليلنا
الى الغد وقسمتنا الراجحة والمرجّحة على السواء، والمستقبل الذي تتناسل فيه
الخناجر القديمة والجديدة !!
استراليا