دعوة
الحكيم
للإقليم
الشيعي،
وطريق منع تقسيم
العراق
بقلم:
ماجد مكي
الجميل
من
مفاخر
الحضارة في
العراق
وتقدّمها أنه
قد قام فيه
أول برلمان في
العالم عام 3000
ق.م.،
ففي الصفحة 30
ـ 36 من كتاب
العلامة
بالسومريات،
صموئيل كريمر
"التاريخ
يبدأ في سومر History Begins at Sumer
(الصفحة 67 ـ 73 من
النسخة
الفرنسية
للكتاب بعنوان
"l’Histoire commence à sumer"،
والصفحة 81 ـ 85 من
النسخة
العربية
بعنوان "من
ألواح سومر"
ترجمة
العلامة
المرحوم طه باقر)
نجد تحت عنوان
"أول برلمان
ذي مجلسين" ما يلي
(الاقتباس من
النسخة
العربية):
أصبح
بوسعنا الآن
أن نقرأ سجل
مجلس سياسي
انعقد قبل نحو
خمسة آلاف
عام. أجل أن
أول "برلمان" سياسي
معروف في
تاريخ
الإنسان
المدوّن قد التأم
في جلسة خطيرة
في حدود 3000 ق.م.
كان البرلمان
مؤلفاً من
مجلسين، من
مجلس الشيوخ،
ومن مجلس العموم
المؤلف من
المواطنين
الذكور
القادرين على
حمل السلاح.
وكان "برلمان
حرب" دُعي
للانعقاد
ليتخذ قراراً
في أمر خطير
يخص الحرب
والسلم. لقد
كان عليه أن
يختار بين "السلم
بأي ثمن كان،
وبين الحرب مع
الاستقلال" فأما
مجلس الأعيان
الذي كان
مؤلفاً من
الشيوخ المحافظين
فانه أعلن
قراره أنه
بجانب السلم
مهما كان
الثمن. ولكن
الملك اعترض
على القرار،
ثم عرض الأمر
بعد ذلك على
مجلس العموم
فأعلن هذا
المجلس الحرب
من أجل
الحرية،
وصادق الملك
على قراره.
يقول
كريمر ما يلي:
(الاقتباس من
النسخة الفرنسية):
لا
تعتقدوا أننا
في عصر
الجمهورية
الرومانية،
كلا نحن في
الشرق الأدنى
قبل ألفيّ عام
من ولادة
الديمقراطية
الإغريقية…
هذه الممارسة الديمقراطية
التي جرت عام 3000
قبل الميلاد
تمثل عطاءً
مهماً من
عطاءات
السومريين
للحضارة…."
وقبل
البرلمان،
وفي بلاد ما
بين النهرين
أيضاً
"أخترعت
وتطورت فيه
الكتابة
المسمارية… وهو
أبرز ما ساهمت
به بلاد سومر
في تقدم
الحضارة…
وفيها نشأت
المدرسة
السومرية..
وما أن حلّ
منتصف القرن
الثالث قبل
الميلاد حتى
ظهر عدد من
المدارس في
جميع بلاد
سومر حيث صارت
الكتابة
تُدرَّس
تدريساً
منتظماً."
وهذا القول
أيضاً لكريمر.
وفي
العراق نشأت
وصدرت أقدم
الشرائع. "وإذا
كانت شريعة
حمورابي (بدا
حكمه عام 1750 ق.م.)
معروفة
ومشهورة على
نطاق العالم،
إلا أن الآثاريين
كشفوا عام 1947 عن
شريعة سبقت
شريعة حمورابي
في الزمن بنيف
مائة وخمسين
عاماً، هي
قوانين
أصدرها الملك
(لبت ـ عشتار).
إلا أن أحقية
(لبث عشتار)
كونه أول
مشرّع في التاريخ
لم تلبث
طويلاً، ففي
عام 1948 تم
اكتشاف في تل
صغير يدعى
(حرمل) لوحين
مدونين
بشريعة أخرى
أقدم من لبث ـ
عشتار، هذه
الشريعة هي
شريعة
"اشنونا"
نسبة إلى
المملكة التي
كان موقع تل
حرمل يقع
ضمنها. وقد
دُوّن هذا
اللوحان مثل شريعة
حمورابي
باللغة
البابلية." دائماً
الكلام
لكريمر.
الآن
وبعد هذا
الرقيّ قبل
خمسة آلاف
عام، تمثل
أمام أعيننا
الذروة في
الانحطاط
المعرفي بأبسط
مقوّمات
الديمقراطية
والشرائع
والقوانين.
ففي يوم
الأربعاء 10
آب/أغسطس زار
عبد العزيز
الحكيم، رئيس
المجلس
الأعلى
للثورة الإسلامية
في العراق،
المرجع
الشيعي
الأعلى،
السيستاني.
وفي 11 آب/أغسطس
أعلن الحكيم
في خطاب
حماسيّ
بملعبٍ في
مدينة النجف
عن تأييده
لإقامة إقليم
فيدرالي
لجنوب ووسط
العراق. هكذا
ارتجالاً دون
أن يقدّم إلى
العلن وثيقة
رسمية واضحة
المعالم عن
هذا الأمر
الخطير. وحتى
جريدته خلت من
أي فكرة متماسكة
عن الموضوع
الذي سبق
للحكيم أن
بشّر به قبل
ذلك بشهرين.
كل ما لدينا
عبارة عن
تصريحات متناثرة
هنا وهناك بما
فيها تلك
النتف التي ذكرها
الحكيم في
الملعب ومعه
هادي العامري
رئيس منظمة
بدر، الجناح
العسكري
والأمني للمجلس.
الدعوة
عند الحكيم
واضحة وهي
إقامة "إقليم
شيعي" في وسط
وجنوب العراق.
لم يقدّم عُذراً
لهذا الإقليم
سوى "الروابط
الخاصة بين سكانه،"
كما أسماها.
قال إن تشكيل
إقليم واحد يضم
نسيجاً
اجتماعياً
متجانساً هو
ما نصبو إليه.
لم يتطرق
لطبيعة
النسيج الذي
يشد من أواصر سكان
الوسط الجنوب
دون غيرهم من
العراقيين،
وهل هو أقوى
من رابطة
الإسلام،
والدم، واللغة،
والقومية،
والتاريخ
الواحد،
والمصير المشترك…الخ
؟
لو
سرنا من طوكيو
إلى نيويورك
في عرض الكرة
الأرضية، ومن
شمال فنلندا
إلى جنوب
أفريقيا طولاً
لما وجدنا
فيدرالية
واحدة في
كوكبنا تقوم
على أساس
ديني، أو
مذهبي، أو طائفي،
ولا حتى قومي.
فليس هناك
دولة فيها
فيدرالية
كاثوليكية،
أو
بروتستانتية،
ولا أرثوذكسية
ولا بوذية ولا
إسلامية. ولا
توجد دولة في
العالم، سواء
كانت في الهند
أو ألمانيا،
أو الولايات
المتحدة فيها
فيدرالية
لأقلية قومية
أو عرقية. فلا
توجد
فيدرالية،
لسكان البلاد
الأصليين في
استراليا،
التي أخذت
الحكومة الأسترالية
تهتهم
بحقوقهم
مؤخراً، ولا
فيدرالية
للقومية
المكسيكية في
الولايات
المتحدة…الخ.
وفي حالة قيام
الإقليم
الشيعي فسيكون
أول فيدرالية
مذهبية من
نوعها في
التاريخ.
يقول
الحكيم، أنه
يريد
فيدرالية تضم
"الشيعة" لأنهم
تعرضوا لظلم
واضطهاد منذ 14
قرناً. وعلى
نحو مماثل
يسأل العامري
بصوت حماسيّ
الآلاف من المتجمهرين
في ملعب
النجف: "ماذا
أخذنا من الحكومات
المركزية غير
الموت؟" ثم
يُخاطب الحشد:
"علينا ألا
نتردد، علينا
ألا نضيّع هذه
الفرصة،
علينا أن نمضي
في طريقنا
لإقامة فيدراليتنا،"
وعدم تضييع
الفرصة جاءت
قبل ذلك على
لسان الحكيم
في الملعب
ذاته.
إذن
الدعوة
للإقليم
الشيعي هو
لدرء المظالم،
لكن هل هذا
المنطق يستوي
مع مفهوم
الفيدرالية؟
الفيدرالية
نظام إداري
بالدرجة
الأساس جاء
لحاجات
اقتصادية
واجتماعية
وغيرها لتنظيمها.
لا علاقة للفيدرالية
بالحقوق
والحريات
فهذه من اختصاص
دستور الدولة.
الفيدرالية
ليست جهازاً
للشرطة يمنع
الظلم أو
يفرضه، ولا هي
بنظام قضائي يقيم
العدل
والقانون.
نظرياً،
من الممكن
جداً أن يكون
هناك ظلم في أي
ولاية
فيدرالية إذا
كان هناك نقص
في نطاق الحريات،
أو خلل في تطبيق
العدل. وعلى
نحو مماثل
سيكون العدلٌ
لو كان العكس.
عملياً، لم
تستطع
الفيدرالية
في كردستان،
على سبيل
المثال، (هي
أقرب ما تكون
إلى الدولة
المستقلة) أن
تمنع الفساد
الإداري، والمحسوبيات،
ولا تعسف
الحزبين
الكرديين ضد الأقليات
الأخرى، وهذا
أمر يعرفه
أغلب العراقيين.
الأمر
نفسه ينطبق
على الحريات،
فهناك تصور عام
بأن
الفيدرالية
هي رديف
للحرية،
فكثيراً ما
نسمع
العراقيين
يقولون: "نريد
الفيدرالية
لأننا لن نقبل
بالظلم بعد
الآن،" أو
"سنتمسك
بالفيدرالية
لتضمن لنا
حريتنا،" في
حين لا علاقة
بين الاثنين.
الحريات
تُصان في دستور
الدولة في حين
لا تتمتع
الفيدراليات
بدساتير.
يقول
الحكيم أنه
يريد إقليم
شيعي لأنَّ
الشيعة لديهم
طقوسهم
الخاصة
ويريدون أن
يكونوا أحراراً
في ممارستها.
مرّة أخرى لا
علاقة للفيدرالية
بالطقوس
الدينية،
فهذه موضعها
القوانين
المنبثقة عن
الدستور التي
تنظّم حريات
الأديان
والعبادات…الخ
في
سويسرا، التي
تضم ثلاث
قوميات تنطق
بثلاث لغات
(الألمانية
والفرنسية
والإيطالية)
ولا تتجاوز
مساحتها 9
بالمائة من
مساحة العراق
(41.293 كيلومتر
مربع مقابل 434.000
كيلومتر
مربع)، هناك 23
فيدرالية
مُقامة على
أساس جغرافي.
بمعنى يوجد 23
كانتون
(محافظة)، لكل
كانتون
حكومته
المحلية،
ومجلسه
النيابي
المحلي،
ويقطن كافة
الكانتونات
أناس ينتمون
لمختلف
القوميات،
وفي بعض
الأحيان نجد
في بعض
الكانتونات
(فاليه، فريبورك،
جورا…الخ)
تناصفاً بين
القوميتين
الألمانية
والفرنسية.
وهذا النظام
ليس خاصية سويسرية
بل هو نظام
كافة
الفيدراليات
بالعالم.
تعدد
القوميات
والأعراق
والمذاهب
والطوائف ليس
اختراعاً
عراقياً، ولا
خاصية ينفرد
بها هذا البلد
مما يستلزم
تأسيس وضع شاذ
له. التنوع في
الأديان
والأعراق
واللغات قائم
في زوايا
الأرض
الأربع، ولعل
أكثرها
وجوداً في دول
الهجرة
كالولايات
المتحدة،
واستراليا،
وكندا،
ونيوزلندا.
وهي توجد
أيضاً على
نطاق صارخ في
إيران حيث لا
تشكّل
القومية
الفارسية سوى
45% من سكان
البلاد،
وهناك من
القوميات
والأعراق والأديان
في هذا البلد
أكثر مما في
العراق، وهي
لم تنل أبسط
حقوقها، وقد
وتعرض بعضها
لظلم واضح
(الأكراد
والعرب).
يمكن
أن نقتفي أثر
جذور دعوة
المجلس
لتأسيس إقليم
شيعي إلى
بداية
التسعينات من
القرن الماضي
عندما كان هذا
الموضوع على
رأس مطالب المجلس
خلال
مباحثاته
السياسية مع
الولايات المتحدة
لتحويل
المنطقة
المحظورة
الطيران في جنوب
العراق (جنوب
خط العرض 32) إلى
منطقة محظورة
على الجيش
العراقي
والإدارة
الحكومية
المركزية على
غرار المنطقة
الكردية (شمال
خط العرض 36).
كانت تلك
المطالب تلقى
دعماً قوياً
من إيران،
صانعة المجلس فوق
أراضيها في
الثمانينات،
في هدف واضح
لسلخ الجنوب
عن العراق.
لم
تمنح إيران حكماً
ذاتياً
لأكرادها كما
فعل العراق
عام 1974 بل راحت
تدفع صنيعها
(المجلس)
للمطالبة
بإقليم شبه
مستقل عن
الدولة
العراقية. ولم
يستغل المجلس
علاقته
القوية مع
إيران
لمطالبتها
بمنح حكم ذاتي
للعرب الشيعة
في الأحواز،
بل راح يطالب
بإقليم شيعي
في جنوب
العراق. أعتقد
جازماً أن
دعوة المجلس
في إقامة
"إقليم شيعي" إنما
هدفها تلبية
مطالب
إيرانية بحتة.
لنعد
إلى يوم 11 آب 2005،
يوم صرخة
الحكيم في
ملعب النجف:
"يجب ألا
نضيّع هذه
الفرصة"
والفرصة المقصودة
لا تحتاج
لعناء تفسير
تتمثل بـ
"وجود الاحتلال
على أرض
العراق." لكن
لنذهب بعيداً
عن ملعب النجف
ولنر ما الذي
حصل ذلك اليوم
(11 آب): أسفرت
نشاطات
المقاومة
العراقية عن
مقتل ثلاث
جنود عراقيين
يتولون حماية
الاحتلال،
ومسؤول
بالاستخبارات
العسكرية
العراقية التي
تتولى تقديم
معلومات
للاحتلال،
ومترجم يعمل
مع القوات
الأمريكية في
كركوك ومهمته تسهيل
نشاطات قوات
الاحتلال.
وذكرت
الولايات المتحدة
أيضاً أن
جندياً في
مشاة البحرية
قد قُتِلَ
بواسطة قنبلة
قرب مدينة
الرمادي. هذا
هو الطريق
الوحيد
لإفشال تقسيم
العراق.