http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2005\08\08-16\g80.htm&storytitle=ffمسؤولية%20البعثيين%20الخاصة%20في%20استعادة%20الوحدة%20الوطنية%20العراقيةfff

 

مسؤلية البعثيين الخاصة في استعادة الوحدة الوطنية العراقية

 

 2005/08/16 القدس العربي- ص 18

 

منذر نعمان الاعظمي

بينت ندوة مستلزمات جبهة التحرير والبناء الديمقراطي في العراق التي انعقدت في بيروت 28-29 تموز 2005 ان دورالبعثيين المتمسكين بالشرعية الحزبية والنظام السابق لا يزال المسالة الخلافية الاهم في الصفوف الوطنية العراقية العريضة.   وذلك على الاقل على مستوي المثقفين الوطنيين الذين تقع عليهم مهام تمييز المراحل المقبلة من النضال الوطني.   وكانت ندوة مستلزمات الجبهة الوطنية هذه، كما هو معروف، قد تلت ندوة دراسية نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، ناقشت بدرجة عالية من المسؤولية والتفاهم برامج لعراق ما بعد التحرير.   وغطت تلك الدراسات الدستور والنظام الانتخابي، والسياسة النفطية، واعادة الاعمار، واعادة بناء الجيش العراقي، واقليم كردستان العراق، وهي متوفرة مع ما جرى عليها من تعديلات على موقع المركز الالكتروني (caus.org.lb).

 

وكان مما تميزت به ندوة بيروت هذه عن مستلزمات الجبهة الوطنية العراقية اجواء المصارحة والطرح الواضح والمباشر وخصوصا لمسؤوليات البعثيين الخاصة في الوحدة الوطنية، بالمقارنة مع طروحات غير مباشرة في لقاءات جرت على هامش المؤتمر القومي العربي في الجزائر قبل ثلاثة اشهر.   وبالطبع فقد كانت قد طرحت في الندوة والمؤتمر مواضيع اخرى منها التوتر الطائفي والقضية الكردية والتعامل مع الشرائح الشعبية التي خدعت باشكال مختلفة بالمشروع الديمقراطي الامريكي وكيفية استيعابها مجددا في الصراع الوطني لاخراج المحتلين.   لكننا لسنا هنا في معرض التعرض لهذه القضايا الاخري.

 

 ان بعض المثقفين والناشطين الوطنيين يرون التعرض الخاص لمسؤوليات البعث غريبا لان المحنة التي يمر بها العراق اكبر من هذه النقاشات، وخصوصا ان البعث الرسمي على الارض وفي الاعلام السياسي طرف هام من المقاومة العراقية الباسلة، بدورها التاريخي في افشال المشروع الامريكي في العراق وبالتالي في المنطقة والعالم باجمعه.   ويقول هؤلاء الاخوة، وهم من تيارات قومية واسلامية و يسارية، انهم مع فهمهم عمق الجراح القديمة لا يرون اية حكمة في اشتراط نوع من المراجعة العلنية اوالاعتذار في ظروف تتطلب التعاضد لهزيمة الاحتلال.   وهم يرون الاشتراك في محاربة الاحتلال والتضحية بالنفس في هذا السبيل من قبل البعثيين خير بديل للمراجعة والاعتذار.   لكن اخوة آخرين، هم ايضا من تيارات قومية واسلامية ويسارية، يرون ان المستقبل مرهون بالوحدة الوطنية العراقية على مستوي الجماهير التي لا زالت تطالب بضمانات من البعث لحقوقها تبدا بالاعتراف بما صودر في الماضي، وان ذلك مطلوب حتي ضمن المشاركة العامة في المعركة المحتدمة ضد الاحتلال.  

 

لقد طغت هذه المسائل على النقاشات الجانبية او الرئيسية في ندوة بيروت، سواء كانت حادة وجارحة، ام هادئة ومتوازنة.   ومن بينها مداخلة هامة للشيخ حسن الزرقاني مسؤول العلاقات الخارجية للتيار الصدري ردا على مداخلة للدكتور حسن هاشم** كانت تمثل راي البعث المتمسك بالشرعية الحزبية.   وقد بدات مداخلة السيد الزرقاني بطرح قناعات بان اسباب المشاركة في الجهاد ليست كلها من المنطلق نفسه ثم تعرضت لجوانب كثيرة صريحة اخرى تستحق القراءة المتانية (موقع ثوابت.كوم يوم 1 آب).   كذلك كانت هناك مداخلة للاستاذ سامي الرمضاني تضيف الى الدعوة للادانة الصريحة للنظام السابق بنفس وقت الالتزام بالنضال المسلح ضد الاحتلال، ونقاط اخرى ذكرت في ورقة عن مستلزمات الجبهة وقعه عدد من التقدميين المستقلين في لندن وزعت في الندوة.  

 

ان اهمية المواضيع التي نوقشت تاتي من قناعات شعبية عميقة قد اهملها البعثيون لفترات طويلة من الزمن لكنهم، في نظري، لا يستطيعون اهمالها اليوم .   ان منظور المصالحة الوطنية الضرورية لنضوج المشروع الوطني العراقي تتطلب منهم المشاركة في هذه العملية مهما كانت غريبة عليهم، خصوصا اولئك المنغمرين في المشروع الوطني باخطاره الهائلة على حياتهم وحياة عوائلهم.   و ينبغي القول هنا ان اغلب من حضر ندوة بيروت قد استمع وتفاعل بما يبشر بالخير في هذه السيرورة التاريخية.   ان باقي هذه المقالة مخصص لبعض هذه المواضيع التي نوقشت قبل واثناء وبعد الندوات الاخيرة، ولكنها كلها بحاجة الى تمعن من قبل كل اطراف الحركة الوطنية العراقية.  

 

****

 

لقد ساهمت كل القوي السياسية العراقية في فشل العراق كدولة في مواجهة المشاريع الاستعمارية، واستمرار تفتت الشعب العراقي منذ ثورة تموز 1958 .   لكن المسؤولية يجب ان توزع حسب طول زمن الولاية، وبالتالي تقع المسوؤلية الكبرى على عاتق حزب البعث باعتباره مسؤولا عن نظام الرئيس السابق صدام حسين.   ان التآم جراح العراقيين والعلاقات الوطنية، تستوجب شرحا وافيا لهذه المرحلة، وبالاخص للاليات التي دفعت نظام البعث لتصفية الزعامات المذهبية العراقية كتيار الشهيد محمد باقر الصدر، والعقوبات الجماعية التي ارتكبت في مجرى اجتثاث حزب الدعوة وضرب الحركة القومية الكردية، و تصفية الشيوعيين الذين تحالفوا مع البعث بثمن باهض من رصيدهم الشعبي، ومعالجة ما يسمى بالتبعية الايرانية بالشكل العنصري البشع من التهجير والمصادرة الذي تم به؛ وخوض الحرب المدمرة مع ايران الاسلامية، والاعتماد على دول الخليج والدعم الامريكي؛ ثم الانقلاب على الكويت بالشكل الذي تم به؛ وفيما بعد تصفية الشهيد محمد صادق الصدر.

 

 لقد تقبل البعثيون المشاركون في ندوة مستلزمات الجبهة الوطنية مسؤولية النظام السابق عن جريمة تصفية الشهيد محمد باقر الصدر لكنهم قالوا بان الصدريين انفسهم يعلمون من قتل الشهيد محمد صادق الذين قالوا انهم كانوا يكنون له التقدير.   وهذه حالة واحدة من حالات اخرى، مثل حلبجة والانفال والمقابر الجماعية، لن يتم تجاوزها الا عبر مصارحات ولجان تحقيق محايدة.   وليس مفهوما على الاطلاق للمواطنيين الاسوياء سبب امتناع النظام السابق عن هذه التحقيقات اذا كان بالفعل بريئا منها او كانت مسؤولياته ثانوية فيها.  

 

ان العراقيين بحاجة للثقة بان ما يقرره اليوم حزب البعث ليس خطوة مبطنة لهدف آخر.   ان فقدان الثقة هذا بالبعث الذي احتكر السلطة فترة 35 سنة وحكم كمؤسسة، لا يقارن بضعف الثقة بالاحزاب الاخري.   ان الميول المذهبية او المصلحية والارتباطات الخارجية للاحزاب الاخرى مفهومة ومتوقعة نوعا ما، وتختلف عن الاساليب التآمرية التي اصبح البعث موسوما بها.   ومقارنة بهذه الحالة فلا تكاد انجازات النظام السابق تبرز الا بشكل شاحب لمن يرون كرامة الانسان قيمتهم العليا.   وقد عبر عن ذلك البعض بمقولة انتشرت في اوربا الشرقية بعد انهيار التجربة الاشتراكية بان الحياة في غابة باخطارها تبقي اكثر انسانية من الحياة في سجن.

 

اعتقادي ان اغلب العراقيين لا يرى فيما يذكر من انجازات حكم البعث الطويل في التعليم والصحة والاعمار الا النزر اليسير مما كان العراق يستطيع القيام به لو تمتع شعبه بالحد الأدنى من سيادة القانون واحترام كرامة المواطن في حياته اليومية وحق محاسبة المسؤولين.   وهذا الحد الأدنى لا علاقة له بالمعركة الوطنية التي يكاد يجمع عليها العراقيون من الملكية العامة للنفط الى الموقف في فلسطين.   ويكاد العراقيون يجمعون على التمييز بين من اشترك في حزب البعث كجزء من عمله وتقدمه الاداري، او من يؤمن بالافكار البعثية بدون كونه جزءا من النظام السابق، وبين من كان فاعلا في مجال السلطة القمعية.   وبالتالي فهناك رفض لفكرة اجتثاث البعث او تجريم الفكر القومي العربي، وبنفس الوقت رفض لغفران الجرائم حيثما ثبت ارتكابها.  

 

يختلف القول في الحجم الحقيقي لمشاركة البعث في المقاومة الوطنية اليوم كما ونوعا، بين كونه العمود الفقري للمقاومة الى كونه بعضا صغيرا يعمل مع تنظيمات عديدة اخرى تحت مظلة عسكريين وطنيين غير ايديولوجيين.   و يقال ان هناك اكثر من تنظيم بعثي واحد يعمل اليوم في الساحة العراقية، بدون ان يعرف احد ان كان ذلك بسبب عودة تنظيمات بعثية كانت قد حوربت في وقت النظام السابق الى العمل او ان حزب البعث الرسمي نفسه قد اصبح يعمل ككتل مختلفة عمدا او جراء عدم الثقة بين فصائله او لاي سبب آخر.   لكن موضوعنا هنا ليس ميدانيا بل على مستوى الفكر السياسي، مستوى استرجاع الوحدة الوطنية وحمايتها- اي لتحقيق التعدد في الوحدة.  

 

لقد تم اضعاف الوحدة الوطنية عبر تجريم نظام البعث لشرائح واسعة من الشعب العراقي كعقاب جماعي، مما دفع اقساما منه في النهاية الى احضان الاستعمار الامريكي بقيادة من برروا خيانتهم الوطنية بتحالف البعث نفسه مع الاستعمار في انقلابي 1963 و 1968.   وكان ذلك متزامنا مع فقدان الامل في اصلاح الامر من الداخل وتحقيق العدالة ضمن حكم العشيرة.   لقد وصل الامر بشرائح شعبية عراقية للتحالف مع عملاء الامبريالية الامريكية والصهيونية متصورة ان التخلص منهم اسهل من التخلص من حكم البعث.   واليوم اذ تظهر بوادر فشل سلطة هؤلاء العملاء فيجب ان يتوفر البديل الوطني المفتوح لاستيعاب تلك الشرائح الوطنية التي فقدانها في الماضي.

 

ان اشتراك قطاعات من حزب البعث في المقاومة العراقية الباسلة ذخر من الطاقات والعلاقات و كذلك ايضا لمسؤوليتها الاولى عن ردع من تسوله نفسه من النظام السابق الانخراط في مشروع الاحتلال.   لقد فشل الاحتلال في تجنيد اهم رموز النظام السابق في خدمته (عدا بعض من انسلخ قبل الاحتلال وبعض ضباط الامن الذين يستخدمهم مدير المخابرات الشهواني) لكن ذلك لا يكفي لرام الجروح العميقة الذي سببها القمع.   ان القول بان حزب البعث نفسه كان ضحية لهذا القمع في الماضي، او ان الاحتلال وعملاءه اسوأ جريمة وفسادا من النظام السابق لا تشفي غليل احد.   فنحن نسعى لتاسيس مجتمع حضاري ناهض وليس للانتقال من حالة لاخرى من المهانة و البؤس والجريمة والفساد، بعضها بفعل ابناء جلدتنا وبعضها من غيرهم.  

 

****

 

لقد اتسمت مواقف البعثيين المشاركين في ندوة مستلزمات جبهة التحرير والبناء الديمقراطي التي انعقدت في بيروت 28 ـ 29 تموز 2005 من جميع اتجاهاتهم بالحكمة.   وهذا متوقع وطبيعي بالنسبة لـ بعثيي المعتقلات والسجون ، وهو التيار الاكبر الذي عاني ما عانت منه كل الحركات الوطنية منذ عام 1968 .   لكنه تجاوز ذلك الى الاخوة الذين لا زالوا متمسكين بالشرعية الحزبية والرسمية لحزب البعث الحاكم بعد 1968، لكنهم استمعوا في الجلسات العامة وعلى هامش الندوة للنقد الجارح، وبعضه مواز ومشابه لما حاولت معالجته في هذه الجزء من المقالة، وتقبلوا بعضه من منطلقاتهم وحاولوا تفسيرالبعض الآخر.   ولا شك ان هذا سيحمل الوطنيين من كل التيارات الاخرى مهمة التامل في الخطوات التالية في هذه المسيرة من المصارحة والمصالحة الوطنية.  

 

كاتب من العراق يقيم في لندن

 

** (المعذرة –  لم أجد نسخة من مداخلة السيد هاشم حسن ، ولو أتذكر مشاهدة صور (وليس نص) من أربع صفحات لها على موقع العراق للجميع.

يا حبذا لو يوافيني أحد بنص المداخلة لأتضمنها في هذه النشرة ، وشكراً)