http://www.kitabat.com/i10491.htm
28 تشرين الثاني 2005
شلش العراقي وشر البلية ما يضحك
كتابات - نزار رهك
بكل
متعة أقرأ ما يكتبه الأديب المبدع ( شلش العراقي )، وهو إسم
مستعار بالطبع، لكاتب شاب يمتلك أدواتا أدبية رائعة وأسلوب ساخر متميز .. وللوقت
ضرورات الحذر من ردود الأفعال العنفية، وهو حق بلا شك، ولكنه سيؤجل شهرة
الكاتب مؤقتاً و لكنها ستمنحه الحرية في تناول المادة الأدبية دون مؤثرات الخشية
من الجانب الآخر في زمن الديمقراطية الجديدة ( والسلام والأمن!!)
الذين يرافقهما.
ولكوني
لست ناقدا أدبيا، فقد يكون موضوعي هذا بعيدا عن الأصول الأدبية في تناول المادة
النقدية .. ولكنني أعرف جيدا ما هي أهمية النقد والآراء النقدية للأديب الكاتب
نفسه، أو ما نسميه برأي القراء في المادة الأدبية. لذا أكتب هذا النقد لأعبر عن
شكري الجزيل له على كتاباته الجميلة .
شلش
الناقد الساخر من كل ما من حوله، إنه الأمتداد الطبيعي لحالة اليأس من خلاص
المجتمع من حالته المأساوية في زمن ما يسمى بزمن الحرية والديمقراطية
والأحتلال، و المعبر بسخرية عن حياة الناس في أفقر مدن بغداد وأكثرها عنفواناً
وحيوية وصانعة للمئات من الشعراء والأدباء والسياسيين والأبطال والشهداء من مدينة
الثورة ..
وكون
الأنتخابات بالنسبة للكاتب هي البديل، ولكنها جلبت لهم قائمة الأئتلاف
التي حرمتهم حتى من ( طاسة الماء النظيف)، و بديل شلش في دعائه هي لا حكومة معممين
وإنما سياسيين حقيقيين وديمقراطيين ليبراليين .. وهو ضائع كغيره في عدم
معرفة العلة والمعلول .. و ماعليه سوى أن يسخر من الجميع، حتى من شلش نفسه، وهو ما
يعطي لكتاباته و أقاصيصه الشعبية نكهة جميلة وإيحاء بالتمرد الأجتماعي من أبطال
الحواسم والسياسيين الجدد، و لأنها الحقيقة كما هي سوى إنها ساخرة لأنها تتناول
أناس قريبين منا ونعيش معهم، ولكنهم في نظر الكاتب لا يصلحون للحياة الجديدة
الحالمة أو لتقنياتها وأدواتها وهم بالتالي مدعاة للسخرية إذا ما إمتلكوا الهاتف
النقال أو الأنترنت أو إذا ما فكروا في إمتلاك هذه التقنية أو إقتربوا منها
.. وهم في جاتب يتهجمون على سيد خلف الذي يريد خداعهم في إنتخاب قائمة الأئتلاف و
يهزموه في المحاججة السياسية .. الى مجموعة مرتزقة ومداحين لجميع الأحزاب (عشيرتنا
تجني محصول الأنتخابات ) .. فهل هو تناقض هؤلاء الضحايا أم تناقض الكاتب نفسه في
تناوله لدورهم في الحياة السياسية، إنه يترائى لي وكأنه يشطب على الجميع ويستكثر على
هؤلاء أن يكون لهم حتى رأي في الحدث . (وقد كان عكس ذلك في مواجهة فالح بن
عاتي لسيد خلف ) في حفل إنتخابي لعشيرة جائعة.
و
هؤلاء المنسيين في مدينة الثورة وقطاع الشيشان و المكبسلين لا يصلحون حتى لحضور
حفلة عرس في نادي راقي في مدينة المنصور( مثل الأفلام المصرية في تناولها لحضور
أقارب العريس المشعوذين لحفلة أبن منطقتهم في سرايا العوائل الغنية ). وصراع
الصدريين مع جماعة الحكيم إنما هي تعبير عن الجهل بتخلّف الأثنين معا وتخلّف جميع
المشتركين بهذه الدوامة التي تقيد الناس وتحيطهم بأسوار التدين و التعبد التي
يكسرها عباس السكران في خطبته الشهيرة . إن الكاتب هنا يعزل هذه الخلافات عن
السياسة والموقف السياسي من الأحتلال ويسخر من الجميع في وقت واحد. وأنا
أعتبرها عمل أدبي جميل بحاجة الى المزيد من الوضوح في خلفية المشهد لا أن
يسخر من الجميع .
إن
السيناريوهات الكوميدية في العالم كثيرة، و السينما العربية والعالمية لم تدع
زاوية لم تتناولها بالمزاح والسخرية، وكان أكثرها ثباتا وتأثيرا تلك التي تمتلك
الموقف من الحياة لا الضحك من أجل الضحك ( السفاهة البليدة ) .. فأين
يقف شلش العراقي من هذا وذاك.. إنه الأقرب الى الواقعية في وصف شخوصه وأكثر
صدقا في المفردة الشعبية و النكتة المتداولة وترتيب السخرية الشعبية وأدواتها
ولحظاتها الأكثر قوة دون أن يكون له هدف
واضح أو تعبير لطموح أي من الشخصيات التي يتناولها .. إنه فوقها جميعا
..وهي لا تصلح إلا أن تكون ساخرة .
والوحيد
المتحدي والمواجه هو إما عباس السكران أو فالح بن عاتي في رده على سيد
خلف، وهذا الرد إذا ما أخذناه جملة بعد أخرى سنجدها جمل لأدانة جميع الأحزاب في
العملية السياسية للعراق المحتل .. وهذا يشمل بحد ذاته تناقضاً في
كتابات شلش العراقي بين الحقيقة التي تفرض مدلولاتها وأبطالها، و هم هؤلاء
الناس أنفسهم وتضحياتهم في النظام السابق والأحتلال الحالي، وبين الأنتماء السياسي
للكاتب و أحلامه في قيادة المجتمع من قبل الليبراليين الديمقراطيين (دعاء شلش)،
وهم أناس حضاريين موجودين فوق المجتمع الذي يتداوله وأرقى من الناس المهمشين الذين
يعيش معهم الكاتب كراصد لسخرية لقائاتهم الأولى بالحضارة الجديدة والتقنيات
الجديدة و الزواج الجديد. وهم وحدهم القادرين على إنتشاله من مأساته وخلاصه من
التنقل بوسائل النقل المتعبة (الكيات) .. وهو موقف سياسي واضح و يدخل ضمن العمل
الدعائي الأنتخابي لفئات واضحة .
أتمنى
أن يتداول النقاد الأدبيين موضوعات الكاتب الشاب (على ما تبدو عليه تجربته) بجدية
لأنها تحوي على توجّهات ليست بعيدة عن مجمل العملية الثقافية في ضل الأحتلال و موضوعاتها
المتغيرة مع طبيعة متطلبات القوى التي تريد توجيه عملية التفكير و إدارة تركيب صورة
للعدو والمعرقل والمتسبب في المأسات الوطنية بعيدا عن المحتلين و عملاءه السياسيين.
بل يجري العكس تماماً، فأن الجميع هم مثار السخرية و النقد ولا يصلحون
للمتطلبات العصرية الجديدة، و يجري تضخيم الصغائر من الأخطاء وجعلها المحور
الأساسي في حياة الناس الذي بسببها نعيش المأساة والتخلف .
وأتمنى
للكاتب شلش العراقي المزيد من الكتابات والسخرية الجميلة والتطوير
الدائم لأدواته الأدبية الجميلة، وكلنا أمل أن نجد من يسد الفراغ الذي تركه
الأستاذ شمران الياسري (أبو كاطع) الذي كانت كتاباته موقفا سياسيا يتعدى حدود إلتزاماته
الحزبية الضيقة .. وعراقنا يعيش اشر البلية و شر البلية ما يضحك .