مرة ثالثة: ملاحظات حول مسودة قانون النفط والغاز

فؤاد قاسم الامير

 

كنت قد نشرت في 31/1/2007 دراسة تحت عنوان "ملاحظات حول مسودة قانون النفط والغاز"، حيث ابديت بعض الملاحظات على مسودة القانون المؤرخة في 15/1/2007 والتي كانت "سرية" جدا لذلك الوقت. وجاءت تلك الملاحظات متضمنة وضع اطار لسياسة نفطية من المفروض ان يسير عليها العراق، حسب رأينا، لانها صالحة وملائمة وممكنة. لقد ابديت تلك الملاحظات حول القانون رغم قناعتي، في حينه ولحد الآن، ان الظرف غير مناسب لاصدار قانون وللاسباب التي بيناها في الدراسة، كما وان الحكومة العراقية تستطيع وبدون معوقات ان تعمل لتطوير صناعة انتاج النفط ضمن التشريعات الحالية، وان التشريع الجديد هو، من الناحية العملية، يفيد فقط للسماح للشركات الاجنبية والقطاع الخاص المشاركة في الثروة النفطية العراقية. في 15/3/2007 نشرت مايمكن اعتباره استكمالا للدراسة الاولى، وذلك تحت عنوان "مرة ثانية: ملاحظات حول مسودة قانون النفط والغاز"، وبسبب ظهور ظروف مستجدة، منها نشر احد المواقع، الوثيقة "السرية جدا"!!، اي مسودة القانون في 15/2 مع ملاحقه الاربعة التي لم تعرف قبل هذا الوقت، والاتفاق المؤرخ في 26/2 بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان. كذلك احالة الحكومة لهذه المسودة الى مجلس النواب للمصادقة عليها ضمن جدول زمني محدد، اضافة الى صدور مقالات وعقد ندوات خارج العراق وداخله لمعارضة مسودة القانون. ركزت تلك الدراسة على توضيح المفاهيم الخاطئة التي تعتقد بان تخصيص بعض الحقول المكتشفة الى شركة النفط الوطنية يعني عدم مشاركة الاجنبي فيها، من خلال عقود المشاركة بالانتاج. كما تكلمت في مقالتي في 15/3 عن العواقب السياسية لتمشية القانون في مجلس النواب ودور المحتل في الضغط المستمر لتمشية هذا القانون.

نرى الآن ان من المهم الكتابة مرة ثالثة، حيث لاحظنا ان الجهات الحكومية وبعض الاحزاب القائدة للعملية السياسية الحالية تحاول "تبييض" هذا القانون في وسائل الاعلام. بالواقع لم اجد امرا مفيدا او جديدا فيما يقال، اذ يتم التركيز على "عدالة" توزيع الحصص النفطية، وهو امر محدد بالدستور وجاء القانون ليعيد ذلك، وكذلك ركزت على ان القانون جاء ليزيد من "لحمة الشعب العراقي"، بينما الواضح عكس ذلك، وقد يؤدي اصداره الى الاسراع في تفتيت العراق بخلق "فيدرالية الجنوب"، وقالت ايضا ان صدور القانون ضروري الان لانه سيحرك الاقتصاد العراقي، وكأن هناك عوائق حالية في قيام وزارة النفط بمهامها، اضافة الى شعور كثير من العراقيين – ومنهم كاتب هذا المقال – بان القانون وُضع بضغط من المحتل في ظرف سيئ لاستغلال الثروة النفطية لصالحه، وتحقيق نصر سياسي بعد ان فشل الحل العسكري في احتلال العراق. ولكن ماجلب نظري، في كلام مؤيدي القانون، هو اعطاء فكرة للعراقيين كأن لابديل للعراق عن عقود المشاركة بالانتاج، وان من يفهم هذه العقود سيعرف مدى فائدتها، وكأن المعارض للقانون لايعرف شيئاً عنها، ولهذا اردت في هذه الملاحظات توضيح هذا النوع من العقود واين تـُستخدم، وكيف ان من المفروض بالعراق عدم استخدامها بالمرة. القضية الثانية التي اردت التكلم عنها هو ماذكره عدد من الخبراء والاقتصاديين ، من ان النفط سيكون مادة ليست ذات قيمة في المستقبل ، وستكون حالته حالة الفحم الحجري، المادة "البائرة" حاليا، ولذا من المفضل بل من الواجب انتاج النفط الآن وتحويله الى نقد!!، وبدون ان يرينا هؤلاء الخبراء الاسباب لهذا الاعتقاد، وتأثير "الانتاج السريع والآني"، على الاقتصاديات القطرية والعالمية ، لذا ارتأيت توضيح مسألة دور النفط في المستقبل. كذلك اردت في نهاية الملاحظات التعليق على المستجدات حول محاولة تمرير القانون، ومن ضمنها اجتماع دبي في 18/4/2007 وتبعة هذا الاجتماع، وبالاخص تصريح وزير الموارد الطبيعية في اقليم كردستان، نيابة عن حكومة الاقليم في رفض ملاحق مسودة القانون.

 

وفي ادناه بعض الملاحظات والتوضيحات حول الامور اعلاه.

1)   اتفاقيات (عقود)المشاركة بالانتاج PSAs Production Sharing Agreements

 

قد يأتي ذكرها في سياق الملاحظات اختصاراً بعقود المشاركة.

هنا نود ان نذكر القارئ بما كنا قد بيناه في المقالتين السابقتين، بان ما تسميه وزارة النفط ، والحكومة العراقية في مسودة قانون النفط والغاز بعقود "للتنقيب والانتاج"، هي عقود مشاركة بالانتاج ولكن تم تبديل الاسم، لان عقود المشاركة بالانتاج ليست بأمر مرغوب به في دولة نفطية عريقة مثل العراق، ولذا تم التبديل "خجلا" من الاسم، ولكن لم يتم تبديل الفحوى وهو المشاركة بالانتاج مع الشركات الاجنبية. كانت مسودة قانون النفط لاقليم كردستان "اشجع" من ذلك اذ سمّت الاسماء بمسمياتها، ودعت هذه العقود بعقود "المشاركة بالانتاج".

لقد كتب عن هذا النوع من العقود العديد من الدراسات والمقالات، ويمكن الاطلاع عليها في الادبيات الاقتصادية والنفطية، وكذلك في المواقع النفطية المختصة على شبكة الانترنت. هنا ساحاول ان اوضح المعالم الرئيسية لها، مع ذكر التفاصيل كلما رأينا ذلك ضرورياً. من المفيد ان نذكر اننا استعنا في هذه الملاحظات، بالاضافة الى ما جاء في الادبيات النفطية والاقتصادية، على دراستين مهمتين حول الموضوع. الدراسة الاولى صدرت في تشرين اول/1999 من معهد اكسفورد لدراسات
الطاقة
Oxford Institute for Energy Studies   ، وأعدّها كرستن  بندمان Kristen Bindemanm، تحت عنوان "اتفاقيات مشاركة الانتاج- تحليل اقتصادي Production Sharing Agreements-An Economic Analysis". اعتمدت هذه الدراسة على تحليل اقتصادي لـ (268) عقد مشاركة في الانتاج في (74) دولة منها (80) عقد في آسيا واستراليا (37 في اندونيسيا)،  و(69) عقد في وسط وجنوب افريقيا(10 في نيجيريا)، و(41) عقد في الشرق الاوسط (17 في اليمن)، و(28) عقد في اوروبا الشرقية (7 في اذربيجان)، و (15) عقد في شمال افريقيا (6 في ليبيا و 6 في مصر)، وُقعت بين سنة 1966 وسنة 1998. وهذه الدول تشمل تقريبا جميع انحاء العالم عدا اوروبا الغربية (باستثناء مالطة)، حيث لم يوقع فيها مثل هذه العقود حسب ماذكرت الدراسة.

اما الدراسة الثانية، فلقد تركزت على العراق فقط. اعدت هذه الدراسة من قبل كريك موتيتي Greg Muttitti ومعاونيه، وصدرت في تشرين ثاني 2005 عن مركز بلاتفورم Platform ومركز "منتدى السياسة العالمية Global Policy Forum". اما النموذج والحسابات الاقتصادية وتطبيقاتها فلقد تمت من قبل الدكتور ايان روتلدج Ian Rutledge من "شفيلد لخدمات معلومات الطاقة Sheffield Energy & Resources Information Services SERIS". كانت الدراسة تحت عنوان "نهب ثروة العراق النفطية The Rip-off of Iraq Oil Wealth".

اعتمدت هذه الدراسة على معلومات وزارة الطاقة الاميركية ووزارة النفط العراقية، وعقود مشاركة مشابهة وقعت في دول العالم. اثارت الدراسة ضجة كبيرة عند نشرها واشارت اليها غالبية الصحف العالمية المهمة وكذلك الاعلام المسموع والمرئي.

اعتمدت هذه الدراسة على تحليل اقتصادي لـ (12) حقل عراقي مكتشف ولم يتم تطويره، وتقع هذه الحقول ضمن الملاحق (1و2و3) من مسودة قانون النفط والغاز، والتي اوضحناها هنا في ملاحظاتنا في 15/3. والحقول هي حلفاية ونهران عمر ومجنون وغرب القرنة والغراف والناصرية والرافدين والعمارة وطوبة والرطاوي وشرق بغداد والاحدب. والتي كان من المتوقع ان يتم تنفيذها جميعا او قسم منها ضمن عقود المشاركة فيما لو نجحت الحكومة في تمرير القانون بدون ضجة!!. قارنت الدراسة بين العوائد للعراق في حالة التنفيذ ضمن عقود خدمة اعتيادية مع حالة التنفيذ ضمن عقود مشاركة. وكما ذكرنا فان الدراسة اخذت معلوماتها عن الحقول اعلاه مما منشور من قبل وزارة الطاقة الاميركية ووزارة النفط العراقية، وماموجود على بعض المواقع العالمية المختصة بالنفط.

 

ونود تبيان مايلي حول موضوع عقود المشاركة:-

 

‌أ)      مقدمة تاريخية لعقود المشاركة بالانتاج:

 

اُعتبـِرت عقود المشاركة، في الربع الاخير من القرن الماضي، من اكثر العقود شيوعاً بالنسبة للترتيبات التعاقدية المتعلقة بالتحري عن المعادن (ومن ضمنها النفط والغاز الطبيعي)، وتطوير انتاجها. هنا سنركز على العقود المتعلقة بانتاج النفط والغاز فقط.

ان الدراسة الاولى التي اعتمدت (268) عقد مشاركة، تحاول ان تعطي الانطباع، بان هذا النوع من العقود هو الاكثر شيوعا، وهذا مايحاول ان يقوله المؤيدون لمسودة قانون النفط الجديد المعتمد اساسا على عقود المشاركة. ان هذا القول ليس دقيق ولاصحيح، فحسب ارقام منظمة الطاقة الدولية International Energy Agency IEA فان عقود المشاركة بالانتاج تستعمل في حوالي 12% من احتياطي العالم من النفط فقط. وهي تستعمل بصورة اساسية في حقول نفطية صغيرة، وفي كثير من الاحوال في حقول داخل المياه البحرية Offshore ، حيث الكلف الاستثمارية عالية، وحيث امكانية العثور كانت غير مؤكدة عند توقيع العقود اصلاً (عدا حالات قليلة جدا سنتطرق لها). وجميع هذه الحالات لاتنطبق بالمرة على مامعروض في العراق، وخصوصا بالنسبة للحقول الموجودة في الملاحق (1، 2، 3) من مسودة القانون، حيث انها حقول مكتشفة ومحددة. يجب ان نلاحظ ان المنتجين الكبار، وذوي الخبرة النفطية العالية في دول الشرق الاوسط لاتستخدم مثل هذه العقود، فهي غير موجودة في السعودية والكويت وايران والامارات، واذا كانت موجودة في قطر او اليمن او ليبيا، فهي اما لحقول غازية او مناطق بحرية حيث تحتاج الى استثمارات عالية، وتحتاج الى "مجازفة" بسبب امكانية عدم العثور على المواد الهيدروكربونية. لذا يكون من الغريب على دولة نفطية عريقة مثل العراق استخدام مثل هذه العقود. هذا تحاول دول مثل روسيا وفنزويلا وبعض دول اميركا الجنوبية وغيرها التخلص من هذه العقود التي وقعت في ظروف استثنائية.

لقد حاول العهد السابق المضي بمثل هذه العقود، ووقع قسم منها لحقول كبيرة، ولكن كانت هناك معارضة لها داخل الكادر المتقدم في وزارة النفط. هذه المعارضة لم تكن ذات صوت عالٍ بسبب الظروف القسرية لذلك النظام، والذي اضطر في حينه الى اجراء تبديلات ادارية لتمشية هذا النوع من العقود. وفي كل الاحوال، حتى الذين كانوا يدافعون عنها، كانوا يقولون ان العراق في ظروف خاصة بسبب الحصار، وهذه طريقة لكسر الحصار. ومن المهم ذكر ان المعارضة الخارجية، كانت في غالبيتها العظمى من معارضي هذا الاجراء في فترة الحكم السابق، وهذا الامر ينطبق على المعارضين الموجودين في العراق، باعتبار إن نظام صدام خرق القوانين المتعلقة بتأميم النفط واعطى النفط للشركات الاجنبية، وهو امر صحيح. ولكن ما الذي بدّل هذه المعارضة الآن والتي تصر على تنفيذ مثل هذه العقود وذلك بعد ان جاءت للحكم؟ هل ان معارضتهم الاولى كانت شكلية، ام ان الشركات التي ستشارك في هذه العقود قد تبدلت؟!!.

ان الصيغة العقدية لعقود المشاركة، ترينا ان الدولة/ الحكومة (كمالك للنفط او الغاز)، تتعاقد بصورة مباشرة او غير مباشرة (من خلال شركة النفط الوطنية)، وسنسمي هذا الطرف اختصارا "الحكومة"، مع مقاول اجنبي (وقد يكون المقاول دولة اجنبية او شركة او مجموعة شركات اجنبية، بمشاركة او عدم مشاركة الحكومة)، وسنسمي هذا الطرف الثاني "المقاول". يكون المقاول مسؤول عن توفير الخدمة الفنية والمالية للتحري عن النفط  والعمليات التطويرية الانتاجية اللاحقة، وذلك ان تم العثور على النفط. في حالة عدم العثور على النفط يخسر، المقاول ماصرفه وبدون أي تعويض من الحكومة. اما في حالة العثور على النفط فان المقاول يحصل على حصة من الانتاج النفطي، (ولهذا يسمى العقد بالمشاركة بالانتاج)، وذلك لقاء الخدمات الفنية والمالية التي قدمها، مضافا لذلك كميات من الانتاج النفطي، لتغطية "المجازفة" او "المخاطرة" Risk  الذي تحملها عند التعاقد، اذ كان من المحتمل ان يخسر مبالغ كبيرة في حالة عدم العثور على النفط. في هذا العقد تعتبر الدولة مالكة للنفط المنتج، مع وجود احقية عقدية للمقاول في حصته من الانتاج والمحددة بالعقد.

ان ظروفا سياسية واقتصادية اوجدت عقود المشاركة، وتطورت صيغ هذا النوع من العقود حسب الظروف السياسية والاقتصادية النفطية العالمية والمحلية.

لقد ادخلت عقود المشاركة الى عالم الصناعة النفطية من قبل الحكومة الاندونيسية وذلك عندما وقـّعت في سنة 1966 العقود الاولى لها بعد مفاوضات دامت خمس سنوات. اذ كما هو معروف فان العقود السابقة في الصناعة النفطية كانت عقود "الامتياز Concession" والتي وقعت جميعا في ظروف المرحلة الاستعمارية والامبريالية. لقد انتهت الحرب العالمية الثانية الى نتائج حاسمة في انهاء المرحلة الاستعمارية ومحاولة الخروج من سيطرة ونفوذ الدول الاستعمارية والامبريالية والشركات التابعة لها، وعلى الاخص الشركات النفطية. لقد استقلت اندونيسيا من هولندا بعد الحرب العالمية الثانية، وظلت تقاوم توقيع عقود الامتياز، ولكن بنفس الوقت ورغم رغبتها في تأميم النفط، كانت تتخوف من ذلك بسبب عدم نجاح التجربة الايرانية في التأميم عام 1954 واسقاط الحكومة الايرانية الشرعية للدكتور مصدق من قبل المخابرات المركزية الاميركية لهذا السبب. لقد نجح عبد الناصر في تأميم قناة السويس في 1956، ولكن النفط ليس بقناة السويس، اذ ان تاميم النفط "خطا احمرا" ليس فقط للمستعمرين القدامى مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا، ولكن الاهم مقاومة الامبريالية الاميركية لتأميم النفط.

نعم، نجح العراق في سنة 1960، بتأميم الاراضي غير المستغلة من قبل الشركات النفطية حسب قانون (80)، ولكن هذا الامر ادى الى اسقاط الحكومة العراقية من قبل الاميركان والانكليز، رغم ان قانون (80) ليس تأميما بالكامل، اذ بقيت الصناعة النفطية العراقية بيد الشركات الاجنبية.

في هذه الفترة من التاريخ، وبسبب مقاومة اندونيسيا لعقود الامتياز، تدخلت الشركات الاجنبية "المستقلة" لايجاد صيغ جديدة تراعى "سيادة الدولة" على مواردها النفطية واعطاء عائدات للدولة تزيد عن الـ 50% (التي كانت سائدة في ذلك الوقت في عقود الامتياز)، وعرضت الصيغ الاولى لعقود المشاركة بالانتاج. رغم ذلك ظلت حكومة سوكارنو الاندونيسية الوطنية تريد شروطا تعاقدية افضل وضمن عقود المشاركة، ولم توقع العقود الاّ في سنة 1966 بعد سقوط حكومة سوكارنو بانقلاب دموي عنيف بقيادة المخابرات المركزية الاميركية، راح ضحيته مئات الآلاف من الاندونيسيين. اعتبرت هذه العقود عندما وقعت في عام 1966، وحتى في شكلها الاخير الذي تم اكماله بعد سقوط حكومة سوكارنو، بانها خطوة كبيرة في صالح الدول المنتجة. ولقد عارضت الشركات العالمية الكبرى في البداية بشدة هذه العقود، اذ كانت تخاف ان يسود هذا النوع من العقود الساحة النفطية وتكون مثالاً يحتذى به مما يؤثر جدا على عقود الامتياز، ولكن الحكومة الاميركية لم تعارض بشدة وانما اعطت الحرية للشركات الاميركية المستقلة بالتوقيع، ووُقِع العقد الاول في 1966 مع تجمع للشركات الاميركية يسمى IIAPCO، كما وُقِع العقد الثاني في 1968 مع شركة نفط فيليبس الاميركية المستقلة. ان الشركات المستقلة كانت مستعدة "للتنازل"و "المساومة" اكثر من الشركات الكبرى للحصول على موطئ قدم في "معركة" الحصول على مصادر نفطية عالمية. بعد فترة من تطبيق هذه العقود، وخصوصاً بعد تأميمات النفط في دول الشرق الاوسط الرئيسية في عقود السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ابتداءاً بتأميم النفط العراقي في 1974، فان الشركات الكبرى ابدت استعدادها لتوقيع مثل هذه العقود، حيث ظهر اثناء التنفيذ ان تدخل الحكومات في العمليات النفطية محدود جدا، وان الشركات الاجنبية هي التي تقوم بادارة وتشغيل الحقول النفطية مباشرة. ومن اندونيسيا، انتشرت عقود المشاركة بالانتاج الى جميع انحاء العالم، عدا اوروبا الغربية باستثناء مالطا.

ان مؤيدي هذه العقود كانوا يؤكدون دائما على ميزتين لها، الاولى ان الشركة الاجنبية تتحمل كافة المخاطر المالية في عمليات التحري عن النفط، والميزة الثانية ان الحكومة تمتلك النفط وجميع المنشآت النفطية. ان هذا القول صحيح، اذ هنا نتكلم عن مناطق محددة لايعرف عنها اية معلومات مسبقة عن تواجد النفط فيها، وهذه المناطق قد تكون في مناطق نائية وصعبة على اليابسة او في مناطق مكلفة داخل البحر، وفي كل هذه الاحوال لاتنطبق على مايعرضه العراق الآن.

ان جميع عقود المشاركة بالانتاج تشترك بالامور الاربعة التالية:

1)  تستلم الحكومة في بداية الانتاج حصة مستمرة من النفط لقاء ما يسمى بالريع Royalty (حق الملكية)، وهو نسبة من الانتاج بغض النظر عن وجود ربح في المشروع او عدمه. وسنرى احتمال كون الريع صفر في بعض العقود.

2)  بعد ان يبدأ الانتاج وتستلم الحكومة الريع (المحدد مقداره في العقد)، فان للمقاول (الشركة الاجنبية) حصة من الانتاج النفطي، مثبت حدها الاعلى في العقد، (مثلا 40% من الانتاج بعد استلام الحكومة حصة الريع)، لغرض استرجاع الكلف الاستثمارية التي صرفها على التحري وبناء المنشآت الانتاجية النفطية، وكذلك لتغطية الكلف التشغيلية. هذه الحصة المخصصة للمقاول تسمى "نفط الكلفة Cost Oil"، ويستلمها المقاول بغض النظر عن ربح او خسارة المشروع. يستمر المقاول باستلامها وتقل الى درجة كبيرة بعد استكمال استرجاع الكلف الاستثمارية، حيث تغطي عند ذاك الكلف التشغيلية فقط.

3)  الباقي من النفط المنتج وبعد استلام الحكومة حصة الريع واستلام المقاول نفط الكلفة، يسمى "نفط الربح Profit Oil". وفي هذا المثل (60% من النفط المنتج بعد استلام الحكومة للريع). يقسم هذا النفط بين الحكومة والشركة الاجنبية (المقاول) بنسب تحدد بالعقد (مثلا 70% للحكومة و 30% للمقاول). وحصة المقاول هي ارباحه  من المشروع.

4)  يدفع المقاول الى الحكومة ضريبة دخل Income Tax على حصته من نفط الربح، والباقي يكون ارباح صافية للمقاول.

يلاحظ ان على مر الايام والتجارب حدثت تبدلات وتطورات في  الاسس اعلاه، واضيفت امور اخرى مثل المشاركة مع المقاول، او اعطاء حوافز Bonus من المقاول الى الحكومة، وبالعكس ايضا، وغيرها من الامور التي سنشير اليها.     

 

‌ب)  ظروف توقيع وتطوير عقود المشاركة بالانتاج:

 

لحد الان لايمكن وضع صيغة عقد قياسية Standard لعقود المشاركة، فالعملية متحركة ولكل حالة لها عقدها الخاص، ومتضمنا بنفس الوقت المبادئ الاربعة التي ذكرناها في الفصل السابق. ان تقسيم النسب بين الحكومة والمقاول في هذه الامور الاربعة، وكذلك اضافة شروط عقدية اخرى يعتمد بصورة مباشرة على الوضع الاقتصادي والسياسي للدولة ودرجة الشفافية والنزاهة ضمن مؤسساتها، وكذلك يعتمد على وضع الاقتصاد العالمي، ووفرة او شحة النفط في العالم والاسعار السائدة له، وهل الدولة المعنية مصدرة او مستوردة للنفط، اضافة الى القضايا الاساسية والمهمة المتعلقة بالرقعة الاستكشافية المرخصة للمقاول، هل هي في البحر وتحتاج الى منصات مكلفة، ام على اليابسة وماهي ظروف اليابسة، هل هي قرب المدن او موانئ وخطوط التصدير، وهل توجد خدمات وبنية تحتية.

ولغرض اعطاء مثل في التغيرات التي حدثت في هذه العقود، سنرجع الى اندونيسيا نفسها ونرى التطورات التي حدثت. ان الجيل الاول من هذه العقود الذي وقع في سنة 1966 كان "سخيا" بالنسبة الى الشركات الاجنبية، فالوضع الاقتصادي في اندونيسيا لم يكن بحالة جيدة، كما كان هناك وفرة للنفط في السوق العالمي والاسعار منخفضة، هذا ويجب ان لاننسى ان الحكومة التي جاءت بعد الانقلاب العسكري وقامت بتوقيع العقود كانت موالية جدا للولايات المتحدة التي ساهمت بالانقلاب العسكري اصلا، كما ان الشكوك كانت كثيرة في نزاهة قادة الحكومة الاندونيسية الجديدة. لهذا تضمن الجيل الاول من هذه العقود بنود رفعت نفط الكلفة الى 40%، ونفط الربح قسم 65% للحكومة و 35% للشركات، ولم يكن هناك ضريبة دخل او ريع، علما كان على الشركات ان تبيع الى شركة النفط الاندونيسية 25% من نفط الربح العائد باسعار منخفضة، وذلك لاغراض الاستهلاك الداخلي. ولكن في النصف الاول من سبعينيات القرن الماضي حدثت الهزّات المعروفة للنفط العالمي، واستمرت الى بداية الثمانينيات. استخدم النفط في هذه الفترة كسلاح سياسي وارتفعت اسعاره وسيطرت اوبك على اسواق التصدير. لهذا ظهر في اندونيسيا الجيل الثاني من هذه العقود، وذلك في سنة 1976، حيث زيدت حصة الحكومة الاندونيسية من نفط الربح الى 85%، واصبح على الشركات النفطية الاجنبية دفع ضريبة الدخل، وتم الضغط في تعديل العقود السابقة. يلاحظ في هذه الصيغ الجديدة اعتبار اسعار النفط للاستهلاك الداخلي مساوية للاسعار العالمية للخمس سنوات الاولى من الانتاج.

وجاء الجيل الثالث من هذه العقود في سنة 1988، والذي كان في صالح الشركات، والسبب انخفاض اسعار النفط، وازدياد الاحتياطيات النفطية العالمية بالاكتشافات الجديدة التي تمت بنتيجة العمل الدؤوب للشركات النفطية العالمية في ايجاد مصادر نفطية جديدة في العالم تجنبا لما حدث في سنة 1974 ومابعدها. وابدت السعودية ودول الخليج مرونة وضغط على دول اوبك لزيادة الانتاج وبالتالي تقليل الاسعار، والتي ادت بالنتيجة الى حرب الخليج الثانية في 1991 وسقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان يعتمد بصورة كبيرة على النفط في عملته الاجنبية. ان صيغ عقود المشاركة التي تقدمت بها الحكومة الاندونيسية في سنة 1988 وتطورت في التسعينيات اعطت امتيازات كثيرة للشركات، حيث انخفضت حصة الحكومة في نفط الربح الى 80% ثم الى 75% ثم الى 65% في سنة 994. اما في المناطق البحرية (اكثر من 1500 متر داخل البحر)، ارتفعت نسبة نفط الكلفة لتسهيل عمل الشركات في استرجاع استثماراتها ، وانخفضت حصة الحكومة من نفط الربح الى 55% للحقول الغازية البحرية، واعطيت تسهيلات في زيادة مدة العقود.

مانلاحظه على نطاق العالم، وفيما يخص عقود المشاركة، ان اكثر فترة غير ملائمة لمصالح الدول المنتجة للنفط والتي لديها مثل هذه العقود هي فترة النصف الثاني من الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ولكن في نهاية القرن حدثت تبدلات كبيرة في المعادلة النفطية. في سنة 2000 شعرت اوبك بالضربات القوية لسعر النفط وانخفاضه الى ماتحت (15) دولار/ البرميل، فاتخذت قراراتها ووضعت الحدود السعرية بين (22-28) دولارم البرميل، وبدأت الاسعار بعد ذلك بالارتفاع الى ان تجاوزت السبعين دولار للبرميل الواحد، ولكن استقرت بين 60-65 دولار/ البرميل. ان سبب هذا الارتفاع في اسعار النفط واستمراره، وتوقع بقائه في مستويات عالية، هو وضوح الرؤيا لدى الصناعة النفطية العالمية، بان النفط في طريقه للنضوب، ولاتوجد اكتشافات جديدة لتسد مايتم من الاستهلاك السنوي له، ولقد بدأت بوادر ذلك في سنة 1995 حيث تجاوز الاستهلاك للمكتشف من النفط واستمر ذلك الامر لحد الآن، ويتوقع ان تصل الصناعة النفطية الى وضع "في العقد الثالث من هذا القرن" بحيث لاتستطيع ان تزيد من مجمل الانتاج العالمي. لقد ظهرت شحة واضحة في النفط رغم سير اوروبا بتنفيذ اتفاقية كيوتو بتخفيض استهلاكها من النفط، والآن تحاول اميركا ان تحذو حذوها ولكن بدون خطة واضحة. سنتطرق لهذا الموضوع لاحقا. لقد تبدل الوضع في السنوات الاخيرة واصبح السوق هو سوق المنتج وبالتالي فان عقود المشاركة رجعت الى وضعها السابق كونها عقود غير مرغوب بها من قبل الحكومات المنتجة، او اذا كانت الحكومة مجبرة على السير وفقها، فالمفروض وضع شروط قوية في صالحها. وفي السنوات الستة السابقة تحاول جميع الدول التي وقعت على مثل هذه العقود التخلص منها، ولكن هناك مشاكل تعاقدية اذ ان بنود العقد لاتسمح بالتغير الاّ بموافقة الطرفين، ولذا تعمل الحكومات على الضغط على الشركات للتغير او مجابهة التأميم كما في دول اميركا الجنوبية وروسيا، وكذلك محاولة الضغط من خلال بعض فقرات العقود، مثل البيئة، للحد من نفوذ هذه الشركات وتبديل العقود كما تعمل الحكومة الروسية حاليا بالنسبة لحقل سخالين (2).    

 

‌ج)   المجازفة Risk في عقود المشاركة.

 

ان العقود الصحيحة والناجحة هي التي تخدم مصالح الطرفين، والتي هي على العموم متناقضة، خصوصا في عقود مثل عقود المشاركة لانها تعمل لفترة طويلة جدا تصل الى (30) سنة او اكثر، كما وانها تتضمن مبالغ مالية كبيرة جدا تصل مليارات الدولارات.

     عندما تضع الحكومة وثائق المناقصة (وبالاحرى وثائق المزايدة) لهذه العقود، وكذلك عندما تدرس الحكومة عروض الشركات وتفاوضها، وثم تعمل على تحديد متطلبات العقد. في جميع هذه المراحل يحاول كل طرف ان يعمل لتحقيق غالبية مصالحه. ولكن المفاوض الناجح هو الذي يستطيع ان يتفهم قبل واثناء المفاوضات مصالح الجانب الآخر، للوصول الى عقد صحيح يتضمن نقاط مشتركة، او اعطاء المجال لاعادة النظر بالعقد بعد كل فترة زمنية محددة، وذلك للاسباب التي ذكرناها والمتعلقة بالمدة الطويلة والمبالغ العالية. من الواضح ان الحكومة لاتستطيع ان تفرض على الشركة الاجنبية توقيع العقد. قد يكون ذلك ممكن في الدول الدكتاتورية في اجبار المقاول المحلي على التوقيع، او قد يوقع المقاول على عقد مجحف بحقه لانه سيكسب عقدا آخرا اكثر اهمية يغطي خسائره من العقد الاول. في عقود المشاركة لا يمكن ان يوقع المقاول على العقد الا اذا ضمن مصالحه في بنود العقد. اما في الطرف الآخر، الحكومة، فالصورة قد تختلف اعتمادا على امور مختلفة. اذ تعمل الشركات الاجنبية، وخصوصا النفطية الاميركية، المستحيل لافساد الجانب الآخر والحصول على شروط مناسبة جدا لها. والامثلة على ذلك كثيرة جدا ومذكورة في كتب ومقالات ومواقع الكترونية كثيرة جدا. والامور تسوء اكثر في حالة وجود حكومة ضعيفة واقعة تحت سيطرة وضغط الاحتلال ويعشعش في جميع مرافقها الفساد وباعتراف كبار مسؤوليها. نحن واثقون ان الغالبية العظمى من العاملين على تحقيق العقود في المستقبل هم من الاشخاص النزيهين، ولكن في مرحلة من مراحل هذه العملية، يدخل التأثير والضغط الاجنبي وشريكه المحلي، ويدخل معه الفساد المالي في تحقيق معادلة عقدية مجحفة للدولة. خصوصا عند وجود ونشر قاعدة فكرية لمثل هذه العقود، وهي ان الاقتصاد يجب ان يكون مفتوحا، وان يجب تنفيذ مطالب الجهات المالية العالمية مثل البنك الدولي، وان مصالح العراق متشابكة ومتطابقة مع الشركات الاجنبية، كذلك يجب الاستعجال بانتاج اكبر كمية من النفط الآن. ومما يزبد الامور تعقيدا هو تأكيد مسودة القانون على ادخال الرأسمال الخاص الوطني في المشاركة في عملية الانتاج ، وقد ناقشنا هذا الامر في دراستنا في 31/1، وكيف ان هذا الامر سيكون له تأثير سيئ على مجمل العملية، اذ في الغالبية العظمى من الحالات يكون عمل الرأسمال "الوطني الخاص"، هو في تثبيت مصالحه الخاصة ومصالح الشركات النفطية على حساب المصلحة العامة، ولنا في روسيا واذربيجان ونيجيريا ودول الاتحاد السوفياتي السابق خير مثال.

     ان اهم عنصر يشجع الحكومات في الدخول بعقود المشاركة مع الشركات الاجنبية، هو تجنب المجازفة من قبل الدولة وتحميلها على الشركات الاجنبية، ولقاء ذلك تعطي هذه الشركات حصص من النفط (أي مبالغ) اكثر من استحقاقها لقاء الخدمات الفنية والمالية التي قدمتها، وذلك لتعويضها عن المجازفة.

     ان الطريقة المتبعة في العالم لتوقيع مثل هذه العقود، هو قيام الدولة بتحديد مساحات من اراضيها لقيام المقاول باعمال البحث والتنقيب ثم التطوير. في جميع الحالات فان قطع الاراضي المعنية، لم يجر فيها مسبقا مسوحات جيولوجية او جيوفيزيائية وزايزمية، ولم تحفر فيها آبار، ولم يحدد فيها النفط او الغاز. حيث لايعرف عن هذه القطع شيئا فيما يتعلق بوجود او عدم وجود النفط. ان الشركات الاجنبية تصرف مبالغ كبيرة في البحث والتنقيب، للوصول اولاً الى وجود تراكيب ممكن ان تتضمن المواد الهيدروكربونية، ثم تصرف مبالغ اكبر لحفر عدد من الآبار لتحديد وجود او عدم وجود النفط في هذه التراكيب، وماهي نوعية هذا النفط وكميته ومواصفات المكمن ليتمكن على ضوء ذلك وضع خطة تطوير الانتاج. من الواضح ان كلما كانت المنطقة وعرة وقاسية، او في عرض البحر كلما كانت المبالغ المصروفة من الشركات اكثر. في الغالبية العظمى من الحالات لايعثر المقاول على النفط التجاري، فيضطر الى التحرك الى مكان آخر ضمن الرقعة الجغرافية المعطاة له. ويقوم بنفس العمليات السابقة ويزيد من نفقاته، وهناك ايضا احتمال كبير جدا بعدم عثوره على المادة الهيدروكربونية. هذا ما تسميه الصناعة النفطية بعنصر المجازفة Risk والذي يستحق بموجبه وحسب عقود المشاركة حصة اضافية من النفط.

 

     لكن السؤال الآتي يطرح نفسه، ويحاول مؤيد هذا النوع من العقود عدم اثارته، والسؤال هو: مايعرضه العراق لهكذا نوع من العقود، كما جاء في الملاحق (1، 2، 3) من مسودة القانون، هو ليس ضمن ما جاء اعلاه لمعنى "المجازفة". ان مسودة القانون تسمي الملحق (1): الحقول المنتجة، والملحق (2): الحقول غير المنتجة القريبة من عقد الانتاج، والملحق (3): الحقول غير المنتجة البعيدة عن عقد الانتاج. ان مسودة القانون تسميها بالاسماء الصحيحة، أي "حقول"، وهي منتجة حاليا او غير منتجة ويمكن العمل على تطوير انتاجها. وهي بالواقع اما حقول نفطية، (في الاكثرية الساحقة)، او حقول غازية، محددة المعالم ومعروفة الاحتياطات والمواصفات سواء كان هذا التقييم بدقة كبيرة لكثير منها، او بدقة اقل للقسم الآخر. اين عنصر "المجازفة" في حقول الملاحق (1، 2، 3)، والبالغ عددها (78) حقل؟. ان تخصيص ماجاء من حقول في الملحق (1 و2 ) والبالغة (52) حقل الى شركة النفط الوطنية، لايعني استبعاد المشاركة الاجنبية (او رأسمال الوطني الخاص) في هذه الحقول، وهذا الامر اوضحناه تفصيلا في ملاحظاتنا في 15/3.

     لهذا فان من الواضح –على الاقل بالنسبة لنا – ان اية محاولة لادخال أي من الحقول الواردة في الملاحق (1، 2، 3) لتكون ضمن عقود المشاركة، هو امر تصفق له الشركات العالمية والمحتل عاليا، ولكن بالواقع هو ليس تفريط هائل في مصالح الشعب العراقي والتفاف على قانون (80) وقوانين التأميم فحسب، وانما التفاف حتى على مفهوم عقود المشاركة السيئة الصيت، والتي هي اصلا طريقة غير مقبولة لتطوير الصناعة النفطية العراقية، وكما اوضحنا ذلك تفصيلا في ملاحظاتنا في 31/1 حيث وضعنا طريقة مقبولة للتطوير بدون مشاركة للاجنبي او للقطاع الخاص، ولقد جاءتنا ملاحظات وردود من عدد كبير جدا من الخبراء الفنيين والاقتصاديين العراقيين وغير العراقيين مؤيدة لما تم طرحه في حينه.

     في السنوات القليلة الماضية، حاولت الشركات ان تعتبر "الظروف الامنية"، واحتمالات الاقتتال الداخلي او الحروب المحلية، جزءا من المجازفة. وبالتالي، وبرغم معرفتها للوضع الامني الحالي السيئ في العراق ، فانها ستقول ان وضع العراق يتضمن عنصر المجازفة، رغم انها متأكدة من وجود المادة الهيدروكربونية. أي تبديل معنى "المجازفة"، عما وضع له اصلا في عقود المشاركة. قبل ان نجيب على هذه النقطة، اود ان اوضح للقارئ كيف تتعامل العقود مع عناصر "المخاطرة".

     من الامور الاعتيادية والمعمول بها دائما في العقود هو وضع شرط "التأمين"، وهو شرط واجب في شروط العقود العراقية المعدّة من قبل وزارة التخطيط سابقاً. لهذا يقوم المقاول بجميع انواع التأمين المطلوبة على العاملين والمعدات والعمل ككل. طبعا المبالغ اللازمة للتأمين تدفع بالنتيجة من رب العمل (الحكومة في هذه الحالة)، وهو امر مقبول ومطلوب في المقاولات. منذ الحرب العراقية الايرانية، وخصوصا في التسعينيات من القرن الماضي ومابعد الاحتلال لم يبق للتأمين قيمة، اذ ان التعويضات التي تعطيها شركات التأمين غير مجدية او غير كافية وبالتالي غير محفزة على القيام بالتأمين. والاهم من ذلك ان معظم شركات التأمين (وشركات اعادة التأمين) في العالم لاتعتبر الحروب الاهلية والاعمال التخريبية او الارهابية من الامور التي يمكن التأمين عليها، واذا كانت بعض شركات التأمين تحاول حاليا ان تغطي جزء من هذه المخاطر، فهي بنفس الوقت تضع الاقساط المطلوبة للتأمين عالية جدا، والتعويضات غير مغرية وقليلة. في حالة عدم تعويض شركات التأمين لبعض الاخطار، فان هذه الاخطار تعتبر من الظروف القاهرة، والتي تعني انه لايوجد طرف من الطرفين المتعاقدين مسؤول عن الخسارة تجاه الطرف الآخر. فلا المقاول يحاول ان يحمّل الحكومة التعويضات، اذا تحمّل الخسارة، ولا الحكومة تحمّل المقاول التعويضات ان كانت قد تحملت خسارة. عمليا وفي الظروف الصحيحة لعقود المشاركة، فان المقاول يتحمل الخسارة ولايحملها على الكلفة في حالة العثور على النفط. لهذا نرى ان المقاول يحاول ان يدخل فقرات في العقد تجعل مسؤولية الامن (وبالتالي التعويض عن الاضرار) من مسؤولية الحكومة. وهذا ما رأيناه في العقود العادية التي وقعت في السنوات الاربعة الماضية، وكذلك وضعت على الجانب العراقي مسؤولية توصيل المعدات الى مواقع العمل، ومسؤولية حراسة مواقع العمل، والذي يعني ان اية خسارة لهذه الاسباب سيتحملها في كل الاحوال الجانب العراقي.

     ان احتمالات العثور على النفط والغاز في حقول الملاحق (1، 2، 3) من مسودة القانون تكاد تكون 100%، لذا سيسترد المقاول جميع المبالغ المصروفة من خلال نفط الكلفة، كما سيسترد جميع الخسائر التي تحملها لاسباب امنية، وكذلك هو غير مسؤول عن كلف الجانب الحكومي العراقي عن حمايته، واذا كان مسؤولا عن ذلك فسيأخذ الكلفة من نفط الكلفة.

     الآن السؤال يطرح نفسه، اذا كانت حقول الملاحق (1، 2، 3) غير مشمولة اصلا في عقود المشاركة لعدم وجود عنصر المجازفة، وثم اقحمت قسرا بتفسير خاطئ للمجازفة بانها تشمل الامور الامنية، وتحميل الحكومة العراقية كل تبعات الحماية الامنية، أليس من الاجدر اقتصاديا وفنيا وسياسيا (ولا نقول وطنيا)، ان تقوم الحكومة باعمال تطوير الانتاج بنفسها وعدم اشراك الاجنبي، وبالتالي عدم اعطائه حصة بالانتاج، هي ليست من استحقاقه اصلا، وانما من استحقاق من قام بحمايته او تحمل كلفة ذلك. أليس من الاجدر للحكومة ان تختار حقول مثل غرب القرنة او الرطاوي او الناصرية او طوبة او مجنون وغيرها والموجودة في مناطق آمنة، والقيام بالتنفيذ المباشر او من خلال عقود خدمة.

     وهنا ايضا نرجع الى الملحق (4) في مسودة القانون أي الرقع الاستكشافية، والذي من المحتمل ان يتضمن تراكيب قد تحمل المواد الهيدروكربونية، ونسأل لماذا الاعلان عنها في عقود المشاركة في هكذا ظروف امنية خطرة وفي مناطق نائية في الصحراء او حتى في المدن الساخنة، حيث تكون مهمة الحكومة الامنية مضاعفة، فهل من الصالح للعراق التوقيع الآن مع الشركات الاجنبية على التنقيب والتطوير فيها، وستكون هذه العقود، وبصورة مؤكدة، بشروط في غير صالح العراق، مقارنة عند التوقيع في الظروف الامنية الجيدة. لماذا الاستعجال، وعدم الانتظار لظروف افضل في اصدار القانون، وفي كل الاحوال قد نجد انفسنا وبعد سنوات ان ليس هناك حاجة لعقود المشاركة حتى في الملحق (4)، وان من الافضل للعراق ان يقوم هو بالتحري كما تقوم السعودية وغيرها بذلك حاليا. لماذا نعطي حصة من النفط تعود للمواطن العراقي الى شركة اجنبية (او قطاع خاص عراقي)؟ لماذا؟ هذا السؤال لم اجد له جوابا!!.  

 

‌د)    البنود الرئيسية لعقود المشاركة بالانتاج:

للدخول في تفاصيل البنود الرئيسية لعقود المشاركة، والمتغيرات التي حدثت عليها من مختلف انحاء العالم، ارتأينا وتسهيلا لفهم القارئ للبنية الاقتصادية لهذه العقود، ان نضع الملحقين الموجودين في نهاية هذه الدراسة. الملحق رقم (1) والذي يمثل العلاقة المالية بين المقاول الاجنبي والحكومة، وتسلسل للعائد النقدي لكل منهما بموجب شروط عقود المشاركة التي وُقـّعت في التسعينيات، ، ومحتسبة على اساس عائد البرميل. لقد اُفترض سعران للنفط الاول (20) دولار/ البرميل (اسعار التسعينيات من القرن الماضي)، و (60) دولار/ البرميل (اسعار السنوات الثلاثة الماضية والمتوقع ان يبقى او تزداد). اما الملحق رقم (2)، فيعطي للقارئ تبسيطا للخطوات الاقتصادية والمالية لكيفية احتساب اقتصاديات عقود المشاركة، مع توضيح للمصطلحات الحسابية المستعملة في تقييم المشاريع النفطية، مثل القيمة الحالية، واسترداد رأسمال، والمعدل الداخلي للمردود (او معدل العائد الداخلي) IRR Internal Rate of Rectum، والتي تتردد دائما في هكذا عقود وسنتطرق لها في مواقع عديدة.

من المهم التأكيد هنا ان اية فقرة من فقرات عقود المشاركة ادناه لاتعني شيئ لوحدها في نسب تقسيم النفط المنتج (او العوائد) على كل من الحكومة والمقاول، والمفروض اخذ الشروط العقدية ككل، وفي ظروف محددة لسعر الانتاج، للوصول الى المعدل الداخلي للمردود IRR لعمر المشروع (وهو الاصح). ان العقد الموقع بين الجانبين، يعتمد على الوضع التساومي للجانبين في فترة التفاوض، وعلى القابلية التفاوضية لكل جانب، والاهم على الظروف الخاصة بالدولة عند التفاوض، سواء الظروف الاقتصادية او السياسية او القانونية (اي الى اي مدى تسمح القوانين النافذة للمفاوضين الحكوميين لللتنازل). اضافة لذلك، فان الامور المتعلقة في عقود المشاركة كثيرة ومعقدة ومتشابكة، وتنتهي عادة بعقود طويلة. لذا من المهم جدا قيام الجانب الحكومي في الاستمرار بالمراجعة والتدقيق قبل توقيع العقد وبعده، اذ ان الشركات العالمية تضع افضل الجهات القانونية في العالم للعمل على ادخال الفقرات اما في صالحها، او بطريقة مبهمة ولكن بها ثغرات ومنافذ تفيد المقاول مستقبلا. ان مايساعد الجهات الحكومية في تحقيق عقود متوازنة، هو وجود تشريعات تساعدهم في اتخاذ مواقف واضحة وحدود معينة لايمكن تجاوزها، وكذلك في كثير من بلدان العالم فان عقود المشاركة تحتاج الى مصادقة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية. اضافة لذلك يفضل دائما وجود بنود تسمح باعادة النظر بالعقد بين فترة واخرى.

فيما يلي اهم البنود الرئيسية في عقود المشاركة:

 

اولاً : الريع (حق الملكية) Royalty

 

ان هذه الفقرة متعلقة "بحق الملكية" للدولة فيما يتعلق بمادة النفط، وهذا الحق يترجم الى حصة من الانتاج تدفع للحكومة حالما يبدأ الانتاج، وتأخذ الاولوية الاولى في الدفع على اية حصة اخرى، وليس لها اية علاقة بربحية ام عدم ربحية المشروع.

ان نسب الريع مختلفة، وقد تكون نسبة ثابتة او نسبة متغيرة او متحركة، اعتمادا على ظروف او حجم الحقل او ضخامة الاستثمار او نوعية المنتج وغيرها من الاسباب، واحسن مثل هو ماجاء في مسودة قانون الاتحاد العراقي حيث اعتبر الريع (حق الملكية) هو ثمن الانتاج اي 12.5% وهو ثابت، وهو رقم معقول وضمن الحدود الموجودة في العالم لعقود المشاركة الاعتيادية. اما مسودة قانون كردستان، فان الريع يكون حسب نوعية (كثافة) النفط المنتج، فهو 7.5% للنفوط الثقيلة ويرتفع تدريجيا الى حد اعلى قدره 10% للنفوط المتوسطة والخفيفة.

توجد حالات في عقود المشاركة في العالم يكون فيها الريع صفر، ولكن بنفس الوقت ومثلا في بعض عقود شيلي فان النسبة تصل الى 45% من الانتاج. يجب ملاحظة ان في بعض عقود اندونيسيا لانرى رقما للريع وكأنه صفر، ولكن هناك بديل عنه يسمى باسم اخر، حيث عند بدء الانتاج يحدد 20% منه كاولوية اولى ويقسم هذا النفط بين الحكومة والمقاول بنفس تقسيم "نفط الربح". على العموم فان الغالبية العظمى من عقود المشاركة يكون الريع بين 10-20% من الانتاج، وهناك اتجاه عام في زيادة نسبة الريع وخصوصا في عقود منطقة الشرق الاوسط. كما ان من الملاحظ ان الريع في عقود المناطق اليابسة هو اعلى منه في  عقود المناطق البحرية. وفي مناطق اليابسة  كلما تعقدت ظروف وقساوة مناطق العمل كلما قلت نسب الريع. عمليا تقلل نسبة الريع كلما زادت الاستثمارات وتقل امكانية الربح.

ان الريع يدفع عينا، اي حصة نفط من الانتاج، ولكن في بعض العقود، فان الريع يدفع الى الحكومة نقداً، وعند ذاك يجب ان يتضمن العقد آلية تحدد "السعر". اذ الحصة  نسبة نفط من الانتاج والدفع نقدا، لذا يجب افتراض سعر للبيع.

 

ثانيا: نفط الكلفة Cost Oil

 

بعد ان يتم استلام حصة الريع، يأخذ المقاول حصة من النفط مثبتة في العقد تسمى نفط الكلفة. هذه الحصة قد تكون ثابتة في العقد، او متحركة اعتمادا على عدة قضايا منها انتاجية الحقل والمبالغ المصروفة. ان نسبة نفط الكلفة تختلف في العقود، فهي قد تكون صفر% (كما في بعض عقود ليبيا وبيرو ورومانيا)، وقد تكون 100% (كما في بعض عقود الهند اواذربيجان اوالجزائر او اندونيسيا). ولكن على العموم فان النسبة في غالبية عقود العالم تقع بين 30-50% من باقي النفط المنتج بعد استلام حصة الريع.

هنا يجب ملاحظة مايلي:

-      نفط الكلفة يغطي بالاساس الكلفة الاستثمارية، وكذلك الكلفة التشغيلية اللاحقة، لذا بعد استكمال تغطية الكلف الاستثمارية، في النسب المحددة بالعقد، تقل عمليا بصورة كبيرة لتغطية الكلف التشغيلية. في كثير من العقود، فان الكلف التشغيلية تكون جزء من "نفط الربح" للمقاول.

-      ان المقاول يحاول بشتى الطرق ان يزيد نسبة نفط الكلفة، اذ قد تفيده لاحقا افادة كبرى في حالة اكتشاف بان الحقل غير مجدي او حقل صغير. من المحتمل ان بعد اكمال صرف الاستثمارات الى المقاول (حصة نفط الكلفة)، فان الباقي من النفط يكون غير مجدي ولاتستفاد الحكومة كثيرا من الحقل. لهذا تحاول الحكومة دائما ان لاتوافق على تحديد نسبة عالية لنفط الكلفة. عندما توافق الحكومات على اعتبار 100% من الانتاج نفط كلفة، هو بسبب وثوقها من ان الحقل يكفي لاعطاء ارباح للجانبين، وتريد ان تتخلص من الكلف الاستثمارية من بداية الانتاج. علما ان هذا التوجه – برأينا – غير صحيح، اذ من المفروض ابقاء دائما حصة من النفط لكي يكون "نفط الربح"، والذي سنوضح معناه في الفقرة التالية.

-      في حالة كون نفط الكلفة صفر، فان هذا يعني زيادة في نفط الربح لكلا الجانبين، واذا كان ضمن بنود العقد دفع ضرائب على نفط الربح، فان الحكومة ستأخذ ضريبة اكثر وهو امر في صالح الحكومة، كذلك فان المقاول سيتأخر في استرجاع الاستثمارات وان عليه ان يسترجع الكلف الاستثمارية، والكلف التشغيلية، من حصته من نفط الربح.

 

     ثالثا: نفط الربح Profit Oil     

         

          بعد دفع حصة الريع من النفط للحكومة، وحصة نفط الكلفة الى المقاول، فان النفط الباقي، والمسمى "نفط الربح" يقسم بين الحكومة والمقاول، بنسب تحدد طريقة احتسابها بالعقد. وهي اما بطريقة ثابتة، وهذه في الاقلية من العقود، او طريقة متحركة تعتمد على الانتاجية، او الى نسبة العائد الداخلي IRR . كما انه وفي عقود معينة لايوزع نفط الربح الا بعد ان يحقق المقاول IRR نسبة محددة بالعقد مثلا 15%. اي النفط كله يذهب الى الريع ونفط الكلفة لحين تحقيق هذه النسبة.

          نلاحظ هنا ايضا ان عقود دول الشرق الاوسط تتجه في اعطاء نسبة اقل للمقاول من نفط الربح، فلقد بلغت بين 16-28%، ولكن في عدد من الدول وصلت النسبة الى 65%. وهناك حالات ايضا تعطي المقاول 5-10% فقط من نفط الربح.

 

     رابعا: مدد العقود

         

          ان هذه العقود تتضمن مرحلتي عمل، الاولى بحث وتنقيب، والثانية تطوير وانتاج (في حالة العثور على النفط والغاز). في غالبية العقود توضع فترة زمنية لكل مرحلة، مثلا ثلاث سنوات لمرحلة البحث والتنقيب مع احتمال تمديدها لمرتين، ومدة زمنية للتطوير والانتاج لمدة (20) سنة مع امكانية تمديد بـ (5) سنوات. او ان تثبت مدة العقد لكلا المرحلتين سوية، كأن يقال (23) سنة قابلة للتمديد لخمس سنوات اخرى.  من الملاحظ ان الاتجاه هو نحو تقليص مدد العقود، كما ان مدد المرحلة الاولى تتضمن ارجاع نسبة من المساحة بعد كل فترة وتحدد بالعقد، ويصل الاسترجاع الى 50% من الاراضي المعطاة اصلا.

          لنفرض ان النفط وجد خلال الفترة المحددة للتنقيب والبحث، عند ذاك تقوم الشركة باعلام الحكومة، وبعد ذلك تكمل الشركة خطة الانتاج، وتتم المصادقة عليها من قبل الحكومة، لتبدأ الفترة الزمنية للتطوير والانتاج. ان الشركات تحاول وبعد ان صرفت مبالغ كبيرة استردادها وذلك من خلال الانتاج العالي  والحصول على نفط الكلفة. لذا من المحتمل ان تكون خطة الشركة غير سليمة فنياً وتؤدي الى تلف لاحق للمكامن، او ضياع قسم من المخزون، ولهذا فان مرحلة وضع الخطة والمصادقة مسألة مهمة جدا بالنسبة للحكومة لانها بالتالي ستستلم بعد انتهاء العقد، جميع المنشآت والمكامن، لهذا يجب ان نتأكد من البداية ان المنشآت ملائمة لان يكون المكمن بخير والانتاج بطريقة صحيحة.

     اضافة لذلك يحاول المقاول، اعتياديا، الاستعجال بالانتاج (وهو امر يفيد الحكومة ايضا)، ولكن يتم ذلك على حساب شروط عقدية اخرى مثل مسألة عدم استخدام العمالة المحلية او تدريبهم، كذلك العمل بظروف بيئية غير جيدة، وهنا يأتي دور الرقابة الحكومية منذ البداية. يعرف المقاول دائما ان الحكومة بحاجة الى الاموال الناجمة من نفط الربح، وان مدة العقد محدودة، لهذا يحاول ان ينتج من الحقل اكثر مايمكن خلال هذه المدة، وفي احيان كثيرة فان الانتاج الكبير يؤدي الى الضياع اللاحق وهو امر لايهم المقاول. في ظروف مثل العراق يحاول المقاول ان يزيد في المدد، اذ لايستطيع العمل في الظروف الامنية الحالية، لهذا يريد ان يزيد فترة البحث والتنقيب، وتجاوز شرط التنازل عن الارضي بعد فترة.كذلك يريد زيادة فترة الانتاج، لان يتوقع ان تكون الحقول العراقية مجزية. في كلا الحالتين الامر يضر العراق، وان من المفروض العمل ضمن المدد التي تعطى للمقاولين في مناطق الشرق الاوسط، وذلك كمدد كلية لاتتجاوز 25-30 سنة، ومقسمة على مرحلتين، وللعلم فان مسودة القانون الفيدرالي يوصل المدة الموحدة للمرحلتين الى (35) سنة، ولم نجد نصوص تؤكد ضرورة استرجاع الاراضي.

 

     خامسا: الحوافز Bonuses :

 

          على العموم تدفع الشركات حوافز الى الحكومات، وهي بثلاث انواع. حافز توقيع العقد، وحافز بدء الانتاج، وحافز اكتشاف النفط (وهذا الاخير ليس شائعا جدا). ان الحوافز ووجودها، مسألة يحددها العقد. اذ ان هناك عقود بدون احد الحوافز او كلها.

          ان مبالغ الحوافز في عقود دول الشرق الاوسط هي اعلى من معدلاتها من الحوافز في المناطق الاخرى من العالم. تختلف الحوافز باختلاف صعوبة العمل ومواقعه، اذ ان الحوافز للعقود البرية هي اكثر منها لحوافز العقود البحرية. في كل الاحوال فان مبالغ الحوافز ليست بعالية مقارنة بالارقام العالية للمبالغ التي تتعامل بها العقود النفطية، فهي في احسن الاحوال لاتتجاوز عشرات الملايين من الدولارات.

          ان حوافز توقيع العقد يدفع في البداية وعند توقيع العقد وبدون معرفة اي شيئ عن مستقبل الانتاج. اما حافز بدء الانتاج التجاري فهو اعتياديا يتغير مع مستوى محدد بالعقد.

          مثلا في احد العقود يقول يدفع (2) مليون دولار عندما يصل الانتاج الى (20) الف برميل/ اليوم و (2) مليون اخرى عندما يصل الانتاج (40) الف برميل/ اليوم، وهكذا. وقد تتضمن حوافز الانتاج دفع مبالغ عندما يصل الانتاج الكلي الى مستويات محددة بالعقود. اما حافز اكتشاف النفط، فالمقصود به هو الاكتشاف التجاري للنفط ويدفع بعد موافقة الحكومة على خطة الانتاج.

          من الملاحظ ان حوافز عقد سخالين (2)، والذي كان حقلاً شبه مكتشف عندما تم التوقيع عليه كعقود مشاركة، واعتبر التوقيع في وقتها تنازل كبير من الحكومة الروسية في زمن رئاسة يلتسين، وتحاول الحكومة الحالية استعمال محتلف الاساليب للتخلص من عقد المشاركة هذا. في هذا العقد كان حافز توقيع العقد (50) مليون دولار. واضيف له (160) مليون دولار، لقاء ماانفقته الحكومة السوفياتية على التنقيب، مضافا له (100) مليون دولار لصندوق تطوير سخالين. وهنا ارقام الحوافز عالية، لان توقيع العقد كان غير اعتياديا، فالمفروض هكذا حقول مكتشفة ومحددة سابقا (ولو جزئيا) لاتتضمن عنصر المجازفة، وليست مشمولة بعقود المشاركة.

 

     سادسا: الضرائب

 

          اعتياديا، في هذه العقود، تأخذ الحكومة ضريبة دخل على حصة المقاول من نفط الربح. اي عمليا فان ارباح المقاول (وهي نفط الربح) معرض للضريبة. ان هذه الضريبة تتفاوت من عقد الى آخر وهي تتراوح بين صفر الى 60% من قيمة نفط الربح المخصصة للمقاول.

          نلاحظ ان الضريبة تقريبا ثابتة، وهي امر متعلق بسياسات الدولة بالضريبة، اذ اعتياديا فان قوانين الضريبة في الدولة لاتتغير كثيراً، واذا حدثت تغيرات فتكون بسيطة. وهنا ايضا الامر يعتمد على العقد، اذ قد يجد المقاول ان من صالحه اعتماد الضرائب التي تفرضها الدولة، اذا كانت هذه الضرائب قليلة. ولكنه يحاول دائما ان يضع لنفسه خط الرجعة في حالة زيادة الضرائب، ولذا قد تحدد النسبة في العقد او قد ترتبط بالمعدل الداخلي للمردود.

          من الملاحظ ان في حالة وجود الحكومة كشريك في الشركة المقاولة (من خلال شركة النقط الوطنية)، فان تصفية الضرائب تترك الى شركة النفط الوطنية لانها اقدر على التفاهم مع الحكومة.

          تتضمن بعض العقود تجميدا للضرائب للفترة الاولى، حيث تسمى "عطلة الضرائب Tax  Holiday" . مثلا للخمس سنوات الاولى من العقد، وذلك لزيادة تحفيز المستثمر، وخصوصا في المناطق الصعبة او المكلفة. يكون كلا الطرفين حذراً في صياغة هذه الفقرة من العقد. فمثلا اذا كان العقد يجمد الضرائب للسنوات الخمسة الاولى من التوقيع، فهنا لايستفاد المقاول شيئاً او الاستفادة قليلة، اذ في هذه السنوات بحث وتنقيب واكمال منشآت التطوير، فهي ستكون حافزاً للاسراع بالعمل ولكن استفادة المقاول محدودة. واذا كان التجميد (5) سنوات من بدء الانتاج، فسيحاول المقاول بشتى الطرق ان ينتج اكثر مايمكن من الحقل في هذه الفترة ليستفاد من الاعفاء الضريبي، اوقد يكون ذلك على حساب الطرق الفنية الصحيحة للانتاج.

          نرى ان المقاول ، في بعض العقود، يدفع رسوم تصدير واستيراد لمعداته. بالواقع لاتوجد مثل هذه الحالة في الكثير من العقود وخصوصا فيما يتعلق برسم التصدير اذ ان المشروع كله سيؤول الى الحكومة في نهاية العقد، كما ان هذه المبالغ زهيدة، وتوضع هذه الفقرة في العقد فقط لكي ينسجم العقد مع قوانين وتعليمات الدولة.

 

     سابعا: الشروط العقدية الثابتة والمتحركة Fixed and Sliding Scales :

 

          لقد تطورت بنود عقود المشاركة لتكون في نهاية التسعينيات متغيرة/ متحركة في الغالبية العظمى منها، وان الحصص النهائية لكل الفقرات المالية مرتبطة ببعضها، ومتغيرة وفق معايير توضع في العقود. ولقد تطورت هذه البنود في صالح الحكومة في هذا القرن، وخصوصا بعد زيادة الاسعار، ولاتزال تتطور تحت ضغط الحكومات لتكون مرتبطة في المحصلة النهائية في المعدل الداخلي للمردود IRR وفي المثالين ادناه، يقسم نفط الربح وفق معايير هي بالعموم تعطي الحكومة عوائد اكثر كلما ازدادت ربحية المشروع سواء بالاعتماد على الانتاج اليومي للحقل، او على مايسمى الـ R Factor ، (عامل الربحية)، أي على نسبة العوائد/ النفقات.

ومثال الحالة الاولى في احد العقود الاندونيسية:

الانتاج

الف برميل/اليوم

حصة الحكومة من نفط الربح

حصة المقاول من نفط الربح

50 %

61.5 %

38.5 %

50-150

71.2 %

28.8 %

اكثر من 150

80.8 %

19.2 %

 

 اما الحالة الثانية وذلك في احد عقود اذربيجان،فان الامريعتمد على عامل الربحية R Factor = العوائد النفقــــــات

 

 

R- Factor

عامل الربحية

حصة الحكومة من نفط الربح

حصة المقاول من نفط الربح

اقل من 1.5

50 %

50 %

1.5 - 2

60 %

40 %

3 - 3.25

80 %

20 %

3.5 او اكثر

90 %

10 %

 

           مانلاحظه ان عامل الربحية R Factor هو في احسن احواله (3.5)، وهو رقم قليل جدا بالنسبة للعراق، كما وان الاسعار كانت منخفضة عند توقيع العقود (معدلات 10-20 دولار/ البرميل)، والآن يصل هذا الرقم اضعاف الارقام المذكورة. ولو اخذنا نفط العراق حيث كلف الانتاج الحالية لاتتجاوز دولار/ البرميل، ويتوقع ان لاتزداد عن هذا الرقم في المستقبل، (علما هناك دراسات صدرت قبل ايام تتوقع ان يكون المعدل العام للكلفة للحقول الجديدة بحدود 1-2 دولار/البرميل). حتى لو افترضنا كلفة (2) دولار/البرميل، ويباع بـ (60) دولارللبرميل، فان عامل الربحية R Factor سيكون حوالي (30)، وبالواقع فانه قد يصل الى (60) لو افترضنا كلفة الانتاج دولار واحد/البرميل. لهذا فان حصة المقاول من نفط الربح يجب ان لاتتجاوز الـ 1% او اقل من ذلك بكثير.

 

     ثامناً: حاجة السوق المحلية Domestic Market Obligation DMO

 

          في غالبية الدول التي وقعت عقود مشاركة، كانت هناك حاجة لاستيراد النفط لسد حاجتها المحلية، لهذا نجد ان في الكثير من هذه العقود قامت الحكومة بفرض شرط اعطاء الاولوية للسوق المحلي للنفط المنتج. ان هذه الفقرة يتم وضعها في العقد بشروط مختلفة تـُذكر فيها الكميات والاسعار المفترض الالتزام بها.

          تفترض بعض العقود نسبة معينة من الانتاج للسوق المحلي، بينما في عقود اخرى تعطى الحكومة الحق في اية كمية من الانتاج، وقد تصل الى 100% منه، (أي عمليا 100% من نفط الربح)، اذا كانت له حاجة للسوق المحلي. اما بالنسبة للسعر، فاعتياديا هناك حسومات كبيرة على السعر، ولكميات تحدد في العقد، مما قد يعرض المقاول الى خسارة، والتي تعوض في بنود اخرى من العقد. 

           

‌ه)    بعض النتائج الاقتصادية لعقود المشاركة:

   

     لقد ذكرنا سابقا ان اصح طريقة لمعرفة اقتصاديات هذه العقود هي اعتماد نتائج المعدل الداخلي للمردود IRR ، وادناه نحاول ان نعطي صورة لعلاقة IRR بالمؤشرات المالية الاخرى التي ذكرناها مثل الاسعار ونفط الربح والريع والضرائب وغيرها، كما سنركز على العراق فيما لو استخدمت عقود المشاركة.

لقد ذكرنا سابقا ان المشاريع النفطية (وغيرها) تحدد ربحيتها بنسبة IRR الناتجة، وان مشاريع التحري وانتاج النفط بموجب عقود المشاركة تعتبر IRR (12%) بانها نسبة مقبولة. أي كلما ازداد الرقم عن (12%) كلما كانت الربحية اكبر للمقاول والحكومة، وان الـ (12%) تعتبر النسبة الحرجة التي فيها وبعدها يعتبر المشروع مربحاً.

 

اولاً: تأثيرات البنود المالية على الـ IRR

 

               ان الدراسة التي تمت في نهاية القرن الماضي حول (268) عقد مشاركة والتي اشرنا اليها سابقا في الفقرة (1)، استنتجت في تلك الظروف حيث الاسعار متدنية، مايلي:

-      ان اكبر المؤشرات تأثيرا على الـ IRR هو السعر، فاذا ازداد السعر (5) دولار/البرميل (مع بقاء جميع العوامل الاخرى ثابتة)، فان IRR يتضاعف تقريبا ونفس الشيء يحدث بالنسبة لصافي القيمة الحالية Net Present Value NPV . وان المشاريع التي كانت شبه خاسرة، قد تبدل وضعها الاقتصادي عندما ازدادت الاسعار من (10) الى (15) دولار/ البرميل.

نلاحظ في احد عقود المشاركة النموذجية، ان زيادة السعر من (10) الى (15) الى (20) دولار للبرميل، زاد الـ IRR من (25%) الى (42%) الى (57%). وفي عقد آخر ولكن لم يكن ذو ربحية عالية فان زيادة السعر من (10) الى (15) الى (20) دولار/البرميل ادى الى ارتفاع IRR من (11%) الى (29%) الى (49%).

-      نلاحظ ايضا ، وكمثال في هذه العقود، ان زيادة الريع من 5% الى 15%، فان IRR انخفض من 40% الى 34%، أي ان زيادة الريع له تأثير ولكن ليس بكبير جدا.

       كما لوحظ، وكمثال، ان زيادة الضريبة على نفط الربح للمقاول من 15% الى 25%، انخفض الـ IRR من 37% الى 33%.

 

 

ثانيا: مؤشر المعدل الداخلي للمردود IRR في عقود المشاركة العراقية

 

     لقد اعتمدت دراسة "نهب ثروة العراق النفطية" المشار اليها في (1) اعلاه على افتراض استخدام عقود مشاركة لـ(12) حقل نفطي عراقي مكتشف، التي تم ذكرها سابقا، واحتساب الـ IRR لها، والارباح الناجمة مقارنة فيما لو نفذت من قبل الجانب العراقي مباشرة او من خلال عقود خدمة باعتبارها صناعة مؤممة. اعتمدت الدراسة افتراض احسن عقود المشاركة (من ناحية الدولة) لمشاريع وحالات مشابهة في ليبيا وعمان وروسيا، واعتبر حقل العمارة نموذج لحقل صغير، وحقل الناصرية نموذج لحقل متوسط، وحقل مجنون نموذج لحق كبير. وافترضت ثلاثة اسعار للنفط (30) و (40) و (50) دولار/البرميل. ان الارقام العالية للـ IRR تمثل حقل مجنون، والارقام الواطئة للـ IRR تمثل حقل العمارة.

    

     ونوجز النتائج بما يلي:

اسعار النفط

دولار/البرميل

IRR (بين الحد الادنى والحد الاعلى)

الحد الادنى/ العمارة

 

الحد الاعلى/ مجنون

30

33 %             

الى

140 %

40

42 %            

الى

162 %

50

48 %            

الى

178 %

 

ولو كانت الدراسة قد اخذت (60) دولار/ البرميل لوصل الى IRR تتجاوز الـ 52% بالحد الادنى وتتجاوز الـ 190% بالحد الاعلى.

نلاحظ ان الـ IRR في اسعار الـ (50) دولار/ البرميل وفي ادنى مستوياته يصل الى 48% (أي اربعة مرات الـ 12% المقبولة في الصناعة النفطية)، اما بالنسبة لحقل مجنون وفي نفس هذه الاسعار فيصل الى 178% (أي يصل 15 مرة للنسبة المقبولة في الصناعة النفطية).

انني استغرب ان يقول احد الخبراء الاقتصاديين العراقيين في احد محطات التلفزيون العربية مؤخراً، مدافعا عن عقود المشاركة، ان IRR لحقل مجنون لا يتجاوز الـ 18% !!!، واعتقد يقصد العقد الذي تم توقيعه في حينه مع فرنسا.

كما وانني استغرب ايضا من قول احد المسؤولين عن وضع مسودة القانون، مجيبا على سؤال "كيف نقبل ان نضع حقل مثل مجنون ضمن عقود المشاركة؟"، اجاب يقول: "ومن يقول ان حقل مجنون سيتم وضعه ضمن عقود المشاركة؟". ان القانون الذي يراد تمشيته يضع هذا الاحتمال. وان الضغوط الاجنبية وظروف الحكومة التي تجعلها ضعيفة، والظروف العامة في العراق تجعل هذا الاحتمال وارد لمجنون او حقول كبيرة اخرى غيره، والبرهان على ذلك تصريح وزير نفط اقليم كردستان في 26/4/2007 اذ جعل حقل مجنون ضمن عقود المشاركة بالانتاج،  والامّر من ذلك انه اقترح ان تكون لشركة النفط الوطنية مشاركة فيه قدرها 25% فقط، وكما سنتطرق اليه لاحقا. لهذا كان الاجدر ان يتم الجواب من قبل المسؤول "اننا سنعمل على تعديل المسودة لتثبيت ان عقود المشاركة سوف لاتنفذ على حقول الملاحق 1، 2، 3 من مسودة العقد، وان هذه الحقول ستنفذ بالطريقة المباشرة او من خلال عقود خدمة!!". اذ كما نلاحظ ان في حقل العمارة الصغير، يتجاوز الـ IRR الاربعة امثال النسبة المقبولة في الصناعة النفطية، لذا حتى الحقول الصغيرة يجب ان لاتنفذ بعقود المشاركة.

تستمر هذه الدراسة لاحتساب خسارة العراق المالية في حال تنفيذ الـ (12) حقل ضمن عقود المشاركة، بدلا من التنفيذ المباشر او من خلال عقود الخدمة، وهذه الارقام هي من الناحية العملية ارباح الشركات بسبب توقيع عقود المشاركة. نجد ان الحد الادنى من خسارة الحكومة هو لو تم السير وفق النموذج الليبي الاخير والذي يعتبر حاليا اكثر نماذج عقود المشاركة صرامة. اما الحد الاعلى من الخسارة وهو عندما يتم توقيع العقود وفق النموذج الروسي.

 

سعر النفط

دولار/البرميل

خسارة الحكومة العراقية

مليار دولار

30

بين (55)            

و

(143)

40

بين (74)

و

(194)

50

بين (94)

و

(250)

 

اما في حالة افتراض سعر بيع (60) دولار/ البرميل فالخسارة تصل بين (110) و (300) مليار دولار.

اضافة لذلك فان هذه الحقول (12) ستتمكن من انتاج مايعادل (3.30) مليون برميل/ اليوم وهذا رقم انتاجي عال جدا، ويكون انتاجها ليس من قبل الحكومة العراقية مباشرة، وانما من قبل الشركات طول مدة العقد مع "اشراف" من الوزارة او شركة النفط الوطنية، ولانعرف مدى جدية هذا الاشراف. ان هذا الامر يجعل تخطيط وانتاج النفط العراقي عملية مشتركة مع شركات اجنبية، وهي مسائل في منتهى الخطورة عندما يكون هناك تضارب للمصالح، مثلا في كمية الانتاج، او البيع باسعار ادنى!!.

 

 

2)   ماهو مستقبل النفط العالمي، ومستقبل نفط العراق

 

اعلن كيري، المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الاميركية الاخيرة في 2004، مشروعا طموحاً جداً، سمّـاه "مشروع مانهاتن الثاني"، تيمنا بمشروع مانهاتن الذي بُدأ به في سنة 1940، ويعتبر اكبر مشروع تقني صناعي علمي نفـّـذ في العالم اجمع، وكانت اولى نتائجه القنابل الذرية الاولى. اما مشروع كيري فهو يتعلق باستهلاك الولايات المتحدة للنفط، واعتمادها على الاستيراد لهذه المادة الستراتيجية، ومن ضمن البلدان المصدرة الى الولايات المتحدة هي دول الشرق الاوسط "المضطرب دائما". قال كيري في يوم ترشيحه في 2/3/2004، ان في حالة مجيئه لرئاسة الولايات المتحدة ، "فان ادارته ستتصدى لواحدة من التحديات التأريخية التي يواجهها جيلنا باطلاق خطوات جريئة تستثمر في تقنيات المستقبل وتحقق للولايات المتحدة الاستقلال عن امدادات النفط الاجنبي خلال عشر سنوات، بحيث لاتضطر اميركا لارسال شبانها وشاباتها لخوض الحروب من اجل نفط الشرق الاوسط"!!. عندما اطلق كيري مشروعه، كانت الولايات المتحدة تستورد (11) مليوم برميل/ اليوم، ويمثل ذلك 60% من احتياجاتها النفطية، وكان مايستورد من الشرق الاوسط 20% (اي 2.2 مليون برميل) من مجمل الاستيرادات، والتي بلغت قيمها السنوية (20) مليار دولار (بسعر 25 دولار/ البرميل). اما مجمل الاستيراد النفطي فلقد تجاوز قيمته مبلغ (100) مليار دولار سنويا باسعار تلك الفترة. في الوقت الحاضر، في سنة 2005، فان معدل استهلاك الولايات المتحدة للنفط (20.802) مليون برميل/ اليوم، وصافي الاستيراد للنفط الخام يمثل 60.3% اي مامعدله (12.544) مليون برميل/اليوم، وتبلغ قيمته السنوية الاستيرادية حوالي (260) مليار دولار. علما هناك استيراد اضافي للمنتجات النفطية يبلغ (3.6) مليون برميل/اليوم.

ان خطة كيري كانت تعتمد على صرف مبالغ تعادل مبالغ الاستيراد من الشرق الاوسط، اي – في حينه – (20) مليار دولار/السنة ، وعلى مدى (10) سنوات على البحوث في مختلف نواحي الطاقة، وعلى التحريات النفطية الاضافية، وتحسين كفاءة استخراج النفط في الولايات المتحدة ، وذلك لزيادة احتياطي النفط والغاز، وبذلك يمكن الاستغناء عن نفط الشرق الاوسط خلال (10) سنوات.

كانت الخطة بالنسبة الى الكثير من العارفين، "بيان سياسي" وليست خطة عملية، مع اشارة "خفيفة" منه لسبب احتلال العراق من قبل حكومة بوش، والمشاكل "البسيطة" التي كانت تجابهها هذه الحكومة في سنتها الاولى من الاحتلال!!. وكانت الاجابة المهمة لخطة كيري، وبصورة غير مباشرة، قد جاءت من قبل لي ريموند، رئيس شركة اكسن موبيل الاميركية، احدى اكبر شركات النفط في العالم وذلك في 7/6/2004، حيث قال: " سيتعين على الولايات المتحدة الاعتماد على منطقة الشرق الاوسط المضطربة في الحصول على جزء كبير من احتياجاتها النفطية خلال عدة عقود مقبلة"، مضيفا "ان عبارة الاكتفاء الذاتي لاميركا في مجال الطاقة ماهي الاّ مجرد خرافة.... وان الولايات المتحدة، وبقية دول العالم سوف يتزايد اعتمادها على النفط والغاز القادمين من الشرق الاوسط، وهذا الامر ليس سياسيا او اديولوجيا، بل هو شيء حتمي".

الآن وبعد خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية وقرب سنة انتخابات الرئاسةالاميركية القادمة، جاء دور بوش ليطلق "بيانه السياسي"، وهو ايضا حول الطاقة ونفط الشرق الاوسط. لقد عرض بوش في خطاب حالة الاتحاد State of the Union السنوي في 23/1/2007، مشروعه "الطموح"، وذلك "لمجابهة التحدي الخطير للتغير العالمي للمناخ"، على حد قوله، اذ يحاول ان يطمئن دعاة البيئة والعلماء الاميركان، ويخفف الضجة الكبيرة جدا ضد سياسة بوش البيئية سواء داخل اميركا او من اوروبا. عرض بوش في مشروعه زيادة كبيرة في انتاج بدائل الوقود السائل، وذلك برفع انتاج الكحول (الايثانول) والبدائل الاخرى للوقود السائل (5) مرات، لانتاج (35) مليار غالون (اي 833 مليون برميل) منها في سنة 2017، حيث ستعوض عن 15% من استعمال النفط. اضافة لذلك ستتم البحوث المتعلقة بزيادة كفاءة الاحتراق في مكائن السيارات بـ 5%، وبهذا ستؤدي الى تقليل استهلاك النفط في الولايات المتحدة بـ 20% خلال (10) سنوات. هذا الوقود السائل سيأتي من انتاج الكحول من تخمير الحبوب. اذ ان البدائل الاخرى غير عملية، فعملية تحويل الفحم الى وقود سائل مكلفة ومضرة بالبيئة  فهي منتجة اكثر من النفط لغاز ثاني اوكسيد الكاربون المسبب الرئيسي للاحتباس الحراري والتغير المناخي، كما ان انتاج الكحول من السيليلوز مكلف جدا. لم يأت الجواب على خطة بوش فقط من دعاة البيئة ومؤسساتها في الولايات المتحدة واوربا، اذ  بينوا ان الخطة ستزيد من انبعاث غاز ثاني اوكسيد الكاربون لاتقليله. اعتياديا لايعتبر الكحول المنتج من الحبوب مسببا لانبعاث غاز CO2، اذ ماينتجه من هذا الغاز عند الاحتراق، يُـمتص من قبل النبات عند انتاج الحبوب. ولكن هناك مواد هيدروكربونية، (نفط او غاز)، تـُستخدم في الاسمدة الكيمياوية والمبيدات ، كذلك هناك ضياع في الطاقة عند تحويل الحبوب الى كحول، بالاضافة الى الوقود النفطي المستخدم في المعدات الزراعية والنقل. لقد قدرت احدى  الدراسات ان الذرة تحتاج الى 30% طاقة اكثر من الطاقة المنتجة من الكحول المنتج فيها ليكون بديلا عن البنزين، والذي يعني عدم جدوى الكحول في حل مشكلة انبعاث الغاز المسبب للاحتباس الحراري. علما ان الكحول يستخدم في الولايات المتحدة وغيرها (وخصوصا البرازيل)، منذ سنين طويلة، لوحده او ممزوجا بالبنزين، كبديل عن البنزين، ولقد ازداد الاستعمال نتيجة ارتفاع اسعار النفط، اذ اصبحت الكلفة مناسبة وخصوصا في البرازيل حيث تستورد النفط وتنتج الكحول من قصب السكر والبكاز (بقايا انتاج السكر).

ان الهجوم الكبير ضد خطة بوش الاخيرة جاءت من المنظمات الانسانية، والوكالات الدولية للغذاء، اذ ان توفير 20% من النفط لانتاج الكحول يعني تحويل كل الحنطة المنتجة حالياً في الولايات المتحدة الى كحول، وهذا امر خطير جداً. تعتبر الولايات المتحدة حاليا اكبر مصدر للحنطة في العالم، وان مجمل تصديرها لهذه المادة الحيوية كبير جدا ويعادل مجموع تصدير كندا واستراليا والارجنتين سوية، وهذه الدول هي اهم الدول المصدرة للحنطة بعد الولايات المتحدة. ان انتاج الكحول في الولايات المتحدة، لاغراض وقود السيارات، يتم من خلال الذرة والحنطة والشعير وبقايا انتاج السكر بصورة رئيسية، اما في البرازيل فينتج من قصب السكر او البكاز (بقايا انتاج السكر). تستعمل الذرة في الولايات المتحدة ومناطق اخرى في العالم كعلف للحيوانات في الغالبية العظمى منها، بالاضافة الى انتاج الكحول. ولكن في دول كثيرة، ومنها المكسيك تعتبر الذرة الغذاء الاساسي لاطعام الانسان. ان التوسع في استخدام الكحول كوقود ادى الى مضاعفة اسعار الذرة خلال السنة الماضية، ووصلت اسعار الحنطة في التجارة العالمية ارقاما قياسية، وقامت مظاهرات صاخبة لجياع المكسيك لارتفاع سعر طحين الذرة بـ 60%، كما تاثرت اسعار مفردات الطعام الرئيسية في الدول التي تستورد الحبوب سواء كغذاء للانسان ام كعلف حيواني. ارتفعت في الولايات المتحدة في سنة 2007 مقارنة عن 2006 اسعار الدجاج بحدود 10% والبيض 20% والحليب 14%. انعكس الامر ايضا على الصين المستوردة للحبوب حيث حدثت زيادات في اسعار اللحم والبيض والدجاج بحدود 15-20%، كذلك ارتفعت اسعار المواد الغذائية في الهند. استعملت الولايات المتحدة في سنة 2006، مايقارب من 16% من الحنطة المنتجة منها لاغراض انتاج الكحول ، ويتوقع ان تستعمل ثلث الحنطة المنتجة لديها لهذا الغرض في سنة 2008. ليعرف القارئ ان كمية الحنطة المطلوبة لانتاج كحول يكفي لملئ خزان وقود السيارة الواحدة لمرة واحدة فقط، تكفي لاطعام شخص واحد لمدة سنة كاملة. ولقد لخص الامر الاقتصادي الاميركي لستر براون من معهد سياسات الارض Earth Policy، نقلا عن جريدة الاندبندنت البريطانية في 5/3/2007، بقوله :" ان المنافسة على الحنطة ستكون بين 800 مليون صاحب سيارة يريدون الكحول لتسيير سياراتهم ومليارين من افقر البشر يريدون الحنطة للاكل"!!.

ان الخطط والتصريحات لكيري وبوش اعلاه، والتي هي بالاساس لاغراض داخلية انتخابية تجعل بعض الاقتصاديين يعتقد ان لا مستقبل للنفط وانه سيكون مادة "بائرة"، ومن هؤلاء احد الاقتصاديين العراقيين المعروفين والذي توصل بعد ذلك ، في ندوة تلفزيونية، الى ضرورة الاستعجال بانتاج النفط العراقي وباكبر كمية والاّ سينتهي الى ماانتهى اليه الفحم الحجري، وذلك لان البلدان الصناعية تعمل لانتاج البدائل لحل مشكلة البيئة، وسيتم انتاجها قريبا لينتهي عصر النفط!!.

حول موضوع مستقبل الطاقة (والنفط من ضمنها)، والعلاقة بين المواد الهيدروكربونية والاحتباس الحراري، وتأثير الاسعار في تطور البدائل ، وماهي البدائل ومستقبل النفط، وماهي طاقة المستقبل، نرى ان يطلع القارئ ، الذي يريد التوسع في هذا الموضوع، على كتابي "الطاقة: التحدي الاكبر لهذا القرن"، والذي صدر في ايلول / 2005. اما مايتعلق بتفاصيل احتياطي العراق وسياسة الانتاج المفضلة، حسب رأيي ، وسياسة تطوير الحقول ، فانها موجودة في ملاحظاتي الاولى حول القانون في 31/1/2007. وهنا سأذكر فقط بعض المؤشرات الرئيسية حول  الموضوع اعلاه:     

‌أ)      الاحتياطي النفطي العالمي:

تتراوح تقديرات الاحتياطي العالمي من النفط بين (1030 و 1290) مليار برميل والفرق بين هذه الارقام يعتمد على طريقة احتساب الاحتياطي الثابت ونسب الاستخراج المتوقعة اعتمادا على التقنيات المفترضة ، وشمول او عدم شمول بعض النفوط الثقيلة جدا والنفوط الرملية. وبصورة عامة فان الارقام العالية تصدر اعتياديا من قبل وزارة الطاقة الاميركية، والرقم العالي اعلاه موضوع من قبلها لسنة 2006. في كل الاحوال نحن نتكلم عن احتياطي يكفي لمدة (34-43) سنة ، في حساب الاستهلاك لسنة (2005)، والبالغ (82.5) مليون برميل/اليوم. وتضع تقارير BP 67% من الاحتياطي في الشرق الاوسط، و 77% من الاحتياطي في دول اوبك.هناك شبه اجماع لدى المختصين في العالم بان ماصنعته الطبيعة من النفط خلال ملايين السنين قد استهلكته البشرية خلال قرن او قرن ونصف. ولو نظرنا الى الاكتشافات الجديدة خلال الخمسين سنة الماضية، نجد ان اكبر الاكتشافات تمت في الستينيات من القرن الماضي، حيث تم اكتشاف مامعدله (40) مليار برميل /السنة، وتراجعت الاكتشافات الجديدة سنويا والى حد الان، برغم تقدم التكنولوجيات بهذا الخصوص، وبرغم الجهود المكثفة التي بُذلت في نهاية السبعينيات وفي الثمانينيات من لقرن الماضي بعد ازمة النفط في سنة 1974، وذلك للبحث عن مصادر نفط جديدة خارج الشرق الاوسط. والاهم من ذلك كله ان منذ مايزيد عن العشرين سنة الماضية تفوقت كميات الاستهلاك السنوية عن كمية الاكتشافات الجديدة السنوية، ويتوقع ان يزداد الفرق بمرور الوقت. في الواقع منذ 1995، فان مامكتشف لايتجاوز الـ 40% مما تم استهلاكه.

ان الجدل الذي يدور حاليا حول متى يبلغ الانتاج النفطي ذروته، اي الحالة التي بعدها يضطر المنتجون الى تقليل الانتاج اليومي لعدم استطاعة الحقول النفطية تلبية للكميات المطلوبة. ان المتشائمين من المختصين يعتقدون ان الامر يتم حاليا، ولهذا بقيت الاسعار عالية، اذ ان اوبك من الناحية العملية لاتستطيع زيادة الانتاج الاّ بكميات محدودة جداً، وهناك من يعتقد ان ذروة الانتاج ستكون بين سنوات (2010 و 2015)، اما المتفائلون فانهم يصلون الى سنة (2025) وهؤلاء قلة، ومنهم وزارة الطاقة الاميركية.

هنا تبرز اهمية الاحتياطي النفطي العراقي، اذ يقدر الاحتياطي الثابت (116) مليار برميل، ولكن جميع الخبراء يعتقدون بامكانية زيادة هذا الاحتياطي عند استكمال التحريات في العراق، وخصوصا في الصحراء الغربية، اذ تقدر المؤسسة العالمية الاميركية المعروفة IHS  في بيان لها في 18/4/2007 تعلن فيه بانها ستصدر في 9 ايار الجاري "اطلس العراق النفطي"، وتقدر ان من الممكن اضافة (100) مليار اخرى لاحتياطي العراق ليصبح الاحتياطي الكلي (216) مليار برميل. اما الخبير العراقي طارق شفيق ، فلقد ذكر في مذكرة له رفعت الى مجلس النواب في اجتماع دبي في 18 نيسان بان الاحتياطي المستقبلي الذي سيتم اكتشافه هو (215) مليار برميل ليصل مجموع الاحتياطي الى (330) مليار، ولااعرف من اين استقى السيد طارق معلوماته ولكن يظهر لي انه رقم متفائل.

في كل الاحوال ، وباستهلاك سنوي عالمي قدره (30) مليار برميل (بافتراض استهلاك يومي قدره "82.5" مليون برميل كما في سنة 2005) ، اضافة الى ان حسب تقديرات الخبراء في العالم ان الاكتشافات المقبلة، خارج العراق، هي بحدود (200) مليار برميل، فاننا لانزال نتكلم عن نفط في طريقه للنضوب قبل الوصول الى مصادر فعلية تستطيع ان تحل محله وباسعار منافسة له، وذلك في النصف الثاني من هذا القرن.

‌ب)  الاستهلاك العالمي للنفط

وصل الاستهلاك العالمي للنفط حسب التقرير السنوي لشركة برتش بتروليوم BP لسنة 2005، مايعادل (82.5) مليون برميل/اليوم، مقارنة بتقارير وزارة الطاقة الاميركية التي ذكرت ان الاستهلاك العالمي لسنة 2005 كان (84) مليون برميل/اليوم. وسنعتمد الـ (82.5) مليون برميل/اليوم لانه اقرب الى واقع الزيادات السنوية واحصائيات الجهات العالمية الاخرى، ولااعرف كيف توصلت وزارة الطاقة الاميركية الى رقمها العالي، (ويحتمل انه تم ذلك بادخال الخزين الستراتيجي المضاف في تلك السنة).

ان معدل الزيادة السنوية لاستهلاك النفط خلال الخمس سنوات الماضية، أي منذ 2001، تصل الى 1.6%، (مقارنة بالصين حيث وصلت 8.74%)، كما وان معدل الزيادة السنوية العالمية منذ 1995 كانت 1.7% (مقارنة بالصين حيث كانت 7%).

ولو اخذنا سنة 1990 كسنة اساس، (وذلك لان اتفاق كيوتو للسيطرة على الاحتباس الحراري يعتمد 1990 كسنة اساس)، فان معدل الزيادة السنوية العالمية في استهلاك النفط، منذ تلك السنة، كان بمعدل سنوي 1.5%، بينما كان معدل الزيادة السنوية للصين خلال نفس الفترة 12.6% ، وللهند 13.2%، والولايات المتحدة 0.55%، اما اوروبا (بضمنها اوروبا الاسيوية)، فقد تقلص الاستهلاك بمعدل نسبة مئوية قدرها 0.74%. لقد كانت الولايات المتحدة تستهلك في سنة 1990 مايعادل 28.6% من الاستهلاك العالمي، واوروبا (بضمنها اوروبا الاسيوية) 34.4% واليابان 8% منه، وتقلصت نسبة الاستهلاك في هذه المناطق الى 25%، 24.7% و 6.5% من الاستهلاك العامي لسنة 2005 على التوالي. بنفس الوقت ارتفعت حصة الصين والهند من 3.5% و 1.8% من الاستهلاك العالمي في سنة 1990 الى 8.5% و 3.0% من الاستهلاك العالمي لسنة 2005.

ان اتفاقية كيوتو، والتي اُعتبرت اتفاقية دولية في سنة 2005 رغم عدم مصادقة الولايات المتحدة عليها، فرضت على الدول الصناعية تخفيض في اطلاق غاز ثاني اوكسيد الكاربون الى الجو (والذي يعني عمليا تخفيض حرق النفط والغاز والفحم الحجري)، بنسب تتراوح بين 5-8% عما كانت تطلق الى الجو من غازات في سنة 1990، منها تقليص 8% للولايات المتحدة. يمكن اعتبار اسلوب استهلاك النفط مؤشرا على مدى تنفيذ اتفاقية كيوتو بالنسبة للدول الصناعية. لقد استثنت اتفاقية كيوتو الدول النامية وشبه الصناعية من التخفيض ، باعتبار ان غازات الاحتباس الحراري سببتها الدول الصناعية منذ بداية الثورة الصناعية، ومن غير الصحيح الوقوف ضد التطور الاقتصادي للدول النامية التي لم يكن لديها يد في اطلاق الغاز الضار. من جملة الدول المستثناة هي الصين والهند، حيث ان مناقشات هذه الاتفاقية بدأت منذ نهاية الثمانينيات ووُقـّع البروتوكول في سنة 1997، واعتبر اتفاقية دولية في سنة 2005 بعد تصديق 55% من مسببي الغازات الضارة. لم يدُر في ذهن احد في بداية المناقشات ان الاقتصاد الصيني سيستمر بالنمو بمعدلات سنوية تتجاوز الـ 11% لمدة (20) سنة. اما الان وبعد ان اصبحت الصين ثاني دولة بعد الولايات المتحدة في اطلاق الغازات الضارة، بدأت ايضا ضغوط دولية كبيرة عليها لشمولها بالاتفاقية ، ولكن لانعتقد ان الامر سيلاقي النجاح والتطبيق الكامل قبل سنة 2020 سيما وان الولايات المتحدة نفسها لم تصادق على الاتفاقية .

على ضوء اعلاه يتوقع زيادات سنوية في استهلاك النفط على نطاق العالم وبمعدلات بحدود 1% او اقل، اما في الصين فالزيادة ستكون اكثر من ذلك بكثير.

يجب ملاحظة ان قسما كبيرا من الزيادة السنوية العالية لاستهلاك النفط في الصين والهند، هو ليس لتغطية الاستهلاك المحلي للبضائع المنتجة والتي استهلكت كميات من النفط عند الانتاج، وانما لتغطية البضائع المصدرة الكثيرة من الصين وكذلك من الهند الى الدول الصناعية. اي من الناحية العملية فان البلدان الصناعية نقلت قسما من استهلاكها للنفط الى الصين والهند وبنفس الكميات التي تغطي صناعة المواد المستوردة من هذين البلدين.

صدر تقرير عن وزارة الطاقة الاميركية في حزيران/2006، يضع التصور العالمي لمتطلبات الطاقة (ومن ضمنها النفط)، والى سنة (2030) . يتوقع التقرير ان يصل استهلاك النفط في سنة (2030) الى (105.9) مليون برميل/اليوم، أي بزيادة قدرها 28.4% عن سنة 2005، أي ان هناك زيادة سنوية قدرها 1%. اما في آسيا (عدا اليابان) فان نسبة الزيادة الكلية تتجاوز الـ 55%، أي بمعدل سنوي يقارب من 2.2%.

واذا عرفنا ان البديل الحقيقي للنفط لاغراض الطاقة ، وهي الطاقة النووية الالتحامية، لايمكن تحقيقها تجاريا الاّ في العقد السادس من هذا القرن على اقرب تقدير، نرى ان النفط سيكون مادة مطلوبة جدا ولفترة طويلة جدا، رغم الاحتمال القوي بان تكون هناك ضغوط شديدة بتقليل احراق المواد الكاربونية، اساسا الفحم وبالدرجة الثانية النفط لتقليل ظاهرة الاحتباس الحراري.

وهنا نرجع مجددا الى العراق ليكون احد المنتجين الرئيسيين، ليسد النقص المتوقع في الانتاج المستقبلي.  

 

‌ج)   انتاج النفط العراقي، واسعار النفط:

 

من يقرأ مسودة قانون النفط والغاز ، ويتابع المناقشات والتصريحات للمسؤولين العراقيين، يرى شيئا غريبا لم يحدث في تاريخ العمل النفطي في العالم، عدا ماحدث في بعض الولايات الاميركية في بدايات الانتاج النفطي، حيث سمّيت تلك المرحلة في البحث عن النفط، "هجمة النفط Oil Rush" ، اسوة بما يتم في البحث عن الذهب!!.

ان الامور تـُظهر كأن العراق سيُعلـَن للمزايدة واعطاء التراخيص لرقع استكشافية يبلغ عددها (65) رقعة كما مبينة في الملحق (4) من مسودة القانون، اضافة الى المناقصة والتعاقد لحقول يبلغ عددها (26) "حقل غير منتج بعيد عن عقد الانتاج" كما جاء في الملحق (3) من المسودة اضافة لذلك، فان الامر يظهر جليا كأن على شركة النفط الوطنية العمل على تنفيذ الملحق (1) المتضمن (27) من "الحقول المنتجة"، والملحق (2) المتضمن (25) من "الحقول غير المنتجة القريبة من عقد الانتاج"، كما تسميها ملاحق مسودة القانون. ان الاحتمال الاكبر، في حالة تمرير القانون، ان يكون تنفيذ الملحقين 3 و4 (أي 91 موقع وحقل) خلال عقود مشاركة بالانتاج، كما ان جزء كبير من الملحقين 1و2 (أي 52 حقل) قد تكون عقود مشاركة. كما يتفاخر المسؤولون في الحكومتين المركزية والاقليمية اضافة الى عدد من النواب، بان في احالة المواقع اعلاه سيزدهر العمل، وسيكون العراق خلية نحل، وستُحل جميع مشاكل العراق الحالية!!. ليتصور القارئ ان العمل سيكون في (143) حقل وموقع، وهو امر يظهر للوهلة الاولى كأنه عمل ممتاز!!. الآن لنفترض ان التراخيص والعقود سوف لن تكون لجميع الحقول والمواقع اعلاه وانما لـ 25% منها فقط، أي (36) موقع وحقل. وهو امر ايضا لم تسمع به الصناعة النفطية سابقا، خصوصا اذا اخذنا ظروف العراق الحالية حيث توجد امكانيات للصعود بالانتاج من عدد محدود جدا من حقول مكتشفة فعلا. لنذكـّر القارئ ان اندونيسيا وعلى مدى (40) سنة، لم تعلن وتوقـّع غير (37) عقد مشاركة، علما ان جزءا كبيرا منها ضمن المياه الاقليمية البحرية او في الغابات وضمن المساحات الشاسعة لاندونيسيا ومياهها الاقليمية. اما مصر وليبيا، فلم توقعا الاّ (6) عقود لكل منهما وذلك منذ منتصف السبعينيات. كما ان نيجيريا لم تعلن وتوقـّع الاّ (10) عقود خلال نفس المدة. ماذا سيحدث لدينا اذا ظهر بعد ثمان سنوات ان نصف العدد اعلاه من الشركات لديها حقول نفطية، وهذا امر وارد جدا في العراق، حيث ان هناك تعاقد على حقول موجودة فعلا، كما وان احتمال العثور على النفط، في الرقع الاستكشافية، عالية جدا في العراق. هل سنوقف هذه الشركات عن الانتاج او نقنن انتاجها، او نطلق انتاجها لاغراق السوق العالمي بالنفط العراقي، وبدون اي تخطيط. ان التخطيط يجب ان يكون من الان ومنذ بدء اعطاء التراخيص، ولكن نرى ان حكومة الاقليم قد وقعت لحد الان اربع عقود مشاركة، وبدون وجود اي قانون سواء كان القانون اقليميا او اتحاديا يسمح بذلك وحسب المعلومات التي لدينا، ومذكرة السيد وزير نفط اقليم كردستان في 27/4 (والتي سنتطرق لها في الفصل القادم)، فان هناك عدد آخر من عقود المشاركة يتجاوز ماتم توقيعه ينتظر دوره للتوقيع!!. لغرض توضيح الصورة بطريقة افضل ، انقل هنا قسم من مذكرة السيد طارق شفيق الى رئيس واعضاء مجلس النواب في الاجتماع الذي انعقد في دبي في 18/4. علما ان السيد طارق خبير عراقي قديم، وهو احد الاشخاص الثلاث الذي وضعوا مسودة قانون النفط، ولكن اعلن وزميله فاروق القاسم انسحابهم من العملية وقدما مذكرة تفصيلية ايضا عرضت على مجلس النواب في اجتماع دبي ، تبين ان مسودة القانون  الحالي قد تم تحريفها عما قدّماه اصلا. يقول السيد طارق في مذكرته، حول خصوصيات النفط العراقي: "هنا لابد من الاشارة الى انه بامكان الاحتياطي الثابت، (المقصود 115 مليار برميل)، تطوير طاقة انتاجية تدريجيا عن المستوى الحالي البالغ 2 مليون برميل يوميا الى طاقة انتاجية بمعدل 10 مليون برميل يوميا وادامة هذا المعدل لاكثر من 10 سنوات، ومن ثم الاستمرار لعشر سنوات اخرى يبدأ بعدها بالانخفاض التدريجي ، دونما الحاجة الى استكشاف برميل جديد واحد من الاحتياطي المستقبلي. وللعلم فان روسيا تنتج اليوم حوالي 9.5 مليون برميل يوميا في الوقت يقدر الاحتياطي فيها بحدود 74 مليار برميل. ان كلف الاستكشاف التأريخية للنفط العراقي هي اقل من سنت واحد للبرميل. وذلك بسبب ارتفاع نسبة نجاح الاستكشافات، والتي تمثل نجاح سبع آبار تنقيبية في اكتشاف البترول من اصل كل عشر آبار، وهذا يعني ان مخاطر كلفة الاستكشاف تكاد تكون معدومة".

لقد ذكرتُ في الدراسة التي نشرتها في 31/1/2007 تحت عنوان "ملاحظات حول مسودة قانون النفط والغاز"، بأن كمية الانتاج والتصدير الصحيحة، بنظرنا، هي التي تكفي لان توفر مبالغ سنوية باستطاعة حكومة العراق (والاقاليم والمحافظات) صرفها لاغراض تطوير انتاج النفط وخطط التنمية الوطنية وسد حاجة الميزانية العراقية، بالاضافة الى المبالغ اللازمة لتوفيرها في البنك المركزي العراقي لتعزيز قيمة الدينار العراقي. وبينتُ ان طاقة تصديرية قدرها (3) مليون برميل يومياً، تأتي بعوائد تتراوح بين (55) الى (66) مليار دولار سنوياً، ولايتوقع للعراق امكانية صرف لمبالغ اعلى من ذلك للخمس سنوات القادمة، خصوصاً ان ميزانية الدفاع مقلصة وان من المفروض، في الظروف الاعتيادية، ورود استثمار اجنبي اضافي في مشاريع اخرى وذلك بوجود قانون الاستثمار الاجنبي. اما في حالة تصدير (5) مليون برميل يوميا فان العائد يتراوح بين (91) الى (153) مليار دولار سنويا لما بعد فترة الخمس سنوات القادمة. كما وان من الممكن انتاج يصل الى (4.5) مليون برميل يوميا من الحقول العاملة حاليا، والوصول الى (7.5-8) مليون برميل يوميا بعد سبع سنوات باستخدام جزء من الحقول المكتشفة، وفي جميع هذه الحالات لانحتاج الى استثمار اجنبي. كذلك اكدتُ في الدراسة ان التوسع في الانتاج وبدون التنسيق مع اوبك يعني بالتالي تهديم البيت على رؤوسنا. اذ سنعمل على ضخ النفط الى الاسواق واغراقها وبالتالي تخفيض شديد بالاسعار ينعكس سلبا علينا، ومن المحتمل ان يؤدي الى تحطيم اوبك، وهذا ماتريده الولايات المتحدة والغرب. الآن يقول لنا السيد طارق شفيق ان من الممكن انتاج (10) مليون برميل يوميا، وادامة ذلك اعتمادا على الاحتياطي الحالي البالغ (115) مليار برميل. اذاً لماذا نقوم باعطاء تراخيص جديدة او توقيع عقود الان بمشاركة اجنبية، ونحن لسنا بحاجة الى اكتشاف حقول جديدة للعشر سنوات القادمة على الاقل. لماذا كل هذه الضجة حول وجوب اصدار قانون الآن؟ قد يكون الامر مفهوما بالنسبة للاحتلال والشركات الاجنبية، فانها تريد ان تأخذ مواقعها المتقدمة من الآن، ولكن بالنسبة للعراق وشعبه فان الامر غير مفهوم. وفي كل الاحوال، وحتى لو كنا في حاجة الى نفط، والى ضرورة وجود شريك اجنبي، وعندها نحتاج الى قانون يسمح بذلك، فان الاعلان والترخيص عن الرقع الاستكشافية يجب ان يتم تدريجيا، ولايتجاوز(3-5) قطع سنويا.

لقد نقلت جريدة القدس في 22/1/2007 تصريحات للسيد وزير النفط حول الانتاج والتصدير. انني هنا اكتب ماتقوله الصحف نقلا عن السيد وزيرالنفط، علما ان من المعروف ان ما تنقله الصحافة قد لايكون دقيقا، او يكون جمل مستقطعة من سياقها، ولكن في كل الاحوال ساستشهد بهكذا تصريحات. تقول الصحيفة ان السيد الوزير قال: "ان باستطاعة العراق الآن زيادة صادراته الى 1.9 مليون برميل يوميا بدلا من 1.6 برميل يوميا الحالية..ولكننا لسنا مصرين على تصدير هذا الرقم وذلك تضامنا مع منظمة اوبك، لانريد اغراق السوق في وقت تعاني فيه السوق من فائض الانتاج حرصا على المحافظة على الاسعار العالمية"، وبنفس الوقت يشير"ان التخفيض لايشمل العراق لانه يصدر كميات اقل من حقه الطبيعي منذ فترة طويلة". ان المبدأ الذي يتكلم عنه السيد الوزير سليم جدا وهو ماتكلمنا عنه اعلاه، ولكن ليس في هذه الحالة التي من حقنا التصدير (3) مليون برميل يوميا، والمفروض نحن نصدر قدر مانستطيع الآن، وعلى الدول الباقية في اوبك تقليل انتاجها. نستمر مع السيد الوزير حيث نقلت عنه جريدة الحياة في 23/4/2007 على هامش اجتماع دبي، يقول"ان خطة وزارته رفع انتاج العراق النفطي الى اربعة ملايين برميل يوميا خلال السنوات الخمس المقبلة"، مضيفا: "ان الخطة الخمسية الى اقرتها الحكومة تقضي برفع الطاقة الانتاجية الى اربعة ملايين برميل يوميا في ظل الامكانيات الحالية"، واضاف"ان اقرار قانون النفط والغاز الجديد، وماسيليه من بنية تشريعات مستقرة ومشجعة واستدراج الشركات العالمية المختصة في التنقيب والانتاج، من شأنه رفع الطاقة الانتاجية الى مستويات جديدة، متوقعا ان يتم الامر على مرحلتين، الاولى تتضمن الوصول الى ستة ملايين برميل يوميا، بينما الثانية الوصول الى ثمانية ملايين برميل يوميا". لم يحدد زمن للارتفاع بالانتاج.

من الواضح ان الوصول الى (4) مليون برميل يوميا، سيكون من الحقول الحالية، وضمن الامكانيات المتوفرة ، اما المدة التي ذكرها السيد الوزير البالغة (5) سنوات فهي مدة طويلة. ولكن الشيء الذي لم استطع فهمه لماذا الوصول الى (6) ملايين وثم (8) ملايين يحتاج الى القانون، فالمجال مفتوح تماما امام السيد الوزير بتطوير الحقول الموجودة لدى وزارته حاليا، وهو لايحتاج الى قانون لتنفيذ ذلك، اذ يحتاج الى قانون جديد فقط لادخال مشاركة الاجنبي في الانتاج اذ ان التشريعات الموجودة لاتسمح بذلك. من المفهوم من تصريحات السيد الوزير انه يريد الانسجام الكامل مع اوبك وعدم اغراق السوق وتخفيض الاسعار، لهذا فان الوصول الى(6) ثم الى(8) مليون برميل/اليوم تدريجيا، هو للفترة (5-10) سنوات المقبلة. وفي هذه الفترة الزمنية فان المبالغ المطلوبة والمقدرة (20-25) مليار دولار متوفرة على مدى العشرة سنوات المقبلة، والحقول متوفرة ايضا، فما الذي يوقفه ويوقف الحكومة العراقية عن الاستمرار بخطتها، ضمن الخطة الخمسية الحالية او المقبلة. مالذي منع جميع وزراء النفط منذ الاحتلال لحد الآن (وهم حاليا من الدعاة الكبار للقانون)، من السير بتنفيذ ارجاع الانتاج الى ماكان عليه سابقا والتوسع في الانتاج والتصدير بالتنسيق مع اوبك للحفاظ على الاسعار والحصول على حصة عالية للتصدير. ان تعليق عدم امكانية العمل على "شماعة" التشريعات القانونية وضرورة وجود قانون جديد للنفط قبل البدء بالتنفيذ هو كلام غير مقبول لانه غير منطقي وغير صحيح، اذ لايوجد عائق واحد عن التنفيذ . حتى العائق الامني ضعيف في هذه الحالة، فالامور الامنية في المناطق الجنوبية، حيث الحقول العملاقة الجاهزة، كانت جيدة على العموم وتسمح بالعمل للعراقيين والشركات الاجنبية التي تقوم باعمال التنفيذ حسب عقود الخدمة. اما بالنسبة للحاجة الكبيرة في العراق الى المنتجات وانشاء المصافي، وهو الامر الذي يأخذ الاولوية، فمن الممكن العمل من خلال قانون الاستثمار الاجنبي، واذا كان في اعتقاد الحكومة العراقية عدم الامكانية للتنفيذ من خلاله، اذاً كان من الواجب صدور مثل هذا القانون منذ مدة طويلة وقبل طرح المسودة الحالية.

اما بالنسبة للاسعار المستقبلية للنفط، فالامر يعتمد بالدرجة الاولى على الطريقة التي يتصرف بها العراق. وكما اوضحنا اعلاه هناك حاجة ماسة للنفط، وشحة في المصادر يؤدي الى شحة في الانتاج، والعراق البلد الوحيد المهيئ ليسد هذا الفراغ، فان تصرفت الحكومة بحكمة من ناحية الانتاج وعدم اغراق السوق النفطية العالمية، كذلك التنسيق والتعاون الكامل مع اوبك، فان مستوى الاسعار سيبقى في مستواه الحالي متجها نحو الصعود المنطقي. اما اذا تصرفت عكس ذلك فان الاسعار ستنزل الى (40) او (30) دولار/ البرميل، وبذلك سيتأذى الشعب العراقي الى درجة قاتلة ولن يفيده اية زيادة في الانتاج، اضافة لذلك ستتأذى جميع شعوب دول اوبك. وهنا نرى ان من المفضل الرجوع الى الدراسة التي اعدتها وزارة الطاقة الاميركية لمستقبل الطاقة (ومن ضمنها النفط الى سنة 2030)، والتي اشرنا اليها سابقا. ان هذه الدراسة تضع ثلاثة حالات متوقعة لاسعار النفط في المستقبل، الاولى توصل السعر الى (90) دولار للبرميل في سنة 2025 ويستمر بالارتفاع بعد ذلك وذلك في حالة السير وفق سياسة  الاسعار الحالية مع اخذ التضخم النقدي. والاخرى توصل السعر الى (56) دولار/البرميل في سنة 2025 في حالة توفير نفط لابقاء الاسعار الحالية كما هي بدون اخذ التضخم النقدي بعين الاعتبار. اما الحالة الاخيرة فتوصل السعر في سنة 2025 الى (35) دولار/البرميل، وذلك عند قيام جهة جديدة باغراق السوق ، والمقصود بها العراق لاغير. هنا على  واضع السياسة النفطية العراقية ان يلاحظ ان امامه طريقان ، الاول يوصل سعر النفط الى (90) دولار/ البرميل، وهو سعر ملائم جدا وفي صالح المنتج والمستهلك في حالة اخذ التضخم النقدي بنظر الاعتبار، والآخر يوصل السعر الى حوالي 39% من هذا السعر اي (35) دولار للبرميل والذي يعني توصيل العراق الى كارثة!!.

من اعلاه نرى ان من يقول يجب انتاج النفط الآن وسيكون مادة "بائرة" في المستقبل هو على خطأ، وقد يؤدي الامر في حالة السير بهذا الرأي الى تدمير الثروة النفطية العائدة للاجيال العراقية القادمة. اما مايتعلق بالمادة (11ث) حول تأسيس "صندوق المستقبل" تودع منه نسبة من الموارد النفطية وينظم ذلك بقانون، فالامر بالنسبة لنا هو مسألة "دعائية" اكثر منها اقتصادية. فصندوق المستقبل للاجيال القادمة هو النفط المخزون لهم في جوف العراق، كذلك المشاريع  الخدمية والصناعية والزراعية التي يقيمها ويديمها الجيل الحالي والجيل المقبل لهم من خلال سياسة حكيمة في الاستثمار وبناء بنية تحتية صلدة للعراق. والاهم طبعا بناء الانسان العراقي ووضع التقاليد العلمية والاجتماعية الصحيحة. ان العلماء والاساتذة والاطباء والمهندسين وبقية العراقيين الذين هربوا من العراق في الاربعة عقود الماضية، وازداد الامر اضعافا بعد الاحتلال، هؤلاء هم "صندوق المستقبل"، اذ كانوا ويكون غيرهم من العراقيين العمود الفقري لجامعات ومعاهد  فنية عليا تخرج اجيال واجيال ، وكانوا العمود الفقري للمستشفيات والاجهزة الطبية والنظام الصحي الكفوء الذي يخدم الجماهير، ويخدم النظام التعليمي الذي يخلق للاجيال  القادمة البيئة الملائمة. اذا كان المعني بالصندوق هو رصد اموال، عند ذاك نسأل انفسنا اين هو صندوق المتقاعدين القدامى، او صندوق اموال القاصرين والايتام وغيرهم. فكلها ذهبت هباءا، ومن في الحكم حالياً سواء في الحكومة او مجلس النواب لايهتم الاّ بما يصيبه. لحد الآن انا انتظر قانون التقاعد لاتساوى مع اقراني الحاليين، علما لقد عمل جيلنا اضعاف مايـُعمل حاليا.

 

3)   اجتماع دبي، والموقف الحالي لاقليم كردستان من قانون النفط

 

ساتكلم في ختام هذه الملاحظات عن اجتماع مجلس النواب العراقي مع بعض الخبراء في دبي في 18/4/2007 ومارافق ذلك، وبالاخص موقف حكومة اقليم كردستان من مسودة قانون النفط والغاز. واود ان اؤكد انني سوف لن ادخل في مهاترات او استعمال اسلوب الخطاب الذي استعمله السادة وزراء النفط في الحكومة العراقية وفي اقليم كردستان. وهنا مجددا اكرر بانني انقل ماقالته الصحف عن السادة اعلاه، ومن المحتمل إن ماقالته ليس بالصحيح. فلقد نقلت جريدة الصباح في 29/4/2007، وعلى اثر اجتماع دبي، في مقابلة طويلة على الصفحة الاولى مع السيد وزير النفط قوله عن الذين يعارضون القانون: "اننا نسمع مثل هذا من نفس الابواق التي عارضت وخالفت الدستور واجراء الانتخابات، واي اجراء يبني عراقاً جديداً ديمقراطياً حراً ومزدهراً....... هؤلاء ازلام النظام السابق يحنون الى الامتيازات التي منحها ذلك النظام لهم... اما العراقي المخلص الحريص على هذه الثروة يريد ان تـُستخدم هذه الثروة لخدمة الوطن". اي ان الذي يعارض القانون هو ليس "العراقي المخلص الحريص"!!. اما ماقاله السيد وزير النفط لاقليم كردستان، وحسب وكالة اخبار CNN في 18/4/2007، اثناء اجتماع دبي، حيث رفض القانون واعتبره مخالفا للدستور ودعى الى رمي المسودة الجديدة "في سلة المهملات"، متهما اياها بانها "بعثية وقومية"!!.

ان مثل هذا الكلام، ان صح قوله ، لايفيدهما بشيء، وانما يفقدهما المصداقية ويعني العجز في اظهار الحجة، وفي هذه الحالة تـُلقى "التهم" جزافاً. وهنا اقولها وبصورة واضحة هو انني اول او من اوائل من كتب ضد مسودة الدستور وعارضته بشدة في دراستي في 31/1/2007 تحت عنوان "ملاحظات حول مسودة قانون النفط والغاز"، وانتقدت القانون في دراستي الثانية في 15/3/2007 والآن استمر في انتقاده. اما عن الديمقراطية والانتخابات وضرورتها فلقد كتبت عدة مقالات في ذلك ، وحتى قبل ان يطلب السيد علي السيستاني ذلك، ومنها المقالة التي نشرت في جريدة الغد البغدادية في الاسبوع الاول من شباط /2004 تحت عنوان "الانتخابات هي الطريق الشرعي والصحيح والممكن!"، في الوقت الذي كان جميع اعضاء مجلس الحكم يعارضونها وبشدة. ولم اكن من ازلام النظام السابق او في الحزب الحاكم او مؤيداً للنظام السابق. اما بالنسبة للشعب الكردي فان تاريخي السياسي مملوء بالدفاع عن القضية الكردية، وتأييد حق تقرير المصير لهم، ويمكن الرجوع الى كتابي الاول "العراق بين مطرقة صدام وسندان الولايات المتحدة"، الذي صدر في حزيران/2004 واُعيد طبعه في كانون اول/2005 للتعرف على آرائي في القضية الكردية، لهذا لايمكن لأحد مهما كان اتهامي "قومي" او "شوفيني" او "بعثي" او "ازلام النظام السابق" بغض النظر عن مفاهيم هذه العبارات التي اختلطت معانيها. سأستمر بمعارضة القانون ليست للاسباب التي ذكرها السيد وزير نفط كردستان، وكما مبين في الفقرة التالية، وانما لعكس ذلك بالضبط. ان جميع من كتب او ناقش ضد هذا القانون، ومن الذين اعرفهم سواء هم في العراق او خارجه هم خبراء اجلاّء خدموا العراق وشعبه وبذلوا زهرة شبابهم لخدمته، اضافة الى ان الكثير منهم الآن في مراكز مهمة في النقابات النفطية ومنظمات المجتمع المدني والجامعات، وجميع هؤلاء ليسوا من "ازلام النظام" ، بل ان غالبيتهم العظمى كانوا من المعارضين له "في اليد او اللسان او القلب"!!. والأهم من كل هؤلاء ماذا نقول عن المعارضين للقانون، وهم حاليا في خضم العملية السياسية سواء في الوزارة او في مجلس النواب، مثل جبهة التوافق، واعداد كثيرة من التيار الصدري او حزب الفضيلة او القائمة العراقية، وجميع هؤلاء نشروا آراءهم في وسائل الاعلام. في كل الاحوال ان اول من أدخل عقود المشاركة بالانتاج، وسمّى بعضها ايضا عقود "تطوير وانتاج" هو "النظام السابق"، والاعتراض الاكبر هو على عقود المشاركة في هذا القانون، فياترى من هم "ازلام النظام السابق" فيما يتعلق بهذا الامر، واذا كان للنظام السابق "عذر" يدّعيه في توقيع مثل هذه العقود مع روسيا وفرنسا وغيرها لكسر الحصار، فما هو العذر الآن؟!. والاعتراض الثاني ضرورة القرار المركزي في السياسة النفطية الرئيسية، وسنوضح لاحقا ان هذا الامر هو طلب دستوري لايمكن تجاوزه.

ان هكذا تصريحات من المسؤولين هي "الارهاب الفكري" للتوقف عن معارضة مشروع القانون، او التأني في اقراره لان حسب رأي المعارضة فان امورا كثيرة وملحّة تخص حياة الفرد العراقي اليومية يجب اقرارها والسير بتنفيذها قبل اقرار قانونا للنفط في هذه الظروف التعيسة ويمكن تأجيله. اننا نكرر هنا ان هذا هو "الارهاب الفكري"، وليس ماقاله قائدا لاحد الاحزاب العلمانية في ندوة عن قانون النفط من ان هناك "ارهاب فكري" ضد من يؤيد القانون، او يطرح افكاره بحرية، حيث يتم وصفهم بـ "العمالة للاجنبي"!!. بالواقع لم اكتب او اقرأ او اسمع مثل هذا الوصف من اي شخص يعارض مسودة القانون الحالية، او يطالب بتأجيل اقرارها في مجلس النواب، ولكن مايقولوه –واقوله–، ان هذه الهرولة لتمرير القانون ليست "اجندة عراقية" ولاتخدمها، وانما "اجندة المحتل"، وتخدمه. ولقد ذكروا –وذكرت–  تفاصيل قد تكون في احيان مملة حول لماذا لاتوجد حاجة فعلية للعجالة في تمرير القانون الآن. الم يسأل احد نفسه؟ اليس من الغريب ان يطلب رئيس الولايات المتحدة الاميركية، قبل ايام، من مجلس النواب العراقي الغاء "الاجازة الصيفية"، لان هناك قوانين مهمة يجب تمريرها في المدة القريبة القادمة، وطبعا يقصد "قانون النفط والغاز". علما كان العراقيون يستغربون ويستنكرون دائما قيام اعضاء مجلس النواب بالتغيب وكثرة الاجازات وترك امور الرعية، وباعتقادي انهم سوف لن يقوموا بذلك هذه المرة طالما بوش يرغب بذلك!!.

الان، ولقد اكملت هذه الدراسة وهي قيد الطبع، اطلعت على تعليق السيد علي السيستاني، نقلا عن السيد حيدر العبادي الى راديو سوا في 7 أيار الجاري، جاءت على اثر زيارة لقياديين من حزب الدعوة للسيد علي السيستاني في النجف. يقول العبادي: "اما بشأن القوانين المطروحة امام مجلس النواب اكد السيد السيستاني ان الاولوية هي للشعب العراقي اولا وليس بالضرورة الاسراع بتمشية هذه القوانين"، ويستمر موقع راديو سوا بالقول: "رفض العبادي، وهو احد المقربين من رئيس الوزراء نوري المالكي، ضغوط الادارة الاميركية في الاسراع بتنفيذ الاصلاح السياسي والتهديد بوقف الدعم المالي الاميركي للعراق في حالة فشلت حكومة المالكي اقرار القوانين المطلوبة"!!.     

لنترك هذا الامر الآن ولن نرجع اليه ثانية، ونستمر في الكتابة حول موضوع هذه الفقرة من الدراسة، وسنركز على موقف حكومة اقليم كردستان، ونود تبيان الملاحظات التالية:-

 

‌أ)      المستجدات في اجتماع دبي:

 

لقد حدثت معارضة قوية للقانون لم تتوقعها الحكومة، وخصوصا ان جميع الاعمال المتعلقة بتحضير القانون كانت تجري في السر وفي الدهاليز، اما الادعاء الحالي بأن لم تجر اية مناقشة على موضوع (عدا الدستور) مثلما جرت على مسودة القانون، فهو امر صحيح في الظاهر، ولكن فيه مغالطة مابعدها مغالطة، اذ ان النقاش لم يبدأ به صاحب الشأن، أي معدّي مسودة القانون او الحكومة، وانما بدأ عندما نُشر القانون "السري" وفُضحت بنوده من خلال الندوات والمقالات التي تمت من قبل معارضي "القانون". وعندما رأت الحكومة والجهات "المؤيدة" للقانون هذه المعارضة تدخلت في النقاش. ان قانون النفط يعتبر الآن اهم حدث سياسي واقتصادي ليس على نطاق العراق فحسب وانما على نطاق العالم، والضغوط من اكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم مستمرة وبشدة واصرار كبيرين للضغط على الحكومة العراقية لتمريره.

بالنظر لهذه المعارضة للقانون تقرر ان يتم اجتماع لمجلس النواب في دبي في (18) نيسان الماضي، يحضره الوزراء المعنيين وعدد من الخبراء والمختصين تم اختيارهم من قبل المسؤولين عن تحضير الاجتماع، وذلك للسماح بعرض الافكار بحرية اكثر. ولكن ماحدث في الاجتماع، نقلا عن الخبراء المختصين المدعوّين، ان هؤلاء لم يستطيعوا ان يُبدوا وجهة نظرهم لانهم اُعطوا فترة قدرها ثلاث دقائق فقط للكلام – حسب مايقولون – ، واضطر عدد منهم الى اعطاء مذكراتهم الى منظمي الاجتماع وبدون قيامهم بعرضها او المناقشة حولها. ومن اهم الاوراق المقدمة هي ورقة السيد طارق شفيق، والتي اقتبسنا قسما منها في الفقرة (2ج) اعلاه. تقع الورقة في (10) صفحات، تحت عنوان "كتاب مفتوح الى السيد رئيس مجلس النواب والسادة اعضاء مجلس النواب المحترمين". والورقة الثانية تقع في (12) صفحة مكتوبة بصورة مشتركة من قبل السيدين فاروق القاسم وطارق شفيق، تحت عنوان "تعليقات على مسودة قانون النفط والغاز". ان رأي الخبيرين اللذين اعدّا اصلا القانون، يمكن ايجازه بما جاء بمذكرة السيد طارق اعلاه، حيث يقول في خاتمتها: "ان الفائدة الاولى من القانون كانت ومازالت خلق اسس سليمة واضحة وعملية ترتكز عليها اعمال النفط والغاز في كل انحاء جمهورية العراق بصورة توحدها وتنسقها بما يخدم المصلحة العامة. ويشترط هذا بالطبع عدم وجود أي غموض او تناقض او ثغرات مبدئية او تطبيقية يمكن استغلالها ضد المصلحة العامة. واذا كان هناك خيار بين الانتظار حتى يتم سنّ قانون يحمي هذه المصلحة او الاسراع لسن قانون لايوحّد الجهود ولايسّد الثغرات، فليس هناك أي شك من ان الانتظار سيكون افضل من المخاطرة. ويعني هذا انه ليس من الصواب استعجال قانون على هذه الدرجة القصوى من الاهمية. ولهذا يجب مراجعة مسودة القانون لسد اكثرمايمكن من الثغرات". علما ان الورقة لا تفضل عقود المشاركة، ولانعتقد هناك حاجة لمشاركة الرأسمال الاجنبي، كما لاترى استعجال في الاعلان عن فتح الاراضي للمزايدة.

ومايثير الاستغراب، وكما سنرى في الفقرة التالية، ان السيد وزير نفط اقليم كردستان اتّهم منظمي الاجتماع بعدم السماح لمؤيدي الاستثمار الاجنبي بتبيان ملاحظاتهم.في نفس الوقت اشتكى معارضوا القانون من الجانب الآخر من عدم اعطائهم المجال للكلام. ومن الامور الغريبة ايضا، هو ماجاء في جريدة الحياة في 18/4 عن لسان السيد علي حسن بللو رئيس لجنة النفط والغاز في مجلس النواب، حيث ابدى اسفه في الاجتماع لان مسودة قانون النفط والغاز لم تصل الى مجلس النواب ولم يتمكن من الاطلاع عليها. والسؤال يطرح نفسه اذاً ، لماذا السفر لهذه المسافة الطويلة لمناقشة القانون وهو لم يعرض اصلا على النواب.

بعد الاجتماع صدرت عدة بيانات ومقالات من الذين حضروا الاجتماع، ومن اهمها بيان كتلة التوافق بتاريخ 24/4/2007 تؤكد معارضتها للقانون لسببين، الاول متعلق بالمسألة الدستورية والتي يجب حلّها قبل تشريع قانون، والسبب الثاني اعتراضهم على عقود المشاركة بالانتاج. علما ان كتلة التوافق هي الجهة السياسية العراقية الوحيدة التي اصدرت بيان في معارضة القانون. هذا ولقد صدرت تصريحات من نواب في كتلة الصدريين والفضيلة والعراقية يععارضون القانون. كما كتب السيد كريم الشماع، احد منظمي اجتماع عمان لخبراء النفط والمدعو الى اجتماع دبي، مقالة في معارضة القانون تعرض فيها الى عدم السماح للخبراء بعرض افكارهم في اجتماع دبي.

لقد حدثت مفاجأة غير متوقعة في اجتماع دبي، وهي تصريحات وزير نفط اقليم كردستان الدكتور اشتى هاورامي ضد القانون، والتي تناقلتها الغالبية العظمى  من وسائل الاعلام العالمية والعربية، حيث اعتبر القانون خالفا للدستور، مضيفا: "اذا كنا سنضع 90% من احتياطي النفط العراقي تحت تصرف شركة النفط الوطنية، عند ذاك لانحتاج الى قانون للنفط.... وان هذا الامر لايساعد في اجتذاب الاستثمارات"، "وانهم – المقصود حكومة كردستان – سيتابعون العمل بموجب العقود التي ابرموها سابقا". لقد كانت هناك حيرة من هذه التصريحات، اذ من المفروض ان اقليم كردستان اكثر المؤيدين للقانون، وانهم وافقوا عليه في مجلس الوزراء، ويقال عمن كانوا في الاجتماع ان الوزير حاول في المساء ان "يعدّل" تصريحاته، ولكن التصريح/البيان Statement ، المكتوب في 27/4/2007 اوضح امورا كثيرة، وهذا ماسنبينه في الفقرة (ب) ادناه.        

 

‌ب)  موقف حكومة اقليم كردستان، وتصريح/بيان وزير الثروة الطبيعية للاقليم:

 

صدر في 27/4/2007 تصريح /بيان Statement، موقـّع من قبل الدكتور اشتى هاورامي وزير الثروة الطبيعية لاقليم كردستان (وسنسميه وزير نفط الاقليم)، يقع في (7) صفحات و (27) صفحة ملاحق. لم يكن التصريح معنون لاية جهة، ولكن في محتوياته كأنه موجه الى الحكومة المركزية والى "اللجنة الفيدرالية للطاقة والنفط". التصريح مكتوب بالانكليزية وبلغة قانونية قوية وغاضبة واقرب ماتكون الى لغة مسودة قانون النفط لاقليم كردستان في الامور الدستورية. الواضح من التصريح كأنه يتكلم عن حكومة اقليم كردستان، وليس عن نفسه. اضافة لذلك فان موقع حكومة اقليم كردستان الرسمي على الانترنت قد نشر التصريح وملاحقه في اواخر شهر نيسان الماضي، كما وان مثل هكذا تصريحات خطيرة لايمكن ان يقولها وزير الاّ بتأييد او ايعاز من اعلى سلطة حكومية في كردستان العراق. ونظرا لخطورة واهمية هذا التصريح فاننا سنذكر، وبايجاز، فقرات عديدة منه، وسنجيب عليه في الفصل اللاحق من هذه الدراسة.

يمكن ايجاز التصريح وملاحقه بما يلي، علما كل مامكتوب في هذه الفقرة هو من التصريح الاّ اذا حدد كتابيا غير ذلك:-

 

اولا: عدم الاطلاع على الملاحق

يقول السيد الوزير ان لا هو ولا حكومة اقليم كردستان كانا قد اطـّلعا على الملاحق الاربعة لمسودة قانون النفط الصادرة في 15/2/2007، واُطلع عليها فقط في اجتماع دبي، ولهذا يسميها التصريح "ملاحق دبي"، ويسمي المسؤولين عنها، والذين هاجمهم جدا بـ "واضعي ملاحق دبي".

يعتقد التصريح ان "ملاحق دبي" لاتتلائم مع الدستور، ولا مع مصلحة العراقيين، وانه يتكلم ليس باسم الكورد فقط وانما باسم جميع العراقيين الذين صوتوا 80% لصالح الدستور، وهو بهذا يشير باستمرار الى المواد الدستورية، وبالاخص المادة (112)، والتي تؤيد جميع اقواله –حسب رأيه–لهذا يرى التصريح ضرورة تعديل الملاحق جذريا، ويقدم صيغ كاملة للملاحق المعدلة. ويضيف ان بدون النظر والموافقة على التعديلات المقترحة فان حكومة اقليم كردستان لن تؤيد اي اتفاق.

 

ثانيا: اسباب الاعتراض على الملاحق:

ان اسباب اعتراض حكومة كردستان على الملاحق توجز بما يلي:-

(1)   التركيز غير المحدود وغير المفهوم للسلطة المعطاة لشركة النفط الوطنية، حيث ان الملاحق اعطتها 93% من الاحتياطي العراقي الثابت، ولهذا سيكون لهذه الشركة سلطة جبارة وبدون تحديد اهدافها بوضوح فيما يتعلق بالاستثمار والانتاج. بوجود مثل هذه السلطة سوف لن يكون هناك معنى للقانون المقترح او لاية تعليمات قانونية.

ان تركيز سلطة شركة النفط الوطنية يعني الرجوع الى الطرق القديمة في ادارة النفط، حيث السلطة المركزية القوية ادت الى نتائج في الفساد والاعتداء على العراقيين وعلى الدول المجاورة. ان النظام النفطي العراقي يجب ان يكون حديث، وان حكومة اقليم كردستان تعرف ان جميع الفيدراليات (يقصد العالمية) المنتجة للنفط لها قطاع نفطي غير مركزي متضمنا مستوى معين من التعاون الوطني، والجميع مفتوح على القطاع الخاص.

(2)   ان اعطاء شركة النفط الوطنية كما في الملحقين (1) و (2) هو عمل غير قانوني، اذ يعطيها حقول غير مطورة، بضمنها حقول يجب ان تـُدار من قبل الاقاليم المقبلة في العراق، بضمنها اقليم او اقاليم الجنوب والوسط. كما ان الملاحق تعطي شركة النفط الوطنية حقولا منتجة ولكن لاتلزمها بادارة هذه الحقول مع الاقاليم والمحافظات. وهذه الملاحق لاتعترف بسلطة حكومة اقليم كردستان للسماح في حقول ومناطق كردستان. بالواقع ان الملاحق تتضمن رقع استكشافية موجودة في اقليم كردستان، كما تضع الملاحق شروطا تختلف عن شروط كردستان في التعاقد مع القطاع الخاص.

على القانون ان يعترف بالعقود التي وقعت من قبل حكومة اقليم كردستان، وعلى الملاحق ان تؤكد بوضوح بان الحقول والرقع الاستكشافية في اقليم كردستان هي تحت ادارة حكومة كردستان وسلطتها القانونية وهي التي تقرر مستقبل هذه الرقع والحقول.

(3)   تعتبر حكومة اقليم كردستان، ان في الحالة غير المتوقعة، حيث يُعرض القانون على مجلس النواب ويُصادق عليه بشكله الحالي، فان القانون يعتبر عند ذاك غير دستوري وغير شرعي وباطل وفق المادة (13) من الدستور.

(4)   ان بعض الحقول قد تم اكتشافها قبل (30) سنة ولم تطور لحد الان، فمن الذي يضمن بانه سيتم تطويرها لو اُعطيت الى شركة النفط الوطنية. ويجب تحديد عمل هذه الشركة مثل اي مقاول آخر، اذ عليها الالتزام نحو العراق الفيدرالي في تطوير الحقول المعطاة لها للحصول باسرع وقت على عوائد، واذا لم تنفذ ذلك، يُسحب الحقل منها ويُعرض في السوق العالمية لغرض المزايدة عليه من قبل الشركات النفطية، وذلك للحصول على اكبر عائد مالي للعراق.

يجب اعطاء اوامر الى شركة النفط الوطنية لزيادة انتاجها الى (4.5) مليون برميل يوميا خلال خمس سنوات، وفي حالة عدم التنفيذ وفق المنهاج فانها تخسر  قسم من حقوقها.

(5)   ان "ملاحق دبي"، والتعليقات التي قـُدمت من البعض في اثناء اجتماع دبي، ترسل رسالة واضحة الى العالم بان "العراق منغلق ولاتوجد فيه فرص العمل"، وهذه الرسالة وُضعت عمدا لكي تقلل من شأن مسودة قانون نفط (15) شباط فيما يخص مجالات عمل القطاع الخاص (بضمنه الاجنبي) في العراق، كما تثير مشاعر رجعية ضد الاجانب. ولقد اعلن واضعوا ملاحق دبي بان شركة النفط الوطنية سوف لن تدخل في اي تعاقد مع القطاع الخاص، بضمنها الشركات العراقية، كما اعلنوا ان اقرب فرصة لاعلان المزايدات Bidding على الرقع الاستكشافية او الحقول ستكون في كانون اول/2008، وستكون المزايدة لعدد محدد جدا من حقول غير تابعة لشركة النفط الوطنية. كل هذه الامور هو الرجوع من الباب الخلفي الى مرحلة مناقشة قوانين النفط والغاز التي كانت ضد الاستثمار الخارجي والتي رفضتها "اللجنة الفيدرالية للنفط والغاز" منذ آب/2006.

ان المسألة الاساسية في مسودة قانون 15 شباط، والذي وافق عليه مجلس الوزراء هو السماح للقطاع الاستثماري الخاص من العمل تحت اتفاقيات المشاركة بالانتاج وان هذا المبدأ متفق عليه في مسودة الدستور كما في المادة (112-2) منه.

(6)   لقد اكد رئيس وزراء كردستان مرارا، ان شعب كردستان راغب لان يكون جزء من العراق الفيدرالي فقط على اساس الاستخدام الكامل للدستور.

(7)   ان الملاحق غير دستورية ومناقضة لمسودة قانون النفط والغاز وضد مصالح الشعب العراقي. وفيما يتعلق بحقول الملحق (3)، والرقع الاستكشافية الملحق (4)، فيجب ان يثبت فيها بوضوح من انها ستتطور من خلال اتفاقيات عقود المشاركة بالانتاج.

(8)   ان اهم غايات مسودة قانون النفط والغاز، التزاما بالدستور، هو الحصول على العائد الاكبر للشعب العراقي في جميع الاقاليم والمحافظات. ولهذا اقترحت حكومة اقليم كردستان تعديلات على الملاحق. وحتى ضمن هذه التعديلات فان شركة النفط الوطنية ستحصل على 58% من احتياطي العراق الثابت، والذي سيساعدها في رفع الانتاج تحت منهاج مسيطر عليه الى (4.5) مليون برميل يوميا، وبنفس الوقت يسمح للقطاع الخاص والاستثمار الخارجي بان يرفع مستوى انتاج العراق الى (8) مليون برميل يوميا، وعند ذاك ستكون هناك فيدرالية موحدة ومزدهرة.

(9)   الى ان يتم تنفيذ هذه الامور فان حكومة اقليم كردستان ستستمر في ممارسة سلطتها الكاملة المعطاة لها من قبل دستور العراق، بضمنها مفاوضات تؤدي الى اتفاقيات مشاركة بالانتاج مع مستثمرين اجانب عالميين معروفين وبشروط منافسة تخدم مصالح الشعب العراقي.

 

ثالثا: الملاحق المعدلة

    

لقد تم اجراء تعديلات على جميع الملاحق الاربعة من قبل حكومة اقليم كردستان ونوجز هذه التعديلات كما يلي، علما انه ابقى على نفس التسميات الموجودة في الملاحق الاصلية مع اضافة A الى الرقم:-

(1)   في الملحق 1A المعدّل، "الحقول المنتجة"، ابقى لشركة النفط الوطنية (15) حقل، وهي المنتجة فعلا، من اصل (27) حقل موجودة في الملحق الاصلي، والبقية نقلها اما الى ملحق (2) او ملحق (3).

(2)   عندما نرجع الى الملحق (2) المعدّل، الذي سمّاه 2A، "الحقول غير المنتجة القريبة من عقد الانتاج"، فانه ابقى على (5) حقول فقط من اصل (25) حقل موجودة اصلا، اضافة الى الحقول التي نقلها من ملحق (1) الى (2). اما باقي الحقول فلقد نقلها الى ملحق (3).

(3)   عندما نرجع الى الملحق (3) المعدّل، والذي سمّاه 3A، "الحقول غير المنتجة البعيدة عن عقد الانتاج"، نجد انه ابقى على (16) حقل فقط، من اصل (26) حقل وكذلك الحقول التي نقلها من الملاحق (1) و (2)، والبقية نقلها الى الملحق (4).

(4)   في الملحق (4) المعدل 4A، "الرقع الاستكشافية"، فانه اعترض على (9) رقع بسبب المساحات الواسعة (وهذا برأينا اعتراض صحيح)، واقترح رفع (11) رقعة تقع في كردستان! (كأن القانون مع ملاحقه ليس قانون فيدرالي ويشمل اقليم كردستان)، كما طلب التأني على (7) رقع لان حدودها لم تثبت بعد! (أي يحتمل ان تكون ضمن اقليم كردستان العراق). والاهم من ذلك انه أدخل حقولا محددة ضمن الرقع الاستكشافية!!.

(5)   لقد طلب في اصل التصريح/البيان ان تكون الملاحق 4A, 3A جميعها عقود مشاركة. ولقد اضاف الى بعض الحقول هامش يتعلق بنسب مشاركة لشركة النفط الوطنية في عقود المشاركة بالانتاج، مثلا:

·  حقل قبّة خرمالة حوّله من ملحق (1) الى ملحق 3A واقترح مشاركة الشركة الوطنية بـ 25%.!!

·  حقل مجنون نقله من ملحق (1) الى ملحق 3A، مع مشاركة 25% لشركة النفط الوطنية.!!

·  حقل تكريت نقله من ملحق (1) الى ملحق 3A، مع مشاركة 25% لشركة النفط الوطنية.!!

· حقل غرب القرنة حوّله من ملحق (1) الى ملحق 2A، على ان ينفذ بعقد مشاركة في الانتاج، مع حصة لشركة النفط الوطنية تقدر بـ 50% لان لها عمل في هذا الحقل!!. علما وحسب المعلومات التي لدينا ان انتاج العراق من هذا الحقل وصل الى (400) الف برميل يوميا.

من اعلاه نرى ان هناك سخاءا عاليا الى الشركات العالمية فاق كل تصورممكن، بضمنه تصور شركات النفط الكبرى نفسها!!، اذ المعروض اعلاه حقول عملاقة ولايمكن ان تكون في عقود مشاركة علما ان السيد ثامر غضبان نفى، في مقابلة تلفزيونية، نفيا قاطعا ان بالامكان اعطاء مجنون في عقد مشاركة بالانتاج.

(6)   لقد طلب نقل من ملحق (2) حقل ديمرداغ الى ملحق (4)، وهو ملحق الرقع الاستكشافية، لان حكومة اقليم كردستان تتفاوض عليه كرقعة استكشافية. كما طلب نقل حقل كورمور ايضا الى ملحق (4) لان حكومة الاقليم تتفاوض عليه ليكون مصدر وقود لمحطة كهربائية.

     كما طلب نقل من ملحق (3) الى ملحق (4)، حقل جمجمال لان حكومة الاقليم ملتزمة حوله لانتاج الكهرباء. وحقل بلخانة وكذلك حقل طق طق لان حكومة الاقليم ملتزمة للتعاقد حولهما على اساس رقعة استكشافية، وهي حقول!!.

(7)   بالنسبة للملحق (4)، فان في ملحقه 4A رقع القطع الاستكشافية المرقمة (50)، ومن (رقعة 52 الى رقعة 62)، أي المجموع (12) رقعة، والسبب المذكور انها تتداخل مع الرقع الموجودة في اقليم كردستان، وكأن القانون الاتحادي لايشمل كردستان العراق!!      

 

‌ج)   جواب على موقف حكومة اقليم كردستان من مسودة قانون النفط

 

انني افترض ان ماجاء بتصريح/بيان السيد وزير نفط اقليم كردستان حول مسودة قانون النفط والغاز وملاحقه المعدّلة، هو موقف حكومة الاقليم للاسباب التي اوردتها في الفقرة (ب) اعلاه. وهنا لا اريد ان ادخل في نظرية "المؤامرة"!!، وهو ان هذا التصريح هو مناورة لرفع ضغط المعارضين للقانون ولاسباب معاكسة تماما لما طرحه السيد وزير الاقليم وعلى اساس تطبيق المثل البغدادي "اراويك الموت تقبل بالصخونة!!". كذلك سوف لن ادخل في مفهوم ان هذه التصريحات الخطيرة هي جزء من مناورات سياسية للحصول على شيء آخر، مثلا مايتعلق بمسألة كركوك، اذ حسب ماجاء عن CNN في 18/4 بان وزير اقليم كردستان قلل من اهمية ملف كركوك على الخلاف الجديد بين حكومة اقليم كردستان والحكومة المركزية باعتبار ان حقل كركوك سيكون ضمن عمليات شركة النفط الوطنية باتفاق الجميع.

 

لهذا ساتكلم عن التصريحات كما هي:

 

                   اولا: هل فعلا لم تتطـّـلع حكومة اقليم كردستان على الملاحق؟!:

          لقد قال السيد وزير النفط العراقي الدكتور حسين الشهرستاني في الرياض في 3 ايار الجاري، ونقلا عن رويترز، "ان قانون النفط والغاز ارسل الى البرلمان البارحة – أي 2 ايار –، وان الحكومة الاقليمية لاتعارض مسودة القانون، على العكس انهم راضون تماما عنها". ان هذا التصريح محيّر، هل لم يطـّلع السيد الوزير على تصريح/بيان 27 نيسان لحكومة الاقليم، ام انه اصلا لايعتبر الملاحق جزءاً من القانون الذي قـّدم لمجلس الوزراء. ام صحيح مايقوله البعض ان الملاحق فعلا لم تكن مكتملة او مُناقشة عندما قـُدم القانون لمجلس الوزراء. ولكن بعض الوقائع تقول غير ذلك، منها، ان وثيقة التسوية المؤرخة في 26 شباط بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان، (والتي تطرقت الى محتوياتها في ملاحظاتي في 15/3)، تقول "1- يقدم قانون النفط والغاز مع ملاحقه الاربعة الى مجلس النواب بعد الاتفاق على الشروط والمبادئ لمعايير ونماذج العقود بالتزامن مع مشروع قانون ادارة الموارد المالية. وستعمل جميع الاطراف على انجاز هذا قبل الخامس عشر من آذار/مارس 2007". هل يعقل ان تصدر مثل هذه الاتفاقية المهمة وبضغط من السفير الاميركي، يُذكر فيها الملاحق الاربعة وهي غير موجودة؟!. اضافة لذلك ان مسودة القانون في 15 شباط تتكلم في عدد غير قليل من موادها عن الملاحق الاربعة، وان المسودة عُرضت على مجلس الوزراء بعد يوم من اتفاقية 26 شباط المشار اليها اعلاه، وصدر بيان بان مجلس الوزراء صادق بالاجماع على مسودة القانون، واحالها الى مجلس النواب (بعد عرضها على مجلس شورى الدولة). هل يعقل ان اهم قرار وحدث سياسي واقتصادي ليس في العراق فقط بل على نطاق العالم، ان يمر من خلال مجلس الوزراء ويصادق عليه المجلس ولايتضمن الملاحق؟!. طبعا الامر غير منطقي بالمرة، ولكن اذا كان قد حدث ذلك فعلا، فنحن نرى مدى اهتمام مجلس الوزراء باهم قضية تخص العراق لاجيال واجيال قادمة!!. اضافة لذلك هل يمكن ان السيد برهم صالح نائب رئيس الوزراء، وممثل عن كتلة اقليم كردستان، وهو الرئيس الفعلي لـ "اللجنة الفيدرالية للطاقة والنفط"، والمسؤولة عن القانون لم يطلع على الملاحق؟!. في كل الاحوال يقول وزير الموارد الطبيعية (النفط) لاقليم كردستان وبعد سبعة اسابيع من مصادقة مجلس الوزراء على مسودة القانون "ان لا هو ولاحكومة الاقليم قد اطلعا على الملاحق الاربعة"!!.

 

                   ثانيا: الوضع الدستوري لقانون النفط والغاز:

كنت في ملاحظاتي في 31/1/2007، قد اثرت هذا الموضوع بتوسع كبير وذلك في الفقرة (3) من الملاحظات، تحت عنوان "ماذا يقول الدستور بهذا الخصوص؟"، وتوصلت الى ان هناك عائقا كبيرا لاصدار مثل هاتين المسودتين المقترحتين للقانون الفيدرالي للنفط وللقانون الاقليمي للنفط على ضوء ماجاء بمواد الدستور العراقي.

لقد تطرقت في تلك الملاحظات الى ماجاء في "قانون ادارة الدولة" حول الثروة النفطية ودور الاقاليم، وثم الى المواد (110)، (111)، (112)، (114)، (115)، (140) و(142) من الدستور الدائمي. توصلت الى ان الدستور يقول (رغم عدم الوضوح) بان الكلمة النهائية لموضوع النفط هو للمحافظات والاقاليم وهذا امر غير منطقي. وقلت في حينه: "ان هذا الامر يثير الاستغراب ان لم نقل الشك والريبة، اذ كيف يمكن ان تدار الدولة والكلمة النهائية لثروتها التي تخص الاجيال الحالية والمستقبلية هي بيد الاقاليم والمحافظات، اضافة لذلك فان الكلمة النهائية لسياسات التنمية والتخطيط العامة هي ايضا بيد الاقاليم والمحافظات اذ ليست من الامور الحصرية بيد الحكومة المركزية". لهذا ارتأيت – في حينه – النظر بالموضوع بعد الانتهاء من المادة (142) التي تفرض النظر في تبديل بعض فقرات الدستور. لقد ايّدت هذا الموقف جهات سياسية واقتصادية وقانونية عديدة، وبنفس الوقت اعترضت الاكثرية، اذ ظهر بوضوح ان هناك اجندة، تدخل فيها اطراف دولية، تريد ان تمرر القانون الآن، وان الانتظار لحين تعديل الدستور يعني تأخيرا طويلا، وادعى هؤلاء عن "جهل" او عن "معرفة"، ان "امور البلد الاقتصادية" و" رفاهية الشعب" و"تشغيل الايدي العاملة"، كلها متعطلة وتعتمد في حلها على اصدار القانون، لذا يجب ان يصدر الان!!. انهم بذلك "ينسون" او "يتناسون" ان لامانع يوجد بالمرة، لاقانوني ولا اقتصادي ولا مالي ولا امني، لان تقوم وزارة النفط والحكومة بما يتطلبه العمل من السير بمشاريع ارجاع الانتاج النفطي الى ماكان عليه والتوسع اكثر فيه، وهذا مابيناه مراراً في دراساتنا في 31/1 و 15/3، وان القانون مطلوب فقط لاغراض السماح للاجنبي والقطاع الخاص بدخول قطاع انتاج النفط!!.

لهذا وبسبب تصريحات الدكتور آشتي المتضمنة دائما فقرات من الدستور، وخصوصا في الاشارة الى ان السيد رئيس وزراء اقليم كردستان قد صرح مرارا بان بقاء كردستان ضمن العراق الفيدرالي امر متعلق باحترام الدستور. وهذا كلام ممتاز ونتمنى بعد اكمال نقاشنا ادناه ان يحترم الجميع ذلك.

                  

ثالثا: النصوص الدستورية:

نرى ان من المفضل ان نعيد كتابة النصوص الدستورية المهمة، وخصوصا المادة (112) التي تشير اليها دائما التصريحات اعلاه:

1)    المادة (111): "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات".

2)  المادة (112): "اولا: تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة محددة للاقاليم المتضررة، والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون.

ثانيا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة على احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار".

3)  فيما يتعلق باختصاص السلطات الاتحادية "الحصرية"، المادة (110)، فاننا سنذكر الفقرة اولا فقط لانها المادة الوحيدة التي لها علاقة بموضوعنا، حسب رأينا، علما لايوجد شيء عن النفط ضمن الاختصاصات "الحصرية" للحكومة الاتحادية والموجودة في المادة (110).

المادة (110) اولا: رسم السياسات الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وسياسات الاقتراض والتوقيع عليها وابرامها ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية.

مع ملاحظة ان المادة (114) تتكلم عن الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطة المحافظات والاقاليم، وتتضمن النفط.

4)  المادة (115): "كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، والصلاحيات الاخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والاقاليم، تكون الاولوية فيها لقانون الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، في حالة الخلاف بينهما".

5)    "المادة 13:

اولا- يعد هذا الدستور القانون الاسمى والاعلى في العراق، ويكون ملزما في انحائه كافة وبدون استثناء.

ثانيا: لايجوز سنّ قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويعد باطلا كل نص يرد في دساتير الاقاليم، او اي نص قانوني آخر يتعارض معه".

 

                   رابعا: مناقشة المواد الدستورية:

تم اعداد الدستور بشكل اصبح فيه دستورا توافقيا، ولهذا نجد فيه بعض المواد التي قد تعارض الاخرى او لا تنسجم معها، وقد يكون هذا الدستور "حمّالة اوجه"، لهذا واذا كنا لانريد الانتظار لتعديله وصدور بنود واضحة غير متناقضة، علينا ان نحل اشكالات التناقض – ان وجدت – للبنود المختلفة، ونصل الى حل مشترك لجميع المواد الدستورية المتعلقة بموضوع النفط، بحيث ان تفسير المادة يتم من خلال المواد الاخرى وليس لوحدها وتنسجم مع بقية البنود في تفسير لايظهر تناقض. وماقلته اعلاه هو ليس "بدعة" وانما امور قانونية تتم كل يوم في العقود والقوانين "والدساتير" التي يتم انجازها بسرعة وتحت ضغوط مختلفة!!.

(1)   لنبدأ بالمادة (111) من الدستور، وهي مادة قصيرة وتقول: "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات".

هذه مادة واضحة، وتؤكد ان النفط والغاز هو لكل العراقيين "من زاخو لحد الكويت"، ولاتوجد حصة منه للاجنبي، ولايمكن دستوريا ان يتشارك فيه غير العراقي، ومعنى المشاركة هنا مطلقة، اذ لايمكن لغير العراقي ان يشارك بنفطة واحدة من النفط العراقي ولابنسمة واحدة من الغاز. هذا هو المعنى الثابت الاول لهذه المادة. اما المعنى الثابت الثاني وهو ان اي عراقي في اقصى اقليم كردستان له حصة في النفط الموجود في اقصى منطقة في جنوب العراق والعكس صحيح. كما وان اي شخص في القائم في غرب العراق له حصة "دستورية" في النفط الموجود في الشمال والجنوب. لهذا من حق اي عراقي ان يناقش ويؤيد او يعارض اية قوانين او تعليمات متعلقة بالنفط في اي مكان في العراق لان له حصة في كل بئر محفورة فيه وفي كل قطرة تـُصدّر منه، كذلك له رأي في كل السياسات النفطية بغض النظر ان كان في محافظة واسط ويناقش مسودة قانون النفط في اقليم كردستان، او كان في السليمانية ويناقش خطة انتاج نفط البصرة،اذ كل خطوة متعلقة بالعمليات النفطية تؤثر على حق العراقي الثابت في نفطه في "كل الاقاليم والمحافظات".

ماذا يستنتج عن هذه المادة من الدستور؟

(2)   لقد اوضحنا في الفقرة الاولى من هذه الدراسة، والمتعلقة بعقود المشاركة بالانتاج، ان هذه العقود، وباعتراف جميع الاقتصاديين والقانونين والخبراء، تعطي المقاول حصة من الانتاج النفطي لقاء "المجازفة"، اضافة لاتعابه وجميع الكلف التي تحملها سواء استثمارية او تشغيلية، وهذه الحصة تعتبر ارباحا فوق استحقاقاته وارباحه الاعتيادية كمقاول. اي ان للاجنبي او للقطاع الخاص حصة مهما كانت صغيرة، من النفط العراقي الذي يعود الى كل فرد عراقي. وهذا امر يناقض المادة (111) من الدستور بالكامل، اي يعارض الدستور جذريا. هذا الامرينطبق على كل عقد مشاركة بالانتاج طالما ان هناك حلاً آخراً وكما سنوضح ذلك. بالتأكيد ان هذا الامر ينطبق على كل عقد مشاركة لحقل او تركيب نفطي، او لمواقع فيها عنصر المجازفة يكاد يكون صفر. ان هذا الامر يكاد يشمل كل العراق تقريبا، وبالتأكيد يشمل كل المواقع والحقول التي قامت حكومة اقليم كردستان بتوقيعها او ستقوم بذلك حسب التصريحات اعلاه، والاهم من ذلك يشمل جميع الحقول التي اقترح تصريح/بيان حكومة اقليم كردستان المشار اليه اعلاه احالتها بعقود مشاركة بالانتاج. ان للحقول المبينة في الملاحق (1، 2، 3) الاصلية لايمكن ادخالها في عقود المشاركة بالانتاج بالمرة لعدم وجود عنصر المجازفة وان امر ادخالها غير دستوري ولايمكن تنفيذه وفق الدستور العراقي النافذ.واذا توجد هناك شكوك بهذا الامر فمن الممكن الاستنارة بآراء كل الخبراء القانونيين المحليين او العالميين المحايدين لتفسير ذلك قبل تمرير اي قانون يعطي للاجنبي جزء من "حصتي" او "حصتك" ايها القارئ، او حصة المواطن العراقي الفقير الكردي او العربي او التركماني او من اي اقلية. لقد كنت قد وضعت في دراستي الاولى خطة للانتاج بدون الاعتماد على الاستثمار الاجنبي او القطاع الخاص، وبالتالي بدون اعطائهم حصص غير دستورية من النفط، ولم يعترض احد عليها، بل ايّدني فيها جميع الخبراء الاقتصاديين المعروفين، وآخرهم ماجاء بورقة السيد طارق شفيق الى اجتماع دبي، حيث اوضح ان التطوير والتوسع ممكن وبدون الاعتماد على الرأسمال الاجنبي والخاص.

(3)   لقد قلنا في (1) اعلاه ان اي شخص عراقي يستطيع ان يتدخل في اي امر نفطي في العراق وذلك للمحافظة على حقوقه الدستورية، لكن هذا الامر سيؤدي الى فوضى كبيرة وامر لايمكن السيطرة عليه، لهذا يجب وضع القوانين اللازمة لتنسيق هذا الامر وتعيين الجهة اللازمة للتنسيق. من يعين الجهة اللازمة لتنسيق، فانا لا اوافق ان يقوم مجلس محافظة البصرة او كربلاء او مجلس نواب اقليم كردستان بذلك، ونفس الشيء بالنسبة للعراقي من كردستان. ولكي تكون الفقرات الدستورية منسجمة مع بعضها، لاارى اية جهة تستطيع القيام بذلك غير مجلس النواب الاتحادي ومجلس الوزراء الاتحادي، اذ الجميع ممثلين فيهما. اما الجهات الاخرى فهي اما اقليمية او محلية (للمحافظات)، ولايمكن تمثيلها لكل العراقيين.

(4)   يستطيع اي شخص ان يجاوبني بان شؤون النفط هي امور غير حصرية بالحكومة الاتحادية حسب المادة (110)، ويجب عند ذاك ان نطبق المادة (115)، والتي تقول ان المواد الدستورية غير الحصرية بالحكومة الاتحادية تكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات. عند ذاك جوابي يكون، كيف اذا نطبق المادة (111)، " ان النفط ملك كل الشعب العراقي..."، ويقف الدستور هنا عاجزا الا اذا وجدنا تفسير للمواد (114) و (112) ينسجم مع المادة (115).

(5)   المادة (112) اولا: تتكلم عن ان العمل النفطي مشترك بين الحكومة الاتحادية من جهة والاقاليم والمحافظات من الجهة الاخرى.

اما المادة 112 ثانيا، فان الامور التالية هي للعمل المشترك "معا":-

(‌أ)          رسم السياسات الستراتيجية اللازمة لتطوير الثروة النفطية والغاز.

(‌ب)     يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي

(‌ج)       الاعتماد على احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار.

لتفسير هذه المادة وبدون مناقضة المادة (111)، يجب ان يكون التفسير كما يلي:  لنبدأ بالفقرة الاخيرة (ج)، حيث فسرت تصريحات حكومة اقليم كردستان المشار اليها اعلاه ان "احدث تقنيات السوق وتشجيع الاستثمار"، هو فتح الباب امام القطاع الخاص والاستثمارالاجنبي من خلال عقود المشاركة  بالانتاج، ولكن هذا التفسير يناقض المادة (111) كما اوضحنا اعلاه، والتفسير الوحيد المقبول هو اننا نتكلم عن "تطوير الثروة النفطية والغاز" كما في (أ) والثروة النفطية تشمل كل العمليات النفطية، وليس الانتاج فقط، ولذا فان مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار وبضمنها الاجنبي يكون في كل عملية لاحقة لعملية الانتاج، اذ ان عملية الانتاج تتضمن الارباح الرئيسية الكبيرة التي تخص كل مواطن عراقي. ان القطاع الخاص والاجنبي لا يستطيع الدخول في ملكية جزء من النفط المنتج ولكن يستطيع ان يشتري النفط الخام المنتج والاستثمار في العمليات اللاحقة وهي المصافي والبتروكيمياويات والاسمدة والتوزيع، وكلما اراد ان يدخل قطاع الانتاج فانه يناقض المادة (111).

لقد فسرت تصريحات حكومة اقليم كردستان ما جاء في (ب) اعلاه، اي ان تحقيق اعلى منفعة للشعب العراقي، يعني تحقيق اكبر كمية من الانتاج، وهذا مفهوم خاطئ جدا جدا، كما اوضحنا في الفقرة (2) من هذه الدراسة.

الان كيف نفسر (أ) رسم السياسات الستراتيجية اللازمة لتطوير الثروة النفطية والغاز، بحيث لاتناقض المادة (111)، التفسير الوحيد هو طالما العمل مشترك بين الحكومة المركزية والاقاليم والمحافظات، فالكلمة النهائية في السياسات الستراتيجية التي لا تناقض المادة (111) هي للاقاليم والمحافظات، وهي الامور المتعلقة بالعمليات اللاحقة للانتاج، اما التي تناقض المادة (111) فالكلمة النهائية فيها لمجلس النواب الاتحادي. وهذا عمل موجود في جميع الفيدراليات في العالم قاطبة، اذ ان مجلس النواب الاتحادي له الكلمة النهائية. في تفسيرنا هذا سنجد انسجاما لجميع الفقرات ولو ان الامر قد يزعج او يزعل البعض!.   

(6)   نرجع الى المادة (110-اولا) حول الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية المشار اليها اعلاه، فهي تتضمن "رسم السياسات الخارجية والتمثيل الدبلوماسي"، "التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية"، و "سياسة الاقتراض والتوقيع عليها وابرامها"، و "رسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية".

في هذه المادة وليس في غيرها من الدستور تقع مسألة الانضمام الى المنظمة العالمية "اوبك" والالتزام بقراراتها، وهي مسألة "حصرية" بالحكومة المركزية، لهذا وضعت مسودة قانون النفط، وزارة النفط المركزية الفيدرالية من يمثل العراق في المحافل الدولية المعنية، وكجزء من صلاحياتها وذلك وفق المادة (5-ث خامسا) من مسودة القانون. هنا تقع مسألة سياسة الانتاج وسياسة التصدير وحصة العراق منه ضمن حصص بقية دول اوبك، وهي مسألة اتحادية "حصريا". ولقد اوضحنا في فصول سابقة في هذه الدراسة ان التعاقد لتطوير حقول وتخصيص قطع ضمن عقود المشاركة بالانتاج وباعداد كبيرة وبدون تخطيط سيؤدي الى فوضى شاملة في الانتاج والتصدير وقد تؤدي الى انهيار الاسعار، وخصوصا بالطريقة التي تعرضها تصريحات حكومة اقليم كردستان اعلاه. ولكن الان توضح ان من الناحية العملية فان كمية الانتاج والتصدير ستتم بالاتفاق مع اوبك، ولا يمكن تجاوزها، وهي مسألة حصريا بيد الحكومة الفيدرالية، لذا فان تجاوز ذلك بتوقيع عقود بمعزل عن الحكومة المركزية حتى لو كانت غير عقود مشاركة بالانتاج (والتي هي بالاصل غير دستورية)، ستكون جميعها غير دستورية.

هنا ولكي لايحدث اي تناقض بين مواد الدستور التي ذكرناها، فان من الناحية العملية تكون سياسة الانتاج والتصدير وخطة الانتاج المقبلة وتوزيع حصص الانتاج على الاقاليم و المحافظات المنتجة من صلب مسؤولية الحكومة الفيدرالية "حصرا".

اضافة لذلك فان العقود التي توقع مع الشركات الاجنبية تحتاج على العموم الى قروض وتسهيلات ائتمانية والتي في جميع الاحوال تكون بضمانة المصرف المركزي العراقي، بشكل او بآخر، وبالتالي، وحسب هذه الفقرة، هي ايضا من صلاحيات الحكومة الفيدرالية "حصريا"، وهذا الامر يتضمن التعاملات التجارية (ومن ضمنها النفطية وعقودها) مع دول العالم، وهذا الامر ايضا حصريا بيد الحكومة الفيدرالية.  

(7) ان استخدام المادة (13) من الدستور في تصريح السيد وزير نفط اقليم كردستان والمشار اليه اعلاه امر غير موفق، اذ عند الرجوع الى المادة كما مكتوبة في ثالثا اعلاه، نرى انها تعمل ضد مااراد السيد الوزير اثباته من خلالها. حيث "يعد باطلا اي قانون يصدر من الاقاليم يناقض الدستور العراقي". وبالتالي فان اي قانون اقيمي او اتحادي يصدر يسمح لعقود المشاركة بالانتاج، او يؤدي الى توقيع عقود نفطية بدن موافقة الحكومة الفيدرالية المختصة بسياسة الانتاج والتصدير النفطي حصريا، يعد باطلا.

 

خامسا: امور مهمة اخرى في "التصريح/البيان"

 

1)    عقود المشاركة بالانتاج التي تم توقيعها:

حسب المعلومات المنشورة فان حكومة كردستان العراق/اربيل، وقبل توحيد الادارتين في كردستان، قامت بتوقيع اربع عقود مشاركة بالانتاج مع الاتراك والنرويجين والكنديين وذلك بين سنوات (2003) و (2005)، كما تم مؤخرا توقيع عقدا آخرا لتطوير الغاز وعلى نفس الاسس السابقة. هذا وحسب ماذكرنا سابقا، ونقلا عن تصريحات السيد وزير نفط اقليم كردستان، فان هناك مفاوضات لعقود اخرى، اكد انهم سيستمرون بتوقيعها. علما ان اتفاقية 26/2 بين الحكومة المركزية وحكومة الاقليم تقول: ان في حالة عدم الموافقة على مسودة القانون من قبل مجلس النواب وتنفيذه قبل 31/5، "يكون للطرفين الحق بابرام عقود التطوير والانتاج – اي عقود المشاركة بالانتاج – وفقا لما جاء بالدستور ومشروع قانون النفط والغاز والمبادئ العامة لمعايير نماذج العقود"، او الموافقة على تمديد المدة لما بعد 31 ايار. ارجو من القارئ ان لايسألني كيف تبرم هكذا عقود والقانون غير موجود، وجميع التشريعات الحالية لاتسمح بمشاركة الرأسمال الاجنبي او القطاع الخاص في انتاج النفط. بالواقع لايوجد لدي الجواب اذ العملية برمتها غير دستورية وغير قانونية، وجميع العقود الموقعة وفق هذه الاسس هي غير قانونية وغير دستورية، وكما اوضحنا سابقا. ان الجواب لمن يقول غير ذلك، هو اذا لماذا كل هذه الضجة لتمرير قانون النفط والغاز، واستخدام الضغط الاجنبي الاميركي لاتمامه في هذه الدورة من اجتماع مجلس النواب، اذ ان البيت الابيض اعترض في 5 ايار الجاري، على عطلة مجلس النواب العراقي الصيفية، فهناك احتمال بعدم تمرير القانون قبل بدء العطلة. لو كان بالامكان العمل بمثل هذه العقود بدون قانون لرأينا قيام جميع الشركات الكبرى بتوقيع العقود مستغلين الظروف الحالية. اذا كان بعض السادة في الحكومة المركزية وحكومة الاقليم لايدركون ذلك، فان الحكومات العالمية، وبمقدمتهم الحكومة الاميركية، وكذلك الشركات الكبيرة يدركون ذلك جيدا. لهذا فان توقيع حكومة الاقليم لهذه العقود غير قانوني ولايعتبر قانوني حتى لو وافقت عليها الحكومة الفيدرالية، اذ اولا ان الدستور لايسمح بعقود المشاركة بالانتاج، وثانيا ان القوانين النافذة لاتسمح بالاستثمار الاجنبي او الخاص في هذا القطاع.

  

2)    اصرار مستميت لغرض الاستثمار الاجنبي والقطاع الخاص

من يقرأ تصريح/ بيان السيد وزير نفط الاقليم، يرى شيئا غريبا جدا فتقريبا في كل فقرة من تصريحه يؤكد على عقود المشاركة بالانتاج وضرورة الاستثمار الاجنبي والقطاع الخاص في قطاع الانتاج النفطي، وان القارئ يصل الى الاستنتاج ان لو كان الامر بيد السيد الوزير لوقع العشرات من عقود المشاركة بالانتاج، ولحقول ضخمة جدا، مع الشركات الاجنبية، مدعيا ان ذلك يخدم العراقيين جميعا وان هذا الامر هو احد متطلبات الدستور. ولقد اجبنا على هذا الامر سابقا، ولكن رغم هذه الاجابة فان السؤال يطرح نفسه، لماذا هذا الدفاع المستميت عن "حقوق" المستثمرين الاجانب والقطاع الخاص "المهضومة"، وعدم ذكر ولاكلمة واحدة عن "حقوق" المواطن العادي العراقي، الكردي او العربي. كما لم يذكر ماالمطلوب في حالة اختلاف المصالح بين هذا المواطن العراقي والشركات. هل المشكلة الاساسية اليوم هي الاستثمار الاجنبي في قطاع الانتاج. لماذا لايعمل على جلب الاستثمارات الاجنبية واستثمارات القطاع الخاص في العمليات النفطية التحويلية، وان كردستان العراق اشد ماتحتاج لهذه الصناعات ذات القيمة المضافة العالية تقنيا واقتصاديا، والمجال الاكمل لتشغيل الايدي العاملة الكردية. ان صناعة تصفية النفط والاسمدة الكيمياوية والصناعات البتروكيمياوية هي ماتفيد لخلق قاعدة صناعية كبيرة والقضاء على البطالة. طبعا الفرق الوحيد ان الربح في هذه الصناعات هو جيد ولكن ضمن IRR 15-20% بينما الربح في انتاج النفط "نهيبة" ويتجاوز الـ IRR الـ 50% في كل الظروف، ويصل في بعض الحالات الى مايقارب 200% كما ذكرنا في القسم الاول من هذه الدراسة.

يؤكد السيد الوزير على احالة عقود الحقول والرقع الاستكشافية باسرع فرصة ممكنة. وان ذلك هو، في مصلحة الشعب العراقي، لان الواردات النقدية سترتفع. وهنا لايتكلم عن خطط وتنسيق الاحالات وبالتالي تنسيق الانتاج ، وانما يؤكد على زيادة التوقيع على عقود المشاركة بالانتاج. لقد ناقشنا هذا الامر في الفقرة (2) من هذه الدراسة. اذ لو نسير على مايريده السيد الوزير (حتى لو كان الامر ينسجم مع الدستور، وهو امر لاينسجم)، فاننا سنهدم البيت على رؤوسنا وسننفذ السيناريو الثالث لوزارة الطاقة الاميركية حول اسعار النفط الى سنة 2030، وهو اغراق السوق النفطي العالمي من قبل جهة قادرة على اغراقه وارجاع الاسعار في سنة 2025 الى (35) دولار للبرميل/ او اقل، ومن الذي يستطيع ان يغرق السوق العالمي بالنفط غير العراق. لااعرف لماذا هذا الاصرار، وهو بالتأكيد يعرف كيف يعمل السوق النفطي، وان زيادة الانتاج والتصدير عما مخصص من اوبك الى العراق سوف لن يزيد العائدات وانما سيقللها ويؤدي الى ضرر بالغ بمصالح جميع الشعب العراقي.  

 

3)   دور شركة النفط الوطنية

من الواضح ان السيد الوزير يرى نفس ماحاولنا توضيحه في دراستنا في 15/3، من ان بامكان شركة النفط الوطنية الدخول في عقود المشاركة بالانتاج وحسب نصوص القانون، ولهذا فهو يستغرب من تصريح احد المسؤولين العراقيين في اجتماع دبي من ان شركة النفط الوطنية سوف لن تتعاقد مع القطاع الاجنبي والخاص (يقصد في عقود مشاركة بالانتاج). كذلك اقترح السيد الوزير ان في حالة عدم قيام الشركة الوطنية بتطوير الحقول وباقرب فرصة، تسحب منها هذه الحقول ويعلن عنها مزايدة للتعاقد حولها بموجب عقد المشاركة بالانتاج. والنقطة الاهم فان السيد الوزير يستغرب ان يُحال 93% من الاحتياطي الثابت الى شركة النفط الوطنية، لانها ستكون سلطة قوية (وسنتكلم عن السلطة القوية لاحقا)، ولهذا اقترح تعديل الملاحق بحيث يكون معها 58% من الاحتياطي فقط، وهي الحقول العاملة فعليا.

بالنسبة الينا فان ليس من المهم ان تكون الحقول بيد شركة النفط الوطنية، او شركات اقليمية عراقية حكومية، او بيد وزارة نفط الاقليم، ولكن المهم ان يحدد القانون نوع العقود التي يجب استخدامها، وبالتاكيد لايمكن اعتماد عقود المشاركة بالانتاج للحقول المبينة في الملاحق (1، 2، 3) لان هذا الامر غير دستوري، وكذلك لان هذه العقود ظالمة للعراق. اضافة لذلك يجب ان تكون هناك خطة مركزية لتطوير الحقول او الرقع الاستكشافي. بحيث لايحدث فائض بالانتاج لانعرف ماذا نعمل به. كذلك فاننا نرى ان وجود شركة واحدة ذات امكانيات فنية وادارية عالية، وتعود لجميع العراق. هو امر افضل من تقسيم الكادر على عدة شركات. ولكن ان وُجد الآن او في المستقبل ان من الافضل وجود اكثر من شركة فهذا امر تنظيمي وتقدره الجهات المختصة. من الواضح ان السيد الوزير ينظر الى شركة النفط الوطنية كأنها لاتعود الى اقليم كردستان، فهي تعود الى مركز الفيدرالية فقط!!. هذا مفهوم خاطئ جدا، فان الشركة تعود لكل العراق، كذلك قانون النفط والغاز الفيدرالي، لذا فان الملاحق الموجودة فيه لاتخص الوسط والجنوب فقط وانما تخص جميع العراق، ولهذا نحن نستغرب طلب رفع قسم من الحقول والرقع الاستكشافية من الملاحق لانها تعود الى اقليم كردستان!!.  

 

4)   السلطة المركزية القوية

يكرر السيد الوزير في اكثر من مكان حول "السلطة القوية" لشركة النفط الوطنية، او لوزارة النفط. والعجيب قوله هو ان تركيز "السلطة القوية" لشركة النفط الوطنية، يعني الرجوع الى "الطرق القديمة" في وزارة النفط، حيث السلطة المركزية القوية ادت الى نتائج في الفساد والاعتداء على العراقيين والدول المجاورة وكما جاء في الفقرة (ب-ثانيا اعلاه).

نحن نسأل ماعلاقة وزارة النفط وكادرها بقيام النظام الفردي المستبد السابق في اضطهاد شعبه والاعتداء عل الدول المجاورة . ان قمة انجازات وزارة النفط كانت في اواخر الخمسينيات وكل الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ولقد تراجعت هذه الانجازات عندما ادخلنا النظام السابق في متاهات الحروب والاقتتال والاضطهاد العنيف في الثمانينيات والتسعينيات، طبعا عدا فترة "اعادة الاعمار" في اوائل التسعينيات، حيث كان لكادر وزارة النفط دورا بارزا في ذلك. اما مايتعلق بالفساد، فان وزارة النفط في عهد ازدهارها في الفترة المبينة اعلاه، والذي يسميها السيد الوزير "تركيز السلطة"، كانت خالية من الفساد وكانت كتلة صلدة من العمل والنشاط ويديرها اكفأ المهندسين والاداريين والاقتصاديين العراقيين الذين اكملوا دراساتهم في ارقى المعاهد الاميركية والبريطانية، اضافة للجامعات العراقية. ان كفاءة وامانة هذا الكادر كانت مثار اعجاب ودهشة الصناعة النفطية العالمية، ومن يريد ان يعرف اكثر ليطلع على تقارير وزارتي الخارجية والطاقة الاميركية التي صدرت قبيل الحرب الاخيرة. ان هذا الكادر هو الذي استلم وشغـّل وادار مصفى الدورة بعد ثورة تموز /958، وعندما ترك اكثر من (500) اميركي المصفى معتقدين انه سينهار بعدهم، وكان هذا المصفى المدرسة الحقيقية الاولى للكادر النفطي. انهم من شيـّد وادار وشغـّل وادام مصفى بيجي ومصفى البصرة والمصافي العديدة الصغيرة، واداروا العمليات الانتاجية فيها بكفاءة عالية. والاهم انهم اداروا عمليات انتاج النفط منذ الستينيات وبالاخص بعد التأميم، ولم يكن هناك اي اجنبي. انهم من اكتشف الحقول العملاقة في السبعينيات وزادوا الاحتياطي النفطي الثابت الى مامعروف عنه الان، وحفروا جميع الآبار بايدي عراقية،وكان لهم الدور البارز في المنظمات الدولية مثل الاوابك والاوبك والشركات العربية النفطية المشتركة، وغيرها وغيرها وغيرها. والسؤال يطرح نفسه، متى كانت فترة الاخفاق، ان هذه الفترة كانت عندما كانت وزارة النفط في اضعف حالاتها، وليست فترة "تركيز السلطة"!!. حيث سُلب من كادرها جميع الصلاحيات، وبدأ بادارة الوزارة من خارج كادرها، فترة حسين كامل!!، وثم بدأ الفساد وازداد في التسعينيات الى فترة الاحتلال، واستمر بعد فترة الاحتلال وازداد اضعافا اضعافا، وتعلم العراقيون من المحتل والشركات الاميركية النفطية العاملة في العراق مثل هاليبرتن و KBR وبكتل وغيرهم "احدث" اساليب الفساد في السرقة والرشوة والنهب والخديعة وشراء الذمم. ان محاولة ادخال عقود المشاركة بالانتاج في العراق ومنذ التسعينيات كان قد بدأ بتبديلات في ادارات وزارة النفط، وكان سيؤدي بالتأكيد الى زيادة الفساد ونشره.

ان جميع انجازات وزارة النفط وكادرها كانت في وقت عملها "بالطرق القديمة". اما لماذا لم تطور الحقول وقد مضى على اكتشافها اكثر من (30) سنة، فالسبب بالتأكيد لايعود لوزارة النفط "والطرق القديمة" لعملها، اذ كانوا قادرين وبامتياز لتطوير هذه الحقول، ولكن ماالعمل والدكتاتور كان قد انغمس في حرب ايران وبدفع وتأييد كامل من الولايات المتحدة ولمدة ثمان سنوات، بعدها بدأت حرب الكويت ودمر الاميركان كل مابناه العراقيون، بحجة ضرب الدكتاتور، ولكنهم ابقوا عليه وساعدته الولايات المتحدة في تصفية انتفاضات الجنوب وكردستان، ثم قامت اميركا بحصار شعب العراق لمدة (13) سنة اخرى. جاء بعد ذلك الاحتلال سنة 2003، واستمر الاميركان بتدمير العراق لمدة (4) سنوات اخرى والحبل على الجرار. هل نلوم الكادر النفطي على ذلك، وهل يستحق هذا الكادر المثابر الشهم الكفوء ان يُقلّل من قيمته؟!.

اما "النظام النفطي الحديث" وحسب تصريح السيد وزير نفط اقليم كردستان، فهو انشاء قطاع نفطي غير مركزي كما في الدول الفيدرالية النفطية – على حد قوله –، والجميع منفتح بالكامل على القطاع الخاص، (الذي يشمل الاجنبي). مع الاسف نقول ان هذا القول ليس بالدقيق، فاولا لايوجد في دساتير هذه الدول مثل المادة (111). وثانيا ان القطاع الرائد في هذه الدول هو القطاع الحكومي، طبعا عدا الولايات المتحدة اذ ان ملكية النفط والانتاج النفطي فيها يتم  بشكل آخر. حين خصخصت فيدرالية روسيا النفط، لم يتم ذلك الاّ في افسد عهد شهدته روسيا في القرن العشرين، وهو عهد الانفتاح "عهد يلتسين"، حيث اصبح جزء كبير من الصناعة النفطية بيد مافيات القطاع الخاص بالتعاون مع الرأسمال الاجنبي!!. وظهر في روسيا عشرات المليارديرية الروس مع عشرات الملايين من الروس الجياع. واضطر بوتين الى العمل على اعادة الهيكلية النفطية بجعل السيطرة الكامل للدولة على القطاع النفطي وانهاء الفساد وسجن او هروب العديد من "القطاع الخاص" الروسي الذي نهب نفط روسيا الفيدرالية. هل نريد اعادة هذا الامر في العراق؟!.

ماذا عن نيجيريا الفيدرالية فهي في قمة الفساد المالي في افريقيا التي هي اصلا مرتعا خصبا للفساد المالي. لماذا لاننظر للدول المجاورة المهمة، في السعودية والكويت وايران، حيث العمل "بالطريقة القديمة"، فالانتاج احتكار للدولة ولايوجد فيها عقود المشاركة بالانتاج. هل السياسة النفطية عندهم فاشلة؟!. 

 

5)   الكورد اكثر المتضررين من السياسة المقترحة من حكومة الاقليم:

ان مقترحات السيد وزير نفط الاقليم المبينة في التصريح، والتطبيق العملي لها في اقليم كردستان ستضر بالشعب الكردي قبل بقية انحاء العراق. اذ كما هو معروف فان العوائد تقسم حسب اسس موضوعة في الدستور، (علما سبق ان بينت باني لااعرف كيف سيتم التنفيذ بدون وجود خطة ملزمة لتطوير العراق ككل). ليس من المهم من اين ينتج النفط، اذ العوائد لكل محافظة واقليم ليس لها علاقة بمكان انتاج النفط. لذا ليس من المهم للفرد الكردي ان كان انتاج النفط من كردستان او الجنوب، وفي كل الاحوال هناك حقل كركوك الكبير في كردستان، والذي هو مدرسة لكل من يريد التعلم في عمليات الانتاج، كما ان من الواجب تطويره ليعود الى سابق ازدهاره مع تطوير الحقول القريبة منه والتي هي ضمن حصة شركة النفط الوطنية في كلا الملحقين السابق والمقترح من حكومة كردستان وهذه الحقول هي افضل مدرسة للتدريب على الانتاج ومشاكله. الان السؤال يطرح نفسه، لماذا هذا الاصرار على تطوير بقية الحقول في كردستان، وكذلك في بقية انحاء العراق، الان وعن طريق عقود المشاركة؟!. نحن نقولها بصراحة ان مايريده التصريح/البيان لايخدم العراق الفيدرالي –بنظرنا–، وان الفيدرالية (وحتى الكونفدرالية) لاتعني هذه الطروحات التي تخص ثروة العراقيين جميعا، وهي لن تخدم الشعب الكردي بالدرجة الاولى وحقه في الثروة النفطية في كل العراق وبضمنها المناطق غير الكردية والتي فيها الغالبية العظمى من نفط العراق. اضافة لذلك فانها ايضا لاتخدم الطروحات القومية الكردية التي تريد وطنا للكورد- وهذا من حقها الطبيعي، وصوتت عليه غالبية الشعب الكردي قبل سنوات-، فمن حق الشعب الكردي وطموحه المستقبلي هو حق تقرير المصير، وسيأتي يوم قد يتحقق حلم الدولة الكردية، اليس من الاصلح للفرد الكردي ابقاء النفط في حقوله الصغيرة غير المستغلة لحد الان بدلا من الركض وراء تطويرها والانتاج منها ثم نضوبها، وقد يأتي الوقت للمواطن الكردي من الاجيال القادمة حيث يرى انه لم يبق له شيء وان الجيل الحالي قد استثمرها بالكامل واعطى حصصا من انتاجها لجهات اجنبية، او عراقية في القطاع الخاص، يقومان في العادة بتحويل ارباحهما الى خارج كردستان . اما اذا كان الادعاء هو خلق فرص العمل والازدهار الاقتصادي وجلب رؤوس الاموال الاجنبية فلقد ذكرنا قبل صفحات وضمن هذا الفصل ان الصناعة النفطية لما بعد الانتاج هي الافضل لهذه الامور.واذا كانت الغاية لتطوير حقول هي بناء صناعة متكاملة، مثل حقل جمجمال الغازي لاغراض الكهرباء وصناعة الاسمدة النتروجينية وصناعة انتاج الغاز والغاز السائل فهذا امر ممكن السير به وبدون الدخول في عقود للمشاركة بالانتاج، اذ سيكون انتاج المادة الاولية من خلال القطاع الحكومي والبقية من خلال القطاع الخاص والاجنبي حيث تمثل الاستثمار الاكبر.

ان السيد الوزير يتكلم عن انتاج للنفط العراقي للسنوات الخمسة او السبعة القادمة، يبلغ (8) مليون برميل يوميا، منه (4.5) من خلال الحقول التي خصصها هو في ملحقه (1) الى شركة النفط الوطنية والباقي من خلال عقود المشاركة بالانتاج، اليس من الافضل والارخص والاسهل ان يتم انتاج الـ (3.5) مليون برميل يوميا، من خلال الحقول الكبيرة المعروفة وبدون الدخول في عقود المشاركة بالانتاج، وطبعا هناك حل آخر ايضا يصلح للشعب العراقي هو الاحتفاظ بالحقول "العملاقة" الى الاجيال القادمة وتطوير الحقول الصغيرة، ولكن من الواضح ان السيد الوزير لايقصد هذا الحل!!.

 

‌د)     كلمة اخيرة..... لابديل عن رفض تمرير القانون الآن!!.

 

يقوم اعضاء مجلس النواب حاليا بمناقشة مسودة قانون النفط والغاز لغرض اتخاذ القرار في اقراره او عدم اقراره.. ونأمل ونناشد عدم اقراره!!. نؤكد هنا ماقلناه مرارا حول القانون، من اننا نرى من الضروري وجود قانون للنفط والغاز يشرع كافة العلاقات المتعلقة بهذه الثروة الطبيعية التي هي قوتنا وقوة اجيالنا لحين استطاعة العراقي بناء دولته ومجتمعه واقتصاده، ولكن بنفس الوقت نؤكد مجددا بان الزمن الحاضر غير مناسب لمثل هذا القانون، وان القانون الذي يصدر في زمن مشوّه سيكون قانونا مشوّها، سيما وان هذا القانون سيكون اكبر حدث سياسي واقتصادي في تاريخ العراق وقد يتعداه الى بقية العالم. ان هذا القانون ضروري، ولكن ليس امرا ملحاً ويمكن، بل يجب التأني بتمريره. لقد ناقشنا بالتفصيل في دراساتنا الثلاث كافة الحجج التي اتى بها دعاة تمريره الآن، حجة فحجة، ولم نجد مايدعو الى الاستعجال وان الاستعجال يؤدي الى اصدار قانون يضر العراقيين، الآن وفي المستقبل، ضررا بالغا قاتلا ويدخل العراق، المهموم الجريح، في هموم وجراح اكبر والى ابد الآبدين. لنختصر الحجج للتمرير مرة اخرى، اذ قيل باننا في امس الحاجة الى التكنولوجيا الحديثة في هذا القطاع، والجواب يعرفه كل من له خبرة في العمل الهندسي ان التكنولوجيا تُشترى. وقيل العراق بلد مفلس ويحتاج الى الاستثمارات الاجنبية  والقطاع الخاص لهذا الغرض، واوضحنا ان الاموال اللازمة لاعادة الانتاج الى ماكان عليه (3.8-4) مليون برميل يوميا، والبالغة (4-5) مليار دولار تصرف على مدى (3) سنوات، يمكن توفيرها بسهولة جدا من ميزانية الدولة، كما ان المبالغ والحقول اللازمة للرفع التدريجي الى (7.5-8) مليون برميل يوميا ايضا موجودة، فالحقول العملاقة موجودة وفي مناطق آمنة وقريبة من حقول الانتاج العاملة حاليا، وان المبالغ المطلوبة والبالغة (20) مليار دولار تصرف على مدى (7) سنوات ايضا يمكن توفيرها من اموال الدولة العراقية، او من خلال قروض قصيرة الامد. ثم قيل ان صدور القانون سيؤدي الى انفتاح الاقتصاد العراقي على مصراعيه والقضاء على البطالة والفقر، وبينا ان لاعائق بالمرة يقف امام السير بمشاريع ارجاع الانتاج الى طاقته السابقة وكذلك امام مشاريع زيادته، سواء من الناحية المالية او القانونية. بالواقع ان عدم المضي بهذه المشاريع يعد اهمالا مضافا الى الاهمالات الاخرى، والتي تعلق دائما على "شماعة" الظروف الامنية. هناك ايضا، من يقول بان لابد من وضع اطار مؤسسي قانوني واداري لادارة العمليات النفطية، لهذا من الواجب ان يتم القانون الان مع المحاولة، في مجلس النواب، تحسين اكثر ما يمكن من بنوده من خلال المناقشات. في اعتقادنا ان هذا الامر هو "حلم جميل" في الظروف الحالية، اذ بسبب الضغوط الشديدة التي تمارس فسوف لن يكون بالامكان الوصول حتى الى الحد الادنى الذي يمكن القبول به، وستتم مساومات بين الكتل السياسية، وبالنتيجة سيصدر قانون في احسن احواله "حمّالة اوجه"، كما هو عليه الان، وتوفيقي واشبه بالدستور الحالي، حيث كل مجموعة سياسية تفهمه بشكل  معين بحيث لانستطيع ان نمرر قانونا للنفط بسبب التناقضات والفهم المختلف لبنود الدستور، و"التصريح/ البيان" الاخير لحكومة اقليم كردستان حول قانون النفط والذي ناقشناه في الصفحات السابقة خير برهان، فما يعتبره التصريح "دستوريا" يعتبره الجانب الاخر "غير دستوري". ان صدور قانونا للنفط يتضمن تنازلات وُضعت لغرض توفيقي، يعني اعطاء "الشرعية" لقانون مملوء بالالغام التي من الممكن ان تنفجر في اي وقت مسببة ضررا بالغا، في حين من الممكن وبدون هذا القانون، العمل بكل حرية ونشاط في جميع مجالات الانتاج النفطي، طبعا عدا السماح للاستثمار الاجنبي والقطاع الخاص في المشاركة في انتاج النفط من خلال عقود المشاركة بالانتاج، اذ القوانين النافذة لاتسمح بذلك، ولكنهم يستطيعون الاستثمار في كل العمليات اللاحقة للانتاج والتي تحتاج الى استثمارات عالية. وباعتقادي ان الاصرار على تمشية القانون في الوقت الحاضر سواء من قبل المحتل او الحكومة الحالية هو فقط للمشاركة الاجنبية، الغرض المرفوض رفضا قاطعا، وايضا هو امر يرفضه الدستور الحالي على علا ّته.

هناك ايضا من يطرح ان في حالة عدم تمرير هذا القانون، فان اقليم كردستان سيصدر قانونه الخاص، ويحتمل ان تصدر محافظات اخرى قوانين مشابهة، لهذا لنوافق على هذا القانون على علا ّته تجنبا لاية فوضى في اصدار القوانين المتعلقة بالنفط. نؤكد ان مسودة قانون اقليم كردستان غير دستورية، واية مسودة مشابهة لها تصدر من اية جهة اخرى هي غير دستورية وكما اوضحنا قبل صفحات، وان السماح لعقود المشاركة بالانتاج، وعدم السماح بمركزية التخطيط النفطي هو امر غير دستوري. واذا كانت بعض الجهات تستطيع اصدار قوانين او اوامر غير دستورية، فهذا امر متوقع جدا في الظروف التعسة الحالية، ولكن يستطيع مجلس النواب او يوقف هذا الامر او على الاقل ان لايعطيه الشرعية القانونية التي يطلبها وذلك برفض مسودة قانون النفط والغاز المقدمة والتي هي اصلا غير دستورية.

ان الاحتياطي النفطي الثابت الموجود في اقليم كردستان يمثل حاليا حوالي 15-17% من الاحتياطي العراقي الثابت البالغ (116) مليار برميل (اعتمادا على حدود كردستان النهائية، مع اعتبار كركوك جزءا من اقليم كردستان). ولو اخذنا التوقعات العالمية للاحتياطي العراقي وليس الثابت فقط، فان احتياطي اقليم كردستان من النفط سيكون 8-10% من احتياطي العراق المتوقع البالغ (216) مليار برميل. ان هذا الواقع يجب ان يأخذ مداه السياسي والاقتصادي في البلد، وان لايفرض اقليم كردستان تصوراته غير الدستورية (وكما جاءت في تصريحات وزير نفط الاقليم نيابة عن حكومة الاقليم)، على كل العراق. علما ، وكما اوضحنا، فان هذه التصورات ستضر الكرد قبل العرب.

 

*   *   *

 

وفي الختام اوجه كلامي لاعضاء مجلس النواب والقيادات السياسية للاحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية في العراق، اذ انتم اتيتم لقيادة العراق في فترة تأريخية حرجة وحاسمة من تاريخ العراق، والان نحن نرى بان مستقبل قوتكم وقوة الاجيال العراقية القادمة رهن قراراتكم، لذا صوتوا  بكلا للقانون، فهو قانون يضر الشعب العراقي ويزيده هموما على همومه الجسيمة، ويأخذ اللقمة من افواه ابنائكم واحفادكم ليعطيها الى اجنبي ممتلئ او محتل قاتل  او ما يسمى قطاع خاص اغتنى من جوع العراقيين.

لقد عانى العراقيون في الـ (37) سنة الماضية ماعانوا، خصوصا في سنوات الاحتلال المقيت والذي ادى الى قتل وتشريد الملايين  والى تفتيت اللحمة العراقية. من هو متفائل منا، قد يأمل ان تحصل الاجيال القادمة ، مالم تحصل عليه الاجيال الحالية، وقد يرف على العراق عهد من الطمأنينة والرفاه، فأهله يستحقون ذلك، فهم اهل جد وعمل وصبر وكرم وشهامة، عانوا ما لم يعانيه شعب من قسر وحرب وتدمير وقتل ونهب آخرها ماقامت به الدولة الطاغية الباغية، الولايات المتحدة الاميركية.

لقد حاولت جهدي ان اتفهم الرأي المقابل، وقرأت في ذلك تقريبا كا ما كتب دفاعا عن القانون مع دراسة جميع مااستطعت الحصول عن عقود المشاركة بالانتاج، ولم استطع ان ارى اية فائدة من مشاركة الاجنبي في ملكنا، ولم يستطع لحد الان ان يخبرني  احد عن هذه الفائدة ليس بكلام عام وانما بالارقام، وكل من يتكلم بكلام عام ويعتقد ان العراقي سيصدقه الى النهاية، فهو لايعرف العراق والواقع العراقي. اذ هناك حدود لتصديق الآخرين، والسير وراءهم او معهم، ودعمهم وشد أزرهم، والحدود هي النتيجة التي ينتظرها  العراقي الجائع الحزين المهمش العاطل الصابر... والتاريخ يقول ان لصبر العراقي حدود حمراء قانية وغضب هادر لايعرف التوقف او التساهل عندما يرى ان مع كل التأييد والمؤازرة والتضحية ولكن لم يحصل على اي شيء عدا  "قبض الريح"!!، ولااعرف باي وجه ستواجهونه عند ذاك!!. 

 

 

 

                                                                     فؤاد قاسم الامير

                                                                    بغداد 9/5/2007


الملحق رقم (1)

موجز للنتائج الاقتصادية لعقد المشاركة *

 

 

حصة الحكومة

سعر البرميل

حصة المقاول

 

20 دولار/ البرميل

(60) دولار/ البرميل

 

 

 


2 دولار

(6) دولار

ريع Royalty 10%

 

 

 

 


الباقي 18 دولار

(54) دولار

 

 

 

الحد الاعلى 50%

33.3% (نفط الكلفة)

6 دولار

(6) دولار

 

 

الباقي 12 دولار

(48) دولار

 

 

 

7.2 دولار

(28.8) دولار

نفط الربح

60% / 40%

 

 

4.8 دولار

(19.2) دولار

 

1.44 دولار

(5.76) دولار

 

ضريبة دخل 30%

يطرح

1.44 دولار

(5.76) دولار

10.64 دولار

(40.56) دولار

العائد

9.36 دولار

(19.44) دولار

 

10.64

(40.56) دولار

صافي النقد

(بعد استقطاع الكلفة)

3.36

(13.44) دولار

 

76%

(75.1%)

النسبة

24%

(24.9%)

 


 

* لتوضيح ملحق رقم (1)

 

 

     لقد اُفترضت هنا حالتان، الاولى ان العقد تم توقيعه سابقا والانتاج كان في التسعينيات من القرن السابق حيث كان سعر النفط (20) دولار/ البرميل. ولقد افترض ايضا ان العقد اعتيادي وفي منطقة صعبة نوعا ما، وان الكلف الاستثمارية وكذلك الكلف التشغيلية عالية نوعا ما، بحيث كانت حصة نفط الكلفة (6) دولار/ البرميل على مدى عمر المشروع. لهذا ولو ان نفط الكلفة في هذا المثال هو 50% من النفط، ولكن اخذنا 33.3% على عمر المشروع، حيث في البداية يأخذ المقاول 50% من النفط لتغطية الكلف الرأسمالية والكلف الانتاجية، ولكن بعد تغطية الكلف الاستثمارية، تبقى الكلف الانتاجية والتي تكون قليلة، ولذا اعتبر المعدل العام لعمر المشروع 33.3%.

نفس هذا المشروع استمر في الانتاج لحد الآن ولايزال مستمر بالانتاج، لذا اخذت فرضية اخرى، حيث ان معدل سعر النفط وصل (60) دولار/ البرميل، ولكن الكلفة لم تتغير وبالتالي نفط الكلفة لم يتغير ولايزال 6 دولار/ البرميل على عمر المشروع، (أي عمليا اصبح نفط الكلفة 10% على عمر المشروع). وضعنا هذا الاحتمال بين قوسين (...). وفي هذا المثال نرى ان الربح الصافي للمقاول، بعد استقطاع الكلف الكلية، ارتفع من (3.36) دولار/ البرميل الى 13.44 دولار/ البرميل) أي باربع مرات، عما كان متوقع له عندما وقع العقد، وبنفس ظروف "المجازفة Risk" . هذا الامر هو ماخلق المشاكل في الوقت الحاضر بين الحكومات والشركات الاجنبية، اذ تعتقد الحكومات ان فرق الربح هو من حقها، ولهذا تريد تعديل العقود بهذا الاتجاه، ولكن الغالبية العظمى من العقود الموقعة لا يمكن تعديلها الاّ بموافقة الطرف الآخر، اذ ليس فيها شروط تساعد في التعديل الدوري للعقود او في حالة الخلل المالي عما تم توقيعه اصلاً.

 


الملحق رقم (2)

الحسابات الاقتصادية في عقود المشاركة في الانتاج

 

 

ان دراسة اقتصاديات استثمار حقل من عدمه، تعتمد نفس اسس دراسة الجدوى الاقتصادية لاي مشروع آخر، مع اخذ درجة "المجازفة Risk" بنظر الاعتبار. علما ان جميع المشاريع تتضمن "المجازفة" ولكن في مشاريع "البحث والتطوير" للعمليات النفطية ، تكون "المجازفة" اكبر وذات اهمية خاصة، حيث من المحتمل بعد صرف المبالغ لايتم العثور على النفط.

في المشاريع اعلاه، يتم الصرف في السنوات الاولى، وتصل الى عدة سنوات من التحري، وثم بناء المشروع، بعد العثور على النفط، ولمدة قد تصل الى اكثر من (7) سنوات. بعد الانتاج، يتم استرجاع المبالغ المصروفة والحصول على الارباح اعتمادا على كمية النفط المكتشفة واسعار النفط ومدة العقد. لهذا وكما في حسابات الجدوى الاقتصادية يعتمد على حسابات التدفق النقدي للعمر الحسابي للمشروع، وذلك لمعرفة امكانية المضي بالمشروع من عدمه. ان المبالغ المصروفة الآن لها قيمة اعلى من نفس ارقام المبالغ المسترجعة بعد سنوات. وحتى لو تركنا تأثير التضخم النقدي، فان القيمة الفعلية لمبلغ محدد من النقد الآن هي اعلى منها في أي وقت في المستقبل، والسبب بسيط، فان المبلغ المحدد الحالي ممكن استثماره في صناديق التوفير او السندات المالية، والتي تعطي فوائد سنوية ثابتة، وبهذا يزداد المبلغ على مر السنوات. وان الامور تأخذ ابعاد اخرى في حالة وجود فرص استثمارية اخرى او شراء اسهم في البورصة تعطي عائد اعلى من الفوائد المصرفية، وعند ذاك تزداد فرص الخيارات للاستثمار (مع الاخذ بنظر الاعتبار مسألة المجازفة في هذه الحالات، اذ قد تسقط البورصة او يفشل المشروع).

ولغرض تبسيط عملية الاحتساب نأخذ المثل التالي:-

1-    يوجد لدينا (100) مليون دولار، يراد استثمارها ، ولنفترض وضعها في استثمار يعطي مايعادل فائدة قدرها 10%. علما ان فوائد المصارف العالمية حاليا على الدولار اقل بكثير وقد تصل الى نصف هذه الفائدة، لذا هنا الاستثمار في مجال آخر يعطي افضل من المصارف.

-         بعد نهاية السنة الاولى يكون المبلغ الكلي 100x1.1 = 110 مليون دولار.

وفي نهاية السنة الثانية 100x1.1x1.1=121 مليون دولار. وفي نهاية السنة الثالثة 100x1.1x1.1x1.1=100³x1.1 =133.1 مليون دولار.

-         لو افترضنا فترة الاستثمار (5) سنوات، يكون المبلغ الاولي قد وصل في نهاية السنة الخامسة الى 1005x1.1= 161.5 مليون دولار. أي زاد المبلغ بمقدار 61.5% بعد مرور خمس سنوات.

-         لو كانت الفائدة 5% بدلاً من 10%، يصل المبلغ الى (128) مليون دولار، أي بزيادة 28% بعد مرور (5) سنوات.

 

2-    الخصم المالي والقيمة الحالية Discounting and Present Value  

 

نعكس الحالة المبينة في اعلاه، فاذا كنا سنستلم (100) مليون دولار بعد (5) سنوات، فان قيمة هذا المبلغ في الوقت الحاضر يتم بعد خصم Discount الفوائد، لكي نصل الى القيمة الحالية Present Value، لهذا المبلغ.  ونصل الى مبلغ 100/51.1=(62) مليون دولار اذا كانت الفائدة 10%.  أو الى 100/51.05 = (78) مليون دولار اذا كانت الفائدة 5%.

ان الفوائد البالغة 5%، او 10% تسمى نسبة الخصم Discount Rate او سعر الخصم.

 

3-    ان المستثمر الاعتيادي لايقبل بفوائد البنوك، وهي فوائد مستقرة وثابتة ولكن قليلة، ويطمح الى فوائد اعلى في شراء الاسهم او في مشاريع جديدة. اعتياديا في الظروف الحالية، فان نسبة الخصم (سعر الخصم) المعمول بها والمقبولة في الصناعة النفطية تبلغ 12%، ويسمى الرقم الحقيقي Real Term، وعند اخذ التضخم النقدي Inflation ، نصل الى رقم يبلغ 15%، ويسمى الرقم الاسمي Nominal Term . من الناحية الاقتصادية فان سعر الخصم هو ثمن الفرصة لرأس المال للاستثمار في مشروع ما. والمستثمر يذهب الى حيث سعر الخصم اعلى مع اخذه بنظر الاعتبار "المجازفة" ، اي امكانية الخسارة.

 

4-    صافي القيمة الحالية Net Present Value NPV

 

لغرض احتساب ربحية المشروع، ولنفترض هنا ان عمره (5) سنوات للسهولة. لايمكن طرح الايرادات السنوية من المصاريف السنوية، لمعرفة مقدار الربح الكلي. والطريقة الصحيحة تحويل المصاريف والايرادات السنوية للخمس سنوات الى قيمتها الحالية، أي في الوقت الحاضر مع احتساب سعر الخصم المناسب.

في الجدول ادناه مثال على التدفق النقدي الفعلي، على عمر المشروع. حيث كان في السنة الاولى مصروفات بدون عوائد، وبدء الانتاج في السنة الثانية.


 

السنة

المصروفات

الايرادات

1

75

صفر

2

20

30

3

10

40

4

10

40

5

10

40

المجموع

125

150

 

هنا عند اخذ المصروفات الفعلية الكلية نجدها (125) مليون دولار، والايرادات الفعلية الكلية (150) مليون دولار. ولكن لانستطيع ان نقول ان الارباح 150-125=25 مليون دولار لهذا المشروع. ويجب الاخذ بالقيمة الحالية لكلا المصروفات والايرادات.

وكما في الجدول التالي، حيث يؤخذ سعر الخصم المناسب في الصناعة النفطية 12%. يؤخذ صافي التدفق النقدي Net Cash Flow من الجدول اعلاه لكل سنة، ويحول الى القيمة الحالية لصافي التدفق النقدي.

 

السنة

صافي التدفق النقدي

(ايرادات- مصروفات)

القيمة الحالية لصافي التدفق النقدي بسعر خصم 12%

1

- 75

                     - 75

2

+10

= 10/1.12  = +8.93

3

+30

= 30/1.12² = +23.92

4

+30

= 30/1.12³ = +21.35

5

+30

= 30/1.124 = +19.07

 

25

             -75 + 73.27

 

                                 صافي القيمة الحالية = - 1.73

 

كما نلاحظ ان في احتساب صافي التدفق النقدي العادي كان هناك ربح (25) مليون دولار، بينما عندما اخذنا صافي التدفق النقدي الحالي وبسعر خصم 12%، وصلنا الى خسارة للمشروع تعادل (1.73) مليون دولار، (ولهذا يسمى صافي القيمة الحالية للمشروع).

ولو اخذنا سعر خصم 10% بدلا من 12% سنجد نتيجة الحسابات ربح قدره (1.91) مليون دولار، (وهو صافي القيمة الحالية للمشروع).

 

5-    المعدل الداخلي للمردود IRR Internal Rate of Return

 

ايضا يسمى "معدل العائد الداخلي".

في المثل اعلاه ، اذا اعتبرنا سعر الخصم 12% كانت هناك خسارة قدرها (1.73) مليون دولار، واذا اعتبرنا سعر الخصم 10%، كان هناك ربح (1.91)، أي صافي القيمة الحالية في الحالتين -1.73 و +1.91. اما المعدل الداخلي للمردود IRR فهو نسبة الخصم (او سعر الخصم)، الذي يوصل صافي القيمة الحالية للمشروع صفر، وهو هنا رقم بين 10% و 12%.

عند قيامنا بدراسات الجدوى الاقتصادية في السابق، كنا نحسب IRR عن طريق تجربة الخطأ والصحيح بان نجرب عدة ارقام سعر خصم بين 10% و 12% الى ان نصل صافي القيمة الحالية للمشروع صفر، وهو في هذه الحالة 11.03%، اما في الوقت الحاضر فنعتمد على برامج كومبيوترية للعمل بطريقة اسرع.

ان المشروع يعتبر ناجحاً ويمكن العمل به اذا وصل المعدل الداخلي للمردود IRR 11.03%، وكلما زاد الرقم عن هذا كان المشروع انجح. وفي الوقت الحاضر، أي في الظروف الاقتصادية العالمية الحالية، يعتبر مشروع التحري وانتاج النفط مشروعا ناجحا اذا حقق IRR، 12%.