احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى

الجزء الأول

" نُذُر (التهدئة) المشؤومة.... أحاديث في ما هو مسكوت عنه في موضوع المقاومة العراقية" 22-9-2007

رعد الجبوري-كاتب ومحلل سياسي عراقي مستقل

 

انظر الرابط :

http://www.alnoha.com/visoto4/nothr.htm

(ملاحظة: هناك "جزء أول" مختلف عن أدناه وعلى هذا الرابط:

http://www.albasrah.net/ar_articles_2008/0508/ra3ad_110508.htm

والذي يتطرق فيه، بدلاً عن موضوع "المقاومه"، الى العامل "السعودي")

تشهد ساحة الصراع في عراق اليوم تنفيذ صفحة جديدة وخطيرة جداً على مستقبل مشروع المقاومة وعلى مستقبل العراق بل وربما ابعد من ذلك، والذي يمكن أن نصفه بإستراتيجية (الخنادق المتداخلة).

بدءاً نقول انه من السذاجة أن نتخيل بأن الإحتلال سوف يستمر إلى ما لا نهاية في إستخدام نفس التكتيكات العسكرية والسياسية السابقة والتي لم تساعده في التقليل من خسائره المادية والبشرية ولم تحميه من الضربات الموجعة التي يتلقها من فصائل المقاومة العراقية الباسلة ، لذا فانه من المنطقي جداً أن يلجأ (أي الإحتلال) إلى تلمس تجربة وسائل جديدة كلما اُتيح له ذلك، وربما من خلال تطبيق بعض النصائح والارشادات التي اوصت بها بعض مراكز ومؤسسات البحث الإستراتيجية منها مثلاً (مؤسسة راند)، والتي أوصت (من ضمن ما أوصت) قبل أشهر طويلة بإستخدام (الضد النوعي) أي العمل على تفتيت ونخر جسد المقاومة من خلال العمل بشكل مكثف على خرقها وتجنيد عناصر وقيادات من داخل هيكلها التنظيمي ذاته أو تحييدهم للعمل بالتناغم مع مشروع الإحتلال وصنع اكثر من (حصان طروادة) يستخدمه الاحتلال وعملاؤه لخرق حصون المقاومة والقضاء عليها واحداً بعد الآخر، وصولاً في النهاية إلى حرفها عن اهدافها الوطنية الأساسية في الخلاص من الاحتلال وأدواته المحلية والإقليمية، ولضرب الفصائل بعضها ببعض.بحجة محاربة هذا التنظيم او ذلك الفكر أو تلك الممارسات. وهذا ربما يفسر لنا كيف إن مجالس (الصحوة) واشباهها من مجالس (عشائر) تذكرنا بـ (اللويا جركه) الافغانية،  قد بدأت بالإنتشار في المحافظات والمدن العراقية الملتهبة كما ينتشر الفطر بعد يوم ماطر.

من جهة اخرى لو نظرنا إلى الموقف العام للصراع في الداخل العراقي من خلال النتائج الآنية وحاولنا أن نفسر لماذا هذا الإنحسار الملحوظ في العمليات التي تستهدف مباشرةً قطعان الإحتلال وجهده العسكري منذ عدة شهور، فسوف يبدو لنا ولإي مراقب محايد وكأن الحرب على (تنظيم القاعدة) من قبل بعض الفصائل قد تسببت بشكل مباشر في هذا الإنخفاض لخسائر قوات الاحتلال، وهذا قاد (ضمناً) بعض المراقبين الى توجيه اتهام خطير لتلك الفصائل مفاده : ان تنظيم القاعدة الذي يحاربوه هو الاكثر قوةً في استهداف القوات المحتلة للعراق والأكثر تسبباً في خسائرها. وهنا أجد نفسي مضطراً أن أهمس في اذن كل الفصائل المسلحة التي تلزم نفسها (أو تدعي ذلك) بإستهداف مشروع الإحتلال الأمريكي للعراق ، وهو :-

" اذا حدث وأن اصبح هدفاً ما للإحتلال هو ذاته هدفاً للمقاومة (ولو مرحلياً) ، أو حدث أن إتجهت إبرة البوصلة للمقاومة لتتطابق تماماً مع الاتجاه الذي تشير إليه إبرة بوصلة الاحتلال، فهذا يعني ببساطة ان المقاومة على الارجح تسير في الإتجاه الخاطيء، ويتوجب على فصائل المقاومة آنذاك أن تراجع نفسها بعمق لتتأكد بأنها لا ترتكب خطأً كبيراً على المستوى الإستراتيجي، وعليها إما إستبدال بوصلتها أو كسرها ورميها بعيداً لعدم الفائدة ".

و لا يفوتني هنا ان أنبه إلى أنه بعد تشكيل ما عرف بمجالس (الصحوة) أو (الإنقاذ) ووصول الصراع الميداني إلى مرحلة حرجة ومنعطف جديد، ربما سوف نسمع قريبا حملة ترويج كبيرة لخرافات جديدة تمهد لما مطلوب بعدها من قبل الإحتلال وعناوينها الرئيسية هي:- شحة السلاح والموارد وصعوبة التمويل، الإرهاق والإنهاك الذي أصاب المقاومين وضرورة منحهم القليل من الراحة، ضرورة اللجوء الى (التهدئة) او الهدنة المؤقتة في القتال مع المحتل لمنح التنظيمات المجاهدة فسحة زمنية لإعادة هيكلة ذاتها وتنظيم امورها. وحينها سنجد ان تلك الفصائل التي ذاع صيتها في يومٍ ما على أنها من المشهود لهم بالعداء لمشروع الاحتلال الأمريكي ستصبح (شاءت أم أبت) من أقوى حلفائه المخفيين، أو على الأقل في خندق واحد مع حكومة وأحزاب (المنطقة الخضراء)، وبعدها سيتم (إعادة) تعريف الأهداف والأسبقيات من جديد منها مثلاً :-  هدف وقف انتشار النفوذ الإيراني في العراق (أو القضاء عليه) بديلاً عن جدولة إنسحاب قريب لكل قوات الإحتلال الأمريكي، صرف رواتب للعسكريين السابقين كبديل عن تشكيل جيش وطني قوي، إقرار قانون النفط وتوزيع عائداته خيراً من استقلال الاكراد وانفصالهم عن العراق الى الأبد، إعادة البعثيين المفصولين إلى وظائفهم السابقة بموجب قانون العدالة والمساءلة بدلاً من محاكمة الفاسدين والمفسدين من حكومات واحزاب الاحتلال والذين أثروا بعد الاحتلال أو بديلاً عن محاسبة المليشيات والأحزاب المساندة لها عن الفضائع والبشاعات التي اقترفت بحق مئات الإلوف من الابرياء في سجون وزارة الداخلية وسجون الاحتلال أو إنصاف ضحايا المسلسل اليومي للجثث المجهولة الهوية التي تظهر في شوارع بغداد والمدن الاخرى والاقتصاص من جلاديهم وقاتليهم .... والكثير من امثال تلك الأهداف (المحورة).

ومناسبة هذا التقديم هو مقال الكاتب جوشوا بارتلو Joshua Partlow من خدمة الواشنطن بوست الخارجية والمنشور بتاريخ  9-6-2007 على موقع صحيفة الواشنطن بوست على شبكة الانترنت، وفيه وصف لبعض ما حدث في حي العامرية غرب مدينة بغداد من خلال رصد تجربة الضابط الأمريكي ديل كويل Dale Kuehl  وهو برتبة مقدم (سلاح الفرسان) والقائد الميداني المسئول عن محاولة السيطرة على هذا الحي المجاهد.

وانا شخصياً اعتقد ان هذا المقال يمكن تصنيفه على أنه واحد من أخطر الوثائق التي تسنى لنا الإطلاع عليها حول الصراع الدائر بين مشروع الاحتلال من جهة ومشروع المقاومة العراقية بالضد منه، ويعد شهادة نادرة توثق بتفصيل جيد لما حدث قبل ثلاثة أشهر في واحدة من أكثر البؤر الملتهبة للمقاومة العراقية في بغداد و أقصد هنا حي العامرية تحديداً، فهذه البؤرة أرقت وأدمت القوات الأمريكية حتى الإنهاك منذ الايام الأولى للإحتلال البغيض وحتى وقت قريب، ويمكن أيضاً أن نعد ما حصل في العامرية كنموذج مصغر لما يجري تطبيقه فعلياً وبشكل محموم هذه الأيام في العلن حيناً وفي السر احياناً أكثر على معظم الساحة العراقية بإستخدام الكثير الكثير من وسائل الترهيب والترغيب والسحت الحرام والدسائس والمماحكات المخابراتية القذرة وبإسناد مباشر من بعض (المشايخ) و(أئمة المساجد) .

ولزيادة الفائدة قمت بترجمة هذا المقال الذي يؤرخ لما حدث لضابط أمريكي برتبة مقدم يدعى ديل كويل Dale Kuehl  ، و سيتدبر القاريء الكريم بعد قراءة المقال بكل سهولة ما جاء فيه، ودلالاته في تفسير بعض ما تشهده الساحة العراقية في هذه الإيام الكالحة الوجه كالرذيلة.

 

وفيما يلي ترجمة المقال آملاً أن يكون ذا فائدة للقراء الكرام. وهو موجود بنصه الإنكليزي على الرابط :

 http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2007/06/08/AR2007060802879.html?hpid=topnews

حلف الملاذ الأخير لوحدة من الجيش الأمريكي في بغداد

بقلم : جوشوا باترلو

الخدمة الخارجية للواشنطن بوست

السبت، 9 حزيران  2007

 بغداد، 8 حزيران -- كان أسوء شهر في فترة إنتشار المقدم ديل كويل Dale Kuehl  في غرب بغداد يقترب أخيراً من نهايته .نفذت جماعة تفجيرات تنظيم القاعدة في العراق ادت الى قتل 14 عنصرا من جنود المقدم في شهر مايس ومثل هذا تصعيداً فظيعاً للعنف بالنسبة للكتيبة التي فقدت 3 جنود فقط طيلة ستة اشهر من الدوريات في منطقة العامرية السنية. في وقت متأخر من يوم 29 مايس/آيار تلقى قائد الكتيبة، الذي كان يعاني ايضاً من إنفلونزا المعدة، إتصالاً عن طريق الهاتف الخلوي سيغير فيما بعد كل شئ .

" سنقوم بمهاجمة القاعدة " قال إمام مسجد  "ما أريده منكم هو أن تبتعدوا عن الطريق"

أجاب المقدم كويل " شيخ، لا استطيع ان افعل ذلك، لا أستطيع ان أترك لكم العامرية ".

قال الإمام " حسنا، سوف ننفذ الامر، سوف نهاجم القاعدة".

 لقد أحدث الأسبوع الذي تبع هذا الإتصال ثورة في طريقة المقدم كويل لمحاربة التمرد وقدم مثالا قوياً للإستراتيجية الأمريكية الجديدة والخطيرة في الاستعانة بأكثر من قوات الشرطة والجيش العراقيين من اجل المساعدة في ضبط المناطق المتمردة. لقد تحالف الجنود الأمريكيين في العامرية مع العشرات من أفراد الميليشات السنية الذين اطلقوا على أنفسهم اسم "وطنيو بغداد" ،والذين يعتقد انهم يضمون متمردين هاجموا القوات الأمريكية سابقاً، من أجل المساعدة في إخراج مقاتلي القاعدة من العامرية. لقد منح الأمريكيون المسلحين صلاحية إعتقال الأشخاص، وأجازوا للقوات العراقية تجهيزهم بالعتاد وقاتلوا بجانبهم في حروب الشوارع الفوضوية.

 يبرز هذا التحالف بالنسبة للكثير من الجنود الأمريكيين في العامرية كتطور مشجع بعد أشهر من الصراع الطاحن وهم يشبهون هؤلاء المقاتلين "كجنود المليشيات في الثورة الأمريكية" ويصورونهم كالأخوة الذين أخذوا المبادرة في حماية عوائلهم من الفراغ الذي يسببه فشل القوات الامنية العراقية. خلال الاسبوع الأول من هذا التعاون تمكنت القوات الأمريكية وبمساعدة "وطنيو بغداد" من قتل حوالي عشرة اشخاص مشتبه في انتمائهم للقاعدة وأعتقلوا 15 اخرين، وهذا العدد وحده بالنسبة للعقيد كويل يوازي مجموع ماحققته القوات الأمريكية طوال الستة أشهر الماضية مجتمعة. ويعمل المقدم الان على جعل هذه المجموعة كنواة لقوات الشرطة في العامرية بسبب رفض قوات الشرطة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة الخدمة في هذه المنطقة .

"هذه لحظة حاسمة بالنسبة لنا"  يقول كويل، قائد الكتيبة الاولى ، فوج الفرسان الخامس الملحق بفرقة المشاة الاولى الأمريكية.

لكن إصطفاف الأمريكيين مع مقاتلين غير واضحي الأجندة على المدى البعيد فيما يخص الأمريكيين أو الحكومة التي يقودها الشيعة، هي أيضا تعتبر إستراتيجية ولدت نتيجة الاحباط والفشل. وهي تعارض أيضا التصريحات المتكررة لرئيس الوزراء نوري المالكي من أنه لا يمكن لأي مجموعة أن تحمل السلاح عدا القوات الأمريكية وقوات الامن العراقية. وهناك بعض الجنود الأمريكيين القلقين من أن مساعدة المليشيات السنية يمكن أن يكون لها عواقب أليمة في حال إنقلبت هذه المجموعة على شركائها الأمريكيين.

يقول ضابط إستخبارات الكتيبة " لقد عقدنا صفقة مع الشيطان ".

لقد خطت الجهود الأمريكية لتجنيد قوات محلية لحماية التجمعات السكانية خطوات واسعة في محافظة الأنبار وذلك لأن قادة العشائر قاموا بتشجيع الآلاف من أقاربهم على الإلتحاق بالشرطة العراقية. في منطقة أبو غريب والتي تقع إلى الغرب من بغداد، يوجد حوالي 2000 شخص غير منضمين للقوات الأمنية يعملون مع الجنود الأمريكيين في نقاط السيطرة والمواقع العسكرية المنتشرة في القرية.

يقول المقدم كويل انه يدرك خطورة التعامل مع قوات غير رسمية لكنه قدر أن المعلومات الإستخبارية التي يملكها هؤلاء المسلحون فيما يخص عناصر القاعدة لا يمكن التفريط بها.

يقول كويل "لا شئ نجح سابقاً في العامرية".

كانت الساعة تشير الى الثانية بعد منتصف الليل من يوم 30 مايس/آيار عندما سمع النقيب أندي ويلبراهام Andy Wilbraham، 33سنة قائد مجموعة، للمرة الاولى احاديث بين عسكريين عبر مذياع دبابته حول إشاعات أن مسلحين محليين سيقومون بالهجوم على مسلحي القاعدة. لاحقا في ذلك النهار، جاء الضابط المساعد يحمل الأخبار " لقد بدؤا بالهجوم".

يقول ويلبراهام "كان الامر بمثابة صدمة الينا لأنه حصل بهذه السرعة".

عند الظهيرة ، كانت مكبرات الصوت الخاصة بمساجد العامرية تذيع نداءات الحرب "حان الوقت لمقاتلة القاعدة". توجهت مجاميع من الرجال الذين كان بعضهم يرتدي اقنعة سوداء ومسلحين بأسلحة الكلاشنكوف وقاذفات الصواريخ الأر بي جي الى المنطقة المحيطة بجامع ملوكي، الذي يعتقد انه قاعدة عمليات تنظيم القاعدة، وبدأوا بشن الهجوم عليه. في هذه الاثناء ولمعظم الوقت كان جنود المقدم كويل يقومون بحصر العنف وتأمين بقية المساجد وفسح المجال للمسلحين لإكمال هجومهم.

وفي اليوم التالي، الخميس، شنت القاعدة هجوما معاكساً. اندفع مقاتلوا القاعدة والذين كانوا مسلحين بالأسلحة الرشاشة والقنابل ليكتسحوا عناصر المليشيا عبر احياء العامرية جنوبا حتى حاصروهم في جامع (الفردوس).

يقول المقدم كويل " كنت أتلقى تقارير مباشرة من إمام المسجد كل 10 دقائق ، "مقاتلوا القاعدة في هذا المكان"، "نحن محاصرون "، "نحن نتعرض للهجوم "، "إنهم حول المسجد "

إستجاب المقدم كويل لإمام المسجد وأرسل عربات سترايكر القتالية لحماية عناصر المليشيا.

يقول النقيب كيفن سالج Kevin Salge ، 31 عاماً، والذي قاد فريق سترايكر يضم 60 جندي امريكي توجهوا نحو المسجد "لقد انقذناهم نحن بقوتنا" .... " لقد وصلنا هناك وكانت أسلحتنا هي الأضخم . وبعد وصولنا، ظهر رجال المليشيا "رجال الحرية او وطنيو بغداد" وبدأوا بإطلاق النار.

كان الاختصاصي شادريك دومينو Chadrick Domino ، 23 عام، واحداً من عناصر فريق السترايكر الذي توجه إلى شمال المسجد ليقيم حداً يمنع مقاتلين آخرين من الإنضمام الى القتال. وعند الظهيرة، كان الإختصاصي أول شخص من هذا الفريق يتجول في الباحة الرئيسية. ومن المحتمل إنه لم يكن لديه وقت ليرى حامل الرشاش الآلي الذي قتله.

بالنسبة للجنود الأمريكين، كان المقاتلين من الطرفين متشابهين تقريبا بالمظهر. كانوا يرتدون البزات المتشابهة ويحملون نفس الاسلحة.

يقول النقيب سالج " اصبحت لدينا فوضى الان. يوجد الكثير من الرجال المسلحين الذين يركضون في كل الإتجاهات وهذا كان يشكل صعوبة لنا في معرفة من هو إلى جانبنا".

وبعد الظهر، تمكن الجنود الأمريكيين من تأمين جامع (الفردوس) وقدموا الرعاية الطبية للجرحى الذين كانوا منتشرين في الباحة الرئيسية. توجه المقدم كويل من مقره الرئيسي ليلتقي بقادة المليشيا وليضع معهم الشروط التي ستحكم التعاون معهم خلال الايام القادمة. وافق المقدم على المساعدة فقط في حالة عدم قيام افراد المليشيا بتعذيب او قتل أي من الاشخاص الذين يتم اعتقالهم والذين لا علاقة لهم بتنظيم القاعدة في العراق. وافق رجال المليشيا على إحتجاز الإفراد لمدة لا تتجاوز الأربع والعشرين ساعة قبل إطلاق سراحهم أو تسليمهم للقوات الأمريكية وطلبوا في الوقت نفسه من القوات الأمريكية عدم التدخل وتزويدهم بالسلاح الضروري.

يقول المقدم كويل "نحن نحتاجهم وهم يحتاجونا...القاعدة أقوى منهم جميعا...لقد زودناهم بالمستلزمات التي يحتاجوها... هؤلاء الناس يعلمون من ينتمي للقاعدة ومن لاينتمي... لا يتعلق الامر بمدة الإنتشار حتى تتمكن من معرفة هذا الشيء .... نحن لا نعرف هذا الشيء ولن نعرفه ابدا".

يقود افراد المليشيا، والذين يطلقون على انفسهم ايضاً اسم مقاتلو الحرية، نقيب في الجيش العراقي السابق وبائع السيارات المستعملة البالغ من العمر 36 سنة والمعروف بسيف او (ابو العبد). في أثناء اللقاء، قال (أبو العبد) إنه كرس الخمسة أشهر الماضية في جمع المعلومات الإستخباراتية حول مقاتلي القاعدة في العامرية، الذين تزايدت اعدادهم بعد وصولهم إلى بغداد مبتعدين عن شرطة العشائر في محافظة الانبار. وأدعى (أبو العبد) إنه يقود حوالي 100 مقاتل إلا أن الجنود الأمريكان قدروا العدد بحوالي الـ 40 شخص، وقد قتل منهم  6 أفراد وجرح 10 آخرون في الاسبوع الأول من التعاون مع الأمريكيين .

يقول ويلبراهام " هؤلاء الافراد يشبهون الوحدة العسكرية، طريقة مسيرهم، إشارات اليد والساعد، توقف، إجثو على ركبتك، سلاحك للأعلى".

يقول علي حاتم علي سليمان، احد شيوخ قبيلة الدليم السنية المنتشرة في الأنبار وبغداد ، إن العديد من المقاتلين في العامرية ينتمون للجيش الاسلامي، والذي يضم ضباط سابقين من جيش صدام حسين وهو دنيوي التوجه أكثر من غيره من مجاميع المتمردين. وهؤلاء المقاتلين تم تنظيمهم وتشجيعهم من قبل إمام المسجد .

"دعونا نكون صريحين، الأمريكان الآن ليسوا هم العدو "  يقول علي حاتم علي سليمان  " اعدائنا في الوقت الحاضر القاعدة والمليشيات الشيعية".

طلب الجنود الأمريكان منذ البداية من حلفائهم الجدد أن يلبسوا عصابات الرأس البيضاء وأن يركبوا معهم في مركبات السترايكر حتى يرشدوهم إلى البيوت التي يقيم فيها أفراد تنظيم القاعدة. لكن هذه الدوريات المشتركة لم تنجح وذلك لأن المقاتلين المحليين سرعان ما يفقدون القدرة على تحديد الاتجاهات أثناء ركوبهم في عربات السترايكر المغلقة وبالتالي لم يعد بإستطاعتهم إيجاد البيت الصحيح حسبما يقول النقيب سالج .

ويضيف النقيب سالج  "وبعد مدة قصيرة، أصبحنا نشاهد الناس في كل مكان من العامرية يضع عصابات الرأس، وأنا متأكد إن الكثير منهم كان من افراد القاعدة".

بعدها قام الأمريكان بتزويد حلفائهم بربطات الذراع العاكسة والتي يمكن مشاهدتها من مناظير المركبات الأمريكية، ووضعوا المقاتلين بعربات الهمفي التابعة للجيش العراقي بدلا من عربات السترايكر . وقاموا أيضاً بتزويد المقاتلين بأصفاد بلاستيكية لتوثيق المعتقلين ومشاعل إضاءة – حمراء للإشارة على انهم في خطر وخضراء للإشارة إن المداهمة قد إنتهت .

في يوم الجمعة، الأول من حزيران، أرشد المقاتلين الجنود الأمريكين إلى مخزن ضخم للأسلحة في العامرية، يضم أسلحة قنص، أسلحة رشاشة روسية الصنع ، قاذفات صواريخ محمولة على الكتف (آر بي جي) والآلاف من الطلقات والذخيرة المتنوعة، كلها مخبأة في غرفة سرية لا يمكن الوصول إليها إلا بعد إزالة صندوق قاطع الدورة الكهربائية والزحف عبر فتحة. وبينما كان الجنود الأمريكيين يقومون بتسجيل الغنيمة، انفجرت عبوة ناسفة موضوعة بالخارج أدت إلى جرح العديد من الجنود، أحدهم فقد قدميه بالكامل .

وأثناء الرجوع من المهمة كان لدى أفراد المليشيا رجاءاً للأمريكين : " أعطونا الأسلحة الموجودة في المخزن ".

يتذكر النقيب سالج قلقه وقتها "من هم هؤلاء بالضبط ؟" وقد أجابهم بأنهم يجب أن يتكلموا إلى قائد الكتيبة.

قال كويل بعدها انه من الممكن ان يقوم بتزويد أفراد المليشيا بالاسلحة، ولكن بكميات محدودة. قام أفراد المليشيا بتقديم أوصافهم للأمريكين من ضمنها بصمات الاصابع، عناوين الإقامة و مسح شبكية العين، حتى يتمكن الجنود من تعقب أي شخص منهم يقوم بخيانة الجيش الأمريكي .

وفي يوم الاربعاء وبعد انقضاء اسبوع على إندلاع القتال، أصدر الجيش الاسلامي بياناً أعلن فيه وقف اطلاق النار مع تنظيم القاعدة في العراق، وذلك لأن الجماعة لا تريد سفك المزيد من دماء المسلمين وحتى لا يعاق "مشروع الجهاد". أستمع الجنود الأمريكان للبيان وكانوا متأكدين إنه لا يعبر عن مشاعر من يعمل معهم هنا في العامرية.

في وقت متأخر من نفس الليلة، قاد النقيب ويلبراهام وحدة الدبابات لتنفيذ مهمة ليلية لمساعدة أفراد المليشيا في اعتقال سبعة مقاتلين من تنظيم القاعدة. كان من المقرر أن تتم الغارة في الساعة الواحدة ليلاً ولكن وبعد انقضاء ساعتين لا زالت الدبابات تنتظر في الشوارع المهجورة ولا أشارة من المجموعة. بعدها اُخبر ويلبراهام إن أفراد المليشيا قد طلبوا إلغاء العملية.

وعبر سائق الدبابة الاختصاصي أستيفان التاميرانو Estevan Altamirano عن شكوكه حيال حلفائه الجدد " حالما ينتهون من القاعدة، سينقلبون ضدنا. أنا لا أريد أن يتم إستغلالي وهناك سلاح مصوب خلف ظهري. سوف لن أثق بهم ابداً " .

 

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى

الجزء الثاني

 

"لا شيء نجح سابقاً في العامرية .. إلا الخيانة"

 في 25-9-2007

انظر الرابط

http://misralhura.wordpress.com/2007/10/04/%d9%84%d8%a7-%d8%b4%d9%8a%d8%a1%d9%8e-%d9%86%d8%ac%d9%8e%d9%8e%d9%8e%d9%8e%d9%8e%d9%8e%d8%ad%d9%8e-%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d9%82%d8%a7%d9%8b-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d8%b1%d9%8a%d8%a9/

(ملاحظة: هناك "جزء ثاني" مختلف عن أدناه وعلى هذا الرابط:

http://www.albasrah.net/ar_articles_2008/0508/ra3ad_190508.htm

والذي يتطرق فيه، بدلاً عن موضوع "الخيانة"، الى "الواقع السياسي العراقي" بعد الإحتلال)

كلما اعدت قراءة ما جاء به مقال جوشوا باترلو في صحيفة الواشنطن بوست في 9 حزيران 2007 اجد نفسي ملزماً بالتعليق على بعض فقراته بالتفصيل في محاولة لإنارة عتمة الزوايا المظلمة من هذه الفترة الحالكة السواد :-

1.   بدأ الكاتب بتصوير الوضع الشخصي المأساوي والمحبط للقائد الميداني المسؤول عن الكتيبة الأمريكية المكلفة بتأمين حي العامرية وكيف أن تفجيرات تنظيم القاعدة في ذلك الحي قد “ أدت إلى قتل 14 عنصراً من جنود المقدم في شهر مايس ” في الوقت الذي لم تكن خسائر الكتيبة قد تجاوزت ” 3 جنود فقط طيلة ستة أشهر في منطقة العامرية. 

2.   تطوع (إمام مسجد) (وهو محسوب على الجيش الإسلامي كما يفهم من ثنايا المقال) في قتال تنظيم القاعدة نيابة عن قوات الإحتلال. حيث يقول المقال ” إن العديد من المقاتلين في العامرية ينتمون للجيش الاسلامي، والذي يضم ضباط سابقين من جيش صدام حسين وهو دنيوي التوجه أكثر من غيره من مجاميع المتمردين. وهؤلاء المقاتلين تم تنظيمهم وتشجيعهم من قبل إمام المسجد . ” وهنا تبرز اسئلة لها أول وليس لها أخر مثل لماذا قام هذا (الشيخ) بالإتصال بقائد الكتيبة؟ وكيف حصل على رقم هاتفه الخلوي؟ ومن كلفه بمهمة الإتصال؟ وما هو الثمن الذي قبضه أوسيقبضه بعد ما قام به من خدمة (جليلة) للقوات المحتلة؟ وهل أن ثمن خيانته سيعود له شخصياً أم سيتشارك به مع التنظيم المحسوب عليه؟ وهل في العقيدة الدينية أو حتى المذهبية التي يؤمن بها هذا (الشيخ) أو التنظيم الذي يسانده ما يبرر استعداء كافر محتل على مسلم؟ وكيف سيتسنى لإي مقاوم أن يطمئن لقتال قطعان الإحتلال وظهره مكشوف يمكن ان يغرز فيه خنجر الخيانة من ابناء جلدته في أي لحظة ولأي سبب؟ وما هو السبب (المصيري) الذي يبرر مثل هذه الخيانة؟ اسئلة كثيرة تحتاج الى إجابات.

3.   إستراتيجية الإحباط والفشل” التي أحاطت بقوات الإحتلال في العراق والتي أجبرتهم على الإصطفاف  “مع مقاتلين غير واضحي الأجندة على المدى البعيد فيما يخص الأمريكين أو الحكومة التي يقودها الشيعة ” مما أضطرهم لـ ” عقد الصفقة مع الشيطان” حسب تعبير ضابط الإستخبارات في الكتيبة الأمريكية المسؤولة عن تأمين حي العامرية ، والشيطان الذي قصده هنا هو بعض الفصائل التي كانت تستهدف قوات الإحتلال وتحولت بين عشية وضحاها جاهزة لمحاربة بعضها البعض ، والمستفيد في النهاية قوات الإحتلال وحكومة الدمى في المنطقة الخضراء.

أما تقدير قائد الكتيبة بأن “ المعلومات الإستخبارية التي يملكها هؤلاء المسلحون فيما يخص عناصر القاعدة لا يمكن التفريط بها. فهو صحيح تماماً. ولا بد هنا أن نلفت النظر إلى ما صرح به من ” يقود افراد المليشيا، والذين يطلقون على انفسهم ايضاً اسم (مقاتلو الحرية)، نقيب في الجيش العراقي السابق وبائع السيارات المستعملة البالغ من العمر 36 سنة والمعروف بسيف او (ابو العبد). في أثناء اللقاء ، قال (أبو العبد) إنه كرس الخمسة أشهر الماضية في جمع المعلومات الإستخباراتية حول مقاتلي القاعدة في العامرية ” والسؤال الأبرز هنا هو لماذا ولمصلحة من كان يجمع (ابو العبد) المعلومات الإستخبارية عن مقاتلي القاعدة ، أي شيطان همس بأذنه ووسوس له بأنه سيحتاج هذه المعلومات لاحقاً بعد خمسة أشهر. وهل كان يتصرف بمفرده أم بطلب من قادته أم من آخرين .

4.     اما قول كاتب المقال بأن هناك ” في منطقة أبو غريب والتي تقع إلى الغرب من بغداد، يوجد حوالي 2000 شخص غير منضمين للقوات الأمنية يعملون مع الجنود الأمريكيين في نقاط السيطرة والمواقع العسكرية المنتشرة في القرية.” فهو يثير اكثر من علامة استفهام خصوصاً أن منطقة أبو غريب تعتبر معقلاً لمقاومة قوات الإحتلال، وهي منطقة نفوذ تقليدية لعشائر وفصائل معينة لعل أبرزها كتائب ثورة العشرين، ومن غير المعقول أن لا تعلم تلك الفصائل بوجود هذا العدد الضخم (نسبياً) من المتعاونين مع الإحتلال في هذه المنطقة تحديداً، وهنا تبرز علامة إستفهام كبيرة هو كيف سمحت تلك العشائر والفصائل بحدوث ذلك ومنذ متى ؟ ؟

5.     الخدمة (الجليلة) لقوات الإحتلال التي قدمها (إمام المسجد) هذا والتنظيم الذي سانده والتي عبر عنها كاتب المقال بقوله ” خلال الاسبوع الأول من هذا التعاون تمكنت القوات الأمريكية وبمساعدة (وطنيو بغداد) من قتل حوالي عشرة اشخاص مشتبه في انتمائهم للقاعدة وأعتقلوا 15 اخرين، وهذا العدد وحده بالنسبة للعقيد كويل يوازي مجموع ماحققته القوات الأمريكية طوال الستة أشهر الماضية مجتمعة. 

6.   قول كاتب المقال بأنه ” عند الظهيرة ، كانت مكبرات الصوت الخاصة بمساجد العامرية تذيع نداءات الحرب “حان الوقت لمقاتلة القاعدة”.“. يؤكد بشكل قاطع بأن (الشيخ) لم يكن سوى رأس حربة لتنظيم اكبر من إمكاناته الفردية، وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه في الفقرة 2 أعلاه. 

7.   بعد أن شنت القاعدة هجومها المعاكس في اليوم التالي ومحاصرة المليشيا في جامع (الفردوس) ” يقول المقدم كويل ” كنت أتلقى تقارير مباشرة من إمام المسجد كل 10 دقائق ، “مقاتلوا القاعدة في هذا المكان”، “نحن محاصرون “، “نحن نتعرض للهجوم “، “إنهم حول المسجد “ ” ، وبعد ان قام بإنقاذهم، يقول المقدم كويل “نحن نحتاجهم وهم يحتاجونا…القاعدة أقوى منهم جميعا…لقد زودناهم بالمستلزمات التي يحتاجوها… هؤلاء الناس يعلمون من ينتمي للقاعدة ومن لاينتمي… لا يتعلق الأمر بمدة الإنتشار حتى تتمكن من معرفة هذا الشيء …. نحن لا نعرف هذا الشيء ولن نعرفه ابداً. ” هذه الشهادة للضابط الأمريكي هي وصمة عار وخزي لكل من اشترك بهذه الفتنة المنتنة. 

8.   اما قول أحد (فرسان) هذا الزمن الرديء المدعو (علي حاتم علي سليمان) ” دعونا نكون صريحين، الأمريكان الآن ليسوا هم العدو ” … ” اعدائنا في الوقت الحاضر القاعدة والمليشيات الشيعية”.” فيمثل في رأي المتواضع ، محاولة بائسة ومكشوفة لإعادة تعريف الأهداف والأولويات الوطنية الحقيقية وبما يُقزِّم إنجازات وتضحيات المقاومة وفصائلها المجاهدة ويحرفها عن كفاحها الوطني للخلاص من الإحتلال البغيض. 

9.   ولعل أكثر المواقف إيلاماً في موقف هؤلاء المتعاونين مع المحتل هو ما حصل بعد ذلك ، حيث يقول كاتب المقال :- ” في يوم الجمعة، الأول من حزيران، أرشد المقاتلين الجنود الأمريكين إلى مخزن ضخم للأسلحة في العامرية، يضم أسلحة قنص، أسلحة رشاشة روسية الصنع ، قاذفات صواريخ محمولة على الكتف (آر بي جي) والآلاف من الطلقات والذخيرة المتنوعة، كلها مخبأة في غرفة سرية لا يمكن الوصول إليها إلا بعد إزالة صندوق قاطع الدورة الكهربائية والزحف عبر فتحة. ” و لا أدري كيف يقوم فصيل يدعي أنه مقاتل أو مقاوم بإرشاد عدوه المفترض إلى مخزن أسلحة ، ثم يقوم بإستجداء بعضها منه، وفي سبيل ذلك يسلم العدو كل ما يساعده في التعرف على شخصية عناصره من بصمات اصابعهم ومسح شبكية اعينهم وعناوينهم كي يسهل تعقبهم اذا ما خانوا عدوهم السابق وحليفهم الجديد !! . موقف غريب يستعصي على الفهم وتصرف أبله وعبثي الى حد لا يصدق . 

10.                      ولا يسعني في ختام تعليقي على بعض فقرات المقال إلا أن اذكر القاريء الكريم بما أقر به قائد كتيبة الإحتلال في العامرية واعتبره اصدق ما قاله وهو بأن ” لاشئ نجح سابقاً في العامرية ” ، وهو في قوله هذا يكون قد أختزل الكثير مما يمكن أن يقال في هذه المصيبة، حيث أنه من وجهة نظر المحتل لا شيء نجح سابقاً في العامرية ( أو يمكن أن ينجح في أي بقعة عراقية  تقاوم الإحتلال )  إلا شيء واحد هو ….. الخيانة . 

11.                       وأقول أخيراً إن ما لم يتعرض له كاتب المقال هو:- كيف وصلت الأمور الى هذا الحد وكيف تسنى لهذا (الشيخ) أو (إمام المسجد) أن يفتح قناة التعاون الميداني مع المحتل؟. وهنا لابد أن نتحدث في ما هو (مسكوت عنه) ونشير إلى الحديث الهامس الذي يدور في بعض الأوساط السياسية الداعمة لمشروع المقاومة أو القريبة منها، وهو ذلك الدور الذي يقوم به بعض (وعاظ السلاطين) من نجوم القنوات التلفزيونية الفضائية اياها والممولة بالبترو-دولار من ثروات اُسر خليجية حاكمة ، ومن هؤلاء (الوعاظ) من كان (فعل ماضي) معارض لتلك الانظمة الخليجية الظلامية إلى وقت قريب، بل إنه كان زبوناً دائماً لزنازين مخابراتها وأجهزتها القمعية، قبل أن  يتحول (بقدرة قادر) إلى وسيط غير نزيه بين بعض أطراف من فصائل المقاومة كانت (فعل ماضي آخر) تقاوم مشروع الإحتلال وتحولت عن ذلك لمحاربة تنظيم القاعدة وغيره بعدما بدأت (تقبض) تمويلاً من أجهزة مخابرات تلك الأنظمة التي أسموها بـ (الرباعية العربية)، والتي تشرف عليها بشكل مباشر سيئة الذكر كوندوليزا رايس. بل ان أحد هؤلاء (الوعاظ) قام قبل أيام قليلة بالتبرؤ أمام الله من اسامة بن لادن ومن فكره الذي تسبب (حسب قوله) في مقتل الآلاف من المسلمين ، وهذا أمر حسن ولكن الا يحق لنا ان نتساءل كيف حدث أن نسي هذا (الشيخ) المحترم ان يتبرأ في طريقه من سياسات حكومته أو (بأضعف الإيمان) من فكر استاذ الجامعة الخرف (فؤاد عجمي) وزميله (زلماي خليل زاده) المتصهينين حتى النخاع ، واللذان تسببت افكارهما المعلنة والمنشورة منذ سنوات حول (الفوضى الخلاقة) (أو على الأصح (العشواء الخلاقة)) بالتمهيد لغزو العراق ومقتل اكثر من مليون وربع المليون عراقي وتشريد الملايين من أبنائه في المنافي داخل وخارج العراق و إهدار ثرواته وتعطيل دوره القومي والإسلامي والإنساني لعشرات السنين ، فكلاهما واحد من حيث النتيجة وفق المقاييس المنطقية للـ (الشيخ) ، لكونهما قد تسببا في قتل وايذاء الكثير من المسلمين.

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى

الجزء الثالث

 

مجالس "سياسية" للمقاومة أم مجالس "لتسييس" المقاومة

حديث مكرر في (نظرية) المؤامرة

رعد الجبوري

31 آيار 2008

أنظر الرابط

http://www.albasrah.net/ar_articles_2008/0608/ra3ad_010608.htm

 

عوداً على مقالين لنا نشرا، الأول كان بعنوان " نُذُر (التهدئة) المشؤومة.... أحاديث في ما هو مسكوت عنه في موضوع المقاومة العراقية" في 22-9-2007 والثاني بعنوان "لا شيءَ نجََََََحَ سابقاً في العامرية... إلا الخيانة" في 25-9- 2007

وشرحنا فيهما بعض ما حصل في حي العامرية ببغداد من قتال بين بعض فصائل المقاومة العراقية (وتحديداً الجيش الإسلامي) مع مقاتلين وتنظيمات محسوبة على تنظيم القاعدة، كنموذج لما يحدث اليوم على أرض العراق. ومحاولة دراسة ماذا حصل أو إستنتاج ما قد يحصل في قادم الأيام وأثر ذلك تحديداً على مجمل الصراع بين عناصر مشروع الأحتلال ككل من جهة وبين القوى المقاومة والممانعة لهذا الإحتلال من الجهة الأخرى.

وخلال الأشهر اللاحقة جرت احداث وصدرت تصريحات حول نفس الموضوع ومواضيع قريبة منه. سنحاول فيما يلي التذكير ببعضها كي ننتقل بعدها الى محاولة لرسم صورة دقيقة (قدر الإمكان) لما جري بالفعل في ميدان القتال في العراق كتوطئة لتهيئة (المسرح السياسي) الذي يعمل الاحتلال وحلفاؤه على انضاجه وتسويقه وتمريره. وفيما يلي استعراض لبعض الاحداث والتصريحات التي قد تسهم في فهمنا لما يجري في اللحظة الراهنة على الصعيد السياسي:-

صرح الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية بثت يوم الجمعة 5-10-2007

انظر الرابط : http://www.radiosawa.com/arabic_news.aspx?id=2008407

ووصف فيه قتال العشائر العراقية وعدد من الفصائل السنية المسلحة للقاعدة بأنه "مساعدة للمحتلين"، وبأنه "حجة للاصطفاف إلى جانب العدو لتحقق رغبته". وهذا بالضبط هو ما حذرنا منه في حينه في المقالين الآنفي الذكر.

منذ اكثر من ستة اشهر شهدت الساحة العراقية زيادة متصاعدة في كثافة العمليات التي استهدفت رموز وشخصيات تنتمي لما يسمى بمجالس (الصحوة) أو (الإنقاذ) لمحاولة القضاء على هذه (الردة) التي أسس لها جيش الاحتلال، وساعد على تكوينها بعض الساسة والشخصيات والاحزاب الموجودة حالياً في الحكومة والبرلمان، وكذلك ساعد فيها بعض من كان محسوباً على فصائل المقاومة في العراق. وهذه الزيادة بدأت حتى قبل اعلان (دولة العراق الإسلامية) بدء حربها المعلنة ضد (الصحوات). وقائمة الذين قضوا من رموز ما يسمى (الصحوة) أو (الإنقاذ) طويلة و تمتد رقعتها على امتداد العراق، بدءاً من فصال الكعود وماجد الخميس وعبد الستار ابو ريشة من الأنبار مروراً بناجي جبارة ومن ثم ابنه معاوية وكذلك سعد النفوس (مدير شرطة بيجي) وثامر القيسي (آمر فوج صحوة) وحمد الجبوري وانتهاءاً بما حدث في قرية (شفته) في ديالى، حيث قتل مسؤول من حركة (حماس) العراق في ديالى وكذلك مدير الوقف الشيعي في ديالى. وسوى هؤلاء وهؤلاء قتل الكثير من اشباههم في باقي المحافظات ومنها بغداد في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

 وحول ماحصل في قرية "شفته" تحديداً يبرز لنا سؤالاً مشروعاً وهو:- كيف حصل هذا؟، وبماذا يبرر مقاتلوا (حماس) العراق؟. هل سوف يقولون انه لم يعد منهم؟. كما فعل الجيش الإسلامي قبل حوالي عام مع رجله في العامرية سعد العبيدي (ابو العبد)، والذي ثبت انه لا زال على صلة تنظيمية بهم حتى الآن

 

 

الجالسون في الصورة من اليمين الى اليسار : برهم صالح نائب رئيس وزراء حكومة الاحتلال الحالية للشؤون الامنية، الجنرال بيتريوس قائد جيش الإحتلال في العراق، المقدم ديل كويل Dale Kuehl الضابط الأمريكي المسؤول عن العامرية،

سعد العبيدي (ابو العبد) القيادي في الجيش الإسلامي وقائد ما يسمى "ثوار بغداد" في حي العامرية غرب بغداد.

 

في 4-9-2007 تأسس مجلس سياسي للمقاومة العراقية ولم يتم الإعلان عنه حتى 10-10-2007، وقد بارك مجلس (علماء) العراق وبتاريخ 14-10-2007 هذه (الخطوة) ودعى الى الإسراع بها. واعتبر ذلك بأنه "يمثل نقلة نوعية في العمل المقاوم يمهد للمقاومين جني الثمار بعد نجاحهم الكبير قبل أن يسرق جهودهم لص آخر"!!!!.

وقبل أن نستمر في نفس السياق سنضطر للتوقف قليلاً عند مجلس (علماء) العراق لنرى موقعه في هذا المشهد ودلالات الإعلان عنه وتوقيت عقد مؤتمره التأسيسي بعمان في آيار 2007 م والضرورة الموجبة لتأسيسه التي وردت في بيانه التأسيسي بأنه جاء "ليسد فراغاً في العمل الشرعي والفقهي في العراق" والشخوص الذين تصدروا القيادة في هذا المجلس هم الشيخ نعمان عبد الرزاق علوش، يساعده نائبان هما رئيس ديوان الوقف السني الشيخ أحمد عبد الغفور السامرائي والممثل السابق لهيئة علماء المسلمين في الخارج الدكتور محمد عياش الكبيسي.

انظر الرابط :  http://www.aljazeera.net/news/archive/archive?ArchiveId=1037810

والشيخ نعمان عبدالرزاق رجل طاعن في السن وهو من الرعيل الأول من "الإخوان المسلمين" ومن المؤسسين الأوائل لما يعرف بالإسلام الحركي في العراق، وابتعد عن المشهد منذ عقود ولم يعد احد يسمع عنه لعشرات السنوات عدا مجموعة ضيقة جداً من العلماء والمختصين في امور الشريعة، وفجاة يظهر ليملأ الواجهة ويتصدر "المرجعية" السنية (إذا صح التعبير). وسؤالنا هنا هو لماذا إختفى الشيخ طيلة هذه السنوات؟ ولماذا لم يتصدى للشأن العام في العراق قبل ذلك؟ ولماذا يظهر الآن بهذه القوة والفجائية بينما كان من المنطقي (بل والأفضل ربما) أن يتصدى لواجهة العمل الإسلامي بعد الإحتلال مباشرة مثلاً وليس بعد اكثر من اربعة سنوات من عمر الاحتلال؟. وسوف لن ندخل في تخمينات وترجيحات ولكننا نقول انه ربما اراد "الداعمون" لفكرة رئاسة الشيخ (نعمان) لهذا المجلس منذ البداية هي محاولة إستغلال "الرمزية" التاريخية والسياسية الإسلامية لهذا الشيخ، فزجوا به كنوع من الإحتياطي الإستراتيجي (المضموم) بالنسبة لهم لتحقيق اهداف أخرى غير معلنة من وراء تشكيل هذا المجلس. وربما كان ايضاً من باب خلق نوع من الموازنة أو "الرمزية" المنافسة لما يعتبروه (رمزية) وجود الشيخ حارث الضاري على رأس هيئة علماء المسلمين، لما يمتلكه من موقف ثابت ومبدئي من الاحتلال الامريكي للعراق، مضافاً اليه ما تملكه عائلة (الضاري) من إرث وسمعة وطنية واحترام وتقدير عال على المستوى الشعبي، لأسباب تاريخية تتعلق بدور جده الشيخ ضاري (رحمه الله) في مقارعة الاحتلال البريطاني للعراق في القرن الماضي.

ولا يمكن فصل ذلك أيضاً عن خطوة مهمة حصلت بعد عدة أشهر، الا وهي إحتلال مقر هيئة علماء المسلمين بأمر من رئيس الوقف السني احمد عبد الغفور السامرائي. وليس مصادفة طبعاً ان يكون (السامرائي) هو نفسه الرجل الثاني في مجلس علماء العراق، وهو المفتاح الأهم لمغاليق فهمنا وإدراكنا لـ "ضرورات" تشكيل "مجلس علماء العراق".

ولفهم خلفية (احمد عبد الغفور السامرائي) سوف نستذكر معاً شيئاً من تاريخ هذا الشخص، فبعد أن هرب من سامراء اواخر التسعينات بتهمة تطرفه لكونه (سلفياً) كما شاع في حينها، تم تعيينه اماماً وخطيباً لمسجد (الأخوة الصالحين) في العامرية، وبدأ في حينها رحلة التملق للسلطة والتسلق في المناصب الدنيوية بدءاً من مدير المدارس الدينية في وزارة الأوقاف، وبعدها تحول الى (الصوفية) كي يتقرب للرجل الثاني في السلطة آنذاك. وبعد الإحتلال الأمريكي أمَّ المصلين بجامع (الاخوة الصالحين) وبدأ يتحدث بسوء عن النظام السابق ويحمله الهزيمة بسبب طغيانه، فأستنكر المصلون منه ذلك وقاموا بضربه بشكل مبرح وتهديده فخرج هارباً من المسجد ولم يعد. أما سيرته بعد ذلك فقد اصبحت معروفة لدى الجميع عندما تملق لسيده الجديد (عدنان الدليمي) احد اقطاب (جبهة التوافق) التي شاركت بعدها في العملية السياسية، ثم قام بإزاحته لاحقاً واحتلال موقعه الاداري في الوقف السني، بعد ان غير وجهة ولاؤه الى عضو مجلس الحكم ابراهيم الجعفري ورئيس وزراء الحكومة الإحتلالية الثالثة.

وبدأ الإعلام بتسويق (احمد عبد الغفور السامرائي) للشعب العراقي على انه "رمز" من رموز "الوسطية" و "الإعتدال"، كما يفهمها ويريدها طبعاً الإحتلال واعوانه. وهذه "الوسطية" أو على الأصح "التوسطية" والتي قد تعني لهم اساساً بان يقوم بـ "التوسط" بين ضابط جيش الإحتلال الأمريكي وبين "أمير" من "أمراء" الفصائل المسلحة مثل المدعو ثامر التميمي "ابو عزام". وكما هو واضح في الصورة ادناه، ولا داعي للتعليق فالصورة التالية تغني عن كل بيان مع الرجاء ملاحظة اقدام الموجودين في الصورة والتي اخذت في مسجد.

وصعد نجم " ابو عزام " في المراحل الزمنية اللاحقة، وتم تسميته كـ "مستشار لشؤون الصحوات"، وبعدها اعلن في نيسان 2008 عن تأسيس جبهة سياسية للصحوات اسماها جبهة "الكرامة". وقال في كلمته التي نقلتها الفضائيات في حينها: "نحن نرى إن هذه المرحلة هي للمقاومة السياسية ولا نرى ضرورة لمقاتلة القوات الأمريكية"!!!. وكان في الصف الأول من ذلك الاحتفال سعد العبيدي "ابو العبد" والذي قد اوكل اليه سابقاً مهمة القضاء على تنظيم القاعدة في منطقة العامرية، ويبدو انه تم تجنيده منذ وقت مبكر، ربما حتى قبل الحادثة الشهيرة والتي يعرفها معظم المقاومون في العامرية حين القت القوات الأمريكية القبض عليه داخل سيارة محملة بالأسلحة، لكن تم الافراج عنه في صباح اليوم التالي!!!. وقد برر "ابو العبد" ذلك الافراج بأنه أبلغ الذين اعتقلوه بانه ليس أكثر من سارق سيارات، كان قد سرق السيارة قبل لحظات من اعتقاله ولا يعلم ما فيها، وهم قد وصدقوا روايته وبذلك افرجوا عنه!!!!. ويعلم كل العراقيين في الداخل العراقي ان التحقيق مع المعتقلين لا يتم الا بعد اكثر من 24 ساعة، ويستمر مع الأبرياء من المدنيين لعدة ايام يتم على عدة جلسات، كما يعلم العراقيين بأن عقوبة من يضبط معه سلاح في سيارته هي السجن لـ 11 عاماً بغض النظر عن كونه بريئاً أو متورطاً.

ولاحظنا أيضاً أنه قد تصدر الجالسين في الصف الأول من أحتفال الإعلان عن جبهة "الكرامة" شخص ملتحي جلس بجاور "ابو العبد"، وهو "الشيخ" وليد "ابو هاجر"، والأخير هو ذاته إمام جامع الفردوس (جامع التكريتي سابقاً) في العامرية، وهو من اشعل فتيل الحرب على القاعدة في العامرية والتي اوردنا تفاصيلها الدقيقة في المقالين اللذين كتبناهما واشرنا لها اعلاه، وفيهما لم نذكره بالأسم حتى لا نتهم بالتحريض عليه. و"الشيخ" وليد كان قد تم تجنيده على ما يبدو في عام 2004 بعد أن تم إعتقاله من قبل الجيش الأمريكي ثم افرج عنه بعد أيام. بأسلوب (التجنيد عبر الإعتقال) الذي تم اعتماده كثيراً من قبل الجيش الأمريكي في تجنيد امراء ومقاتلي ومناصري الجيش الإسلامي والفصائل الأخرى وكذلك التيار الصدري.

 

من جانب آخر اصدر الحزب "الإسلامي" الذي يرأسه (طارق الهاشمي) بيانه المرقم 159 في 18-10-2007 (انظر الرابط: http://www.ikhwan.net/vb/showthread.php?t=41190) والذي أعلن دعمه وتأييده لمشروع "المجلس السياسي للمقاومة". وجاء في بيان الحزب ايضاً (إقتباس):

"إن الحزب الإسلامي العراقي لطالما دعا الفصائل الوطنية إلى ضرورة الإعلان عن مشروعها السياسي كي لا تذهب الدماء الزكية سدىً ولأجل أن تخطو تلك الفصائل الخطوة الأولى لإنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة للعراق والعراقيين والسعي إلى تحريره من كل أشكال الاحتلال والتبعية.

إننا نتمنى أن يكون المجلس مفتوحاً لقبول جميع الفصائل الراشدة التي لم تدنس سمعتها الإسلامية والوطنية بل ولجميع الاتجاهات السياسية الوطنية على كامل التراب العراقي كي يتحول المشروع إلى مشروع وطني شامل.

 كما نطالب الحكومات العربية والإسلامية والهيئات والمنظمات الدولية بالتعامل مع المجلس السياسي والاعتراف به كونه ممثلاً لشريحة مهمة من شرائح المجتمع العراقي، إذ إن دعم المجلس سيكون عاملاً مساعداً لاستقرار البلد واسترداد سيادته.كما وإننا نعلن استعدادنا لدعم أي مشروع وطني ينقذ العراق ويخدم شعبه ويحقق وحدته". (إنتهى الإقتباس)

وفي الإقتباس اعلاه قمت بوضعت خطوط على بعض الجمل المهمة التي قد تساعدنا على فهم جانب مما جرى خلف الكواليس منذ عام ونصف ولا زال يجري لغاية الآن، والتي سنقوم بربطها لاحقاً مع ما يشبهها في بقية الصورة. مع التأكيد على عبارة (الفصائل الراشدة) وكيف تم تفسيرها في الفقرة اعلاه.

اما (طارق الهاشمي) والذي يشغل منصب (الأمين) العام للحزب (الاسلامي) العراقي فقد كان رد فعله فورياً وكان من اوائل من باركوا وفرحوا بشكل استثنائي بتأسيس مجلس سياسي للمقاومة من خلال تصريحات صحفية له. وعندما نضع في الاعتبار تعاون (الحزب الإسلامي) مع مشروع الإحتلال من خلال مساهمته الفاعلة في مؤتمر لندن قبيل الغزو وفيما بعد في مجلس الحكم بعد الإحتلال، ودوره بعدها في كل مراحل "العملية السياسية"، ودوره في انقاذ تمرير الدستور والانتخابات الأخيرة بتضليل الناخبين العراقين عشية انتخابات يوم 15-10-2005 حول امكانية تعديل كل بنود الدستور الخلافية بفترة لا تتجاوز اربعة اشهر بعد الإنتخابات!!!!.

في نفس السياق صرح (سليم عبد الله الجبوري)، وهو قيادي في الحزب (الاسلامي) العراقي ونائب في البرلمان العراقي عن جبهة (التوافق)، خلال برنامج على الجزيرة مباشر بتاريخ 17-10-2007 وتعليقا على تأسيس مجلس سياسي للمقاومة وقال ما مضمونه " ان هذه الخطوة (مباركة) طال انتظارها "، كما قال "من الملاحظ ان هناك حدوث فرز واضح للقوى التي تقاوم الاحتلال عن التكتلات والقوى الارهابية التي تستهدف الأبرياء".

ولو استعرضنا بتمعن كل ما جاء اعلاه لأصبحت لديناً قناعة يفرضها المنطق والتفكير السليمين بأن هذا المجلس (أي المجلس السياسي للمقاومة العراقية) تحيط به الشبهات من حيث اهدافه النهائية التي قصد بها من تأسيسه. وتؤكد بما لا يقبل الشك فرضية نظرية (المؤامرة) التي طالما تأمروا علينا بغرض اقناعنا بأنها ليست سوى (خرافة).  

هناك حادثة جديرة بالذكر حدثت بتاريخ 10-10-2007 حين قامت مجموعة مسلحة باستهداف (رجل دين) يدعى (علي عبد) والملقب بـ (ابو بلال) في منطقة (ابوغريب) وكان (أي ابو بلال) دائم التحريض للناس من على منبر المسجد لقتال القاعدة.

وخلال عودة المجموعة التي نفذت عملية الاغتيال الى مواقع انطلاقها، تم رصدها ومتابعتها من قبل احدى الطائرات الامريكية فقامت بإستهدافهم بصاروخ أدى الى مقتلهم جميعاً وعددهم عشرة، حسب ما ذكر، اضافة لثلاثة آخرين. وبعد التحقيق تم التعرف على بعض الجثث واتضح انهم من تنظيمات القاعدة. الى هنا والخبر عادي، ويمكن ان يحدث كل يوم في ساحة القتال. إلا ان الغريب ان يقوم جيش الاحتلال بعد ذلك باصدار تصريح صحفي اشبه ما يكون بالنعي لرجل (الدين) هذا (أي ابو بلال)، وكأن قيادة جيش الاحتلال تحولت الى مرجعية او مؤسسة دينية تنعى منتسبيها. انظر في موقع القوات المتعددة الجنسيات في العراق الرابط:  http://www.mnf-iraq.com/index.php?option=com_content&task= view&id=14548& Itemid=21).

اما الأغرب من ذلك كله في هذه الحادثة هو ما حصل بعدها، حيث قامت احدى الفصائل (الجهادية) التي تدعّي بأنها تقاوم الاحتلال باصدار بيان نعي لنفس القتيل، وهذا الفصيل الذي يطلق على نفسه الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية واختصاراً (جامع) هو عضو مؤسس في (المجلس السياسي للمقاومة العراقية)، وقد وصف القتيل ببيان النعي بأنه :

" أسداً من أسود الجهاد العراقي الأخ المجاهد الشيخ علي عبد (أبو بلال) أحد قادة الجهاد في العراق ورمز من رموز الوسطية والاعتدال والذي استشهد على أيدي فئة مجرمة مأجورة باعت دينها بثمن بخس لاقت مصيرها في الدنيا بالهلاك قبل الآخرة بالعقاب من الله الجليل المتعال...."

 

لاحظوا عبارة (لاقت مصيرها في الدنيا بالهلاك)!!!. سبحان الله فالشهادة بصواريخ طائرات الإحتلال تسمى (هلاك). أما وصف البيان له بـ (رمز من رموز الوسطية والاعتدال) فهذه مسألة اخرى على جانب كبير من الاهمية، ولقراءة نص بيان (جامع)

انظر الرابط : http://www.aljazeeratalk.net/forum/ showthread.php?t=77555

وهنا يبرز امامنا سؤالاً مهماً وهو:- كيف يفسر لنا هذا الفصيل الذي يقاوم الاحتلال، ان يكون (فقيده) هو (خسارة) لجيش الاحتلال؟ وكيف يحدث ان تتوحد خسارة (الفقدان) للاحتلال والمقاومة في نفس الشخص؟؟. وما هو رأي الآخرين في جبهة الجهاد والإصلاح بفصائلها الأربعة (الجيش الأسلامي)، جيش المجاهدين، جماعة انصار السنة – الهيئة الشرعية، واخيراً حماس العراق. والذين يضمهم ايضاً المجلس السياسي للمقاومة.

 

في نفس السياق وبتاريخ 19-10-2007 ومن على شاشة قناة الجزيرة الفضائية امتدح رئيس جبهة الحوارالوطني (صالح المطلك) قيام مجلس سياسي للمقاومة، ودعى جميع فصائل المقاومة الى الإنضمام اليه. وهذا ربما يترافق لاحقاً الى الدعوة لتوسيع هذا المجلس ليضم كل من (يقاوم) الاحتلال حتى لو كان (سياسياً) بمن فيهم الذين انخرطوا في "العملية السياسية" التي أسسها ورعاها الإحتلال.

وليس مستبعداً بعد ذلك اننا قد نشهد او نسمع من بعضهم طلباً "مشروعاً" بتوسيع قاعدة المنضمين الى هذا المجلس السياسي ليشمل كل من اشترك في العملية السياسية بقصد "الاصلاح وتخفيف الضرر" أو كل من طالب او صرح بجلاء قوات الاحتلال، وإن اختلفوا على التوقيت والكيفية. وهنا سنجد تشكيلة واسعة و(معتبرة) وتضم كافة رموز جبهة التوافق. ويمكن ان تضم أيضاً قائمة أياد علاوي واحمد الجلبي وحاجم الحسني!!!. خصوصاً ان هؤلاء كلهم سبق ان صرحوا في يوم ما بأن على القوات الامريكية ان تغادر العراق، ولم يقولوا طبعاً متى أو كيف أو بأي ثمن. وكأن الشعب العراقي اصيب بفقدان الذاكرة ولم يعد يذكر ان هؤلاء انفسهم دخلوا العراق مع الاحتلال بعد أن قاموا بمعاونته والتنسيق معه قبل وبعد الإحتلال.

بتاريخ 28-10-2007 تنادى مجموعة من العراقيين الخيرين وبالتعاون مع بعض فصائل المقاومة والسياسيين الوطنيين والكتاب خارج العراق، والذين نذكر منهم السادة رائد الحامد، غياث الدين العزاوي وكاظم حسن عبد الرحمن، الموقع الإلكتروني لدار بابل للدراسات والإعلام. والذين قاموا مجتمعين بحملة مباركة لفضح وتعرية مخطط لتشكيل ما سمي (الجبهة المركزية للاصلاح والتنمية) والتي تشمل ايضاً تجمع عشائري اسموه بمسمى جديد هو (مجلس لشيوخ واعيان العراق) وكان جاهزاً للتنفيذ خلال أيام. وهذه (الجبهة) كان قد تم طبخها من قبل احد اجهزة المخابرات الاقليمية لصالح مشروع الاحتلال. ولعل ابرز ما اشارت اليه وثائق تأسيس تلك "الجبهة" هو :- "ايمانها" ودعوتها الى تحويل "الاحتلال" الى "شراكة تجارية وعلمية" انظر الرابط

 

 http://www.albasrah.net/ar_articles_2007/1007/ kadem_281007.htm

وقد تم رصد تمويل مالي تجاوز عشرات الملايين من الدولارات بمعونة بعض العراقيين المقيمين في الخارج وتغطية لوجستية من الهلال الاحمر العراقي!!! الذي كان يتولى توزيع الحقائب المليئة بالدولارات بسيارات الإسعاف الى بعض (شيوخ) العشائر ورؤوس (الصحوات)!!!. وبالفعل فقد تم فضح المخطط وأضطرت تلك الجهات الى الغاء كل شيء في اللحظة الأخيرة.

وقبل ان ننهي هذا الجزء نعود للتأكيد على ان مبدأ تشكيل (مجلس سياسي) لبعض فصائل المقاومة أو اي أمر مشابه يوحي بتوحيد الجهد المقاوم هو امر محمود وجيد ولكن يفترض ان يكون في سياقه التاريخي والمنطقي.

 ورغم اننا نتفق ابتداءاً مع ما ذهب اليه احد المفكرين السياسيين العرب (وهو الدكتور عزمي بشارة) بأن:- "المقاومة العراقية ليست بحاجة الآن (في هذه المرحلة من الصراع) الى منهاج وبرنامج سياسي، وان الرصاصة التي يطلقها من يقاوم جيش الاحتلال هي اكثر بلاغة ووضوح من اي برنامج سياسي". ولكن هذا لا يعني بالضرورة ان المقاومة ليست بحاجة الى برنامج او مجلس سياسي على وجه الإطلاق، بل إن المسألة بكل بساطة تتلخص في متى ولماذا وكيف نشكل المجلس السياسي للمقاومة؟؟؟ وممن نشكله.

وللإجابة على هذا التساؤل نقول بشكل أولي بأن "المجلس السياسي" قد يكون ضرورة ولكنه في الوقت الحاضر ليس له صفة الإستعجال، فالإحتلال لا يزال يجثم على صدور العراقيين ويقتل البشر ويهدم الحجر وكل ما طالته يده وايدي حلفاءه داخل وخارج العراق، وهو يقوم بمطاردة وإستهداف كل من له صلة بالمقاومة من قريب أو بعيد. وبالتاكيد فإن هذا الإحتلال سوف لن يسمح لأحد أياً كان بالعمل بالضد من مشروعه حتى لو كان فعله ضمن الساحة السياسية أو الإعلامية فقط. فهذا الاحتلال عودنا على انه يعيش "حالة إنكار" (كما وصفها الكاتب الصحفي بوب وودورد) بدءاً من إنكار الآخر وإنكار اخطائه وإنكار حتى هزائمه وخسائره. فكيف له ان يقنعنا بأنه سوف لن يقوم بـ "إنكار" المقاومة إذا ما شكلت مجلساً سياسياً؟. وإن فعل فإنه لا يسعنا تصديقه الا إذا اعلنت قوات الإحتلال والإدارة الأمريكية على الملأ رغبتها في الإنسحاب نهائياً من العراق. وعززت ذلك بطلب رسمي الى مجلس الأمن تؤكد رغبتها (غير القابلة للنقض) في الانسحاب بحدود زمنية معقولة لا تتجاوز سنة واحدة (مثلاً)، والاعتراف بكل الجرائم التي اقترفوها بحق العراق (كل العراق) واستعدادهم ايضاً لتعويض العراق والعراقيين بشكل منصف وعادل عن كل ما عانوه. فعند ذاك فقط يمكن ان يكتسب تشكيل "مجلس سياسي" للمقاومة أهمية وأولوية قصوى، على الاقل لإسباب تفاوضية.

وبالمقابل فإن نشوء وصعود وتضخيم ظاهرة "الصحوات" كما نراه هو مادة للاستهلاك الإعلامي وتأتي ضمن (إستراتيجية الإيهام بالنصر من خلال المزاعم) كما اعترف بوش قبل أسابيع بأنه قد مارسها بالفعل في عام 2006 عندما كان في قمة احباطه ويأسه من اي نصر وكان على وشك إعلان هزيمته وإنسحابه. كذلك يفترض ان نفهم تلك الظواهر (اي الصحوات) على انها ليست سوى صفحة من صفحات الاحتلال. أو نوع من اعادة الاحتلال ولكن بأساليب اكثر "نعومة"، وذلك بجعلها عنوان المرحلة الحالية وتقديمه على اساس انه قتال العشائر ضد القاعدة في حالة واضحة من (إعادة توجيه) الوعي أو(الكي) إن أمكن، والذي يحاول ان يجربه علينا الاحتلال الأمريكي، كما حاول قبلها الكيان الصهيوني في موضوع لبنان، والذي عبر عنه السيد حسن نصر الله في خطابه يوم 24-3-2008 في اربعينية عماد مغنية.

لقد كان التركيز على موضوع (الصحوات) حتى في خطابات بوش يوحي، بل ويؤكد لنا، بأن الهدف المخفي هو تأسيس(وعي) بديل، للإيهام يتحقيق انجاز ما للاحتلال على الارض، وفي ذات الوقت يهدف الى زرع عنصر جديد من عناصر التدمير الذاتي للمجتمع العراقي، بعد ان انتهى النفخ العقيم في موضوع الاقتتال الطائفي وقبله اجتثاث البعث ومحاربة التكفيريين وسواها الكثير الكثير من الصفحات (يوميات) للاحتلال.

وسوف اكتفي بهذا القدر في الحديث عن هذا الموضوع، ولايفوتني قبل ان اختم الى ان اشير الى الكثير من التفاصيل المهمة والتحليلات الغنية حول الموضوع نفسه، والتي دونها الكاتب والسياسي العراقي الاستاذ رائد الحامد في سلسلة مقالاته الموسومة "الأضواء العشرة على الفصائل المسلحة"، راجياً القاريء الكريم الاطلاع عليها لزيادة الفائدة ولتوضيح اكبر في الصورة. وفي الجزء التالي سوف نناقش ان شاء الله جوهر "العملية السياسية" وكيف ان التطورات السياسية الحالية في موضوع "الصحوات" و "المصالحة الوطنية" وسواها من المصطلحات هي في الواقع العملي وجوه متعددة لصيغة واحدة.

انتهى الجزء الثالث

raadaljibouri@gmail.com

جريدة الصوت 31/5/2008

 

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة واشياء اخرى

الجزء الرابع

 

العملية السياسية... الأستدراج والتوريط

12 تموز 2008

أنظر الرابط

http://www.albasrah.net/ar_articles_2008/0708/ra3ad_120708.htm

 

في الاجزاء الثلاثة السابقة حاولنا رسم صورة أولية للمسرح السياسي العراقي بعد الاحتلال من خلال لقطات متناثرة لبعض ما جرى على المشهد السياسي في العراق بين عامي 2003-2007. وبعد ان ثبت للإدارة الامريكية فشل الحل العسكري وحده في حسم الصراع بين الاحتلال والمقاومة وبعد ان زادت اخطاء الاحتلال الوضع سوءاً في العراق بالنسبة للادارة الامريكية. حينها بدأت هذه الإدارة بالإصغاء الجزئي والانتقائي لبعض نصائح المستشارين والمختصين ومراكز الأبحاث ولجان التحقيق التي كان هدفها المعلن التحقيق في إخفاقات الإدارة في العراق وهدفها الضمني هو محاولة إنقاذ مشروع الاحتلال بأدوات سياسية، وعلى رأس هذه اللجان هي لجنة (بيكر-هاملتون) التي نصحت بزيادة الاعتماد على الأدوات السياسية جنباً إلى جنب مع الوسائل العسكرية لغرض منع المزيد من التدهور والفشل لمشروع الاحتلال، وينبغي هنا أن نعيد التذكير باعتراف الرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن) قبل أسابيع بأنه اضطر للزعم في عام 2006 بأنه واثقاً من أن النصر بات قريباً على عكس ما كان عليه الواقع على الأرض في العراق وذلك لكي لا تتضرر الروح المعنوية لجنوده!! وقد كان هذا التصريح في نفس الفترة التي وصلت فيها لجنة (بيكر-هاملتون) الى قناعات بنتائج معاكسة على اللارض. من جهة اخرى وفي نفس السياق فقد كانت توصيات مؤسسة (راند) للدراسات الدفاعية، وهي واحدة من اهم مؤسسات البحوث المتعاقدة مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) منذ عقود طويلة. حيث اوصت (راند) بجملة من التوصيات كان ابرزها استخدام (الضد النوعي) للقضاء على المقاومة العراقية (أو التمرد كما يسمونه) اي استخدام فصائل عراقية مقاتلة ضد فصائل عراقية اخرى بعد ان يتم (شيطنتها) في وسائل الدعاية والإعلام، وهذا ما تم تطبيقه مع (تنظيم القاعدة) او (دولة العراق الإسلامية) وسواها، وتم ترجمته حرفياً على الارض من خلال تأسيس (لجان الاسناد) و(الصحوات) وسواها، والتي تحولت بعد قتال (تنظيم القاعدة) الى (جبهات) سياسية تنبذ (الارهاب) و(العنف) وتؤمن بضرورة إلقاء السلاح والإنخراط بالمقاومة (السياسية) ضمن (العملية السياسية) التي اسس لها ودعمها الاحتلال.

ولو استعرضنا تاريخ كل الإحتلالات في التاريخ لوجدنا ان الهم الرئيسي لأي احتلال هو نقل الصراع مع من يقاومه والهبوط بمستوى الصراع معه الى الجزئيات وفي ساحات ينتقيها بدقة وبما يضمن تحقيق مصالحه. وبشيء اكثر من التفصيل والتحديد نقول ان الاحتلال الامريكي في العراق حاول (و لا زال) حرف الانظار عن الاحتلال بذاته وبدأ يغرقنا في تفاصيل جديدة كل يوم كي ينقل مستوى الاهتمام الى قضايا و(معارك) فرعية تبعدنا عن التركيز على اصل المشكلة. ومن الأمثلة على تلك المواضيع الثانوية أو الفرعية، على سبيل المثال لا الحصر، هي:- (العملية السياسية)، (محاربة الارهاب)، (الانتخابات ونزاهتها)، (قانون النفط والغاز)، (المصالحة الوطنية)، (خطط فرض القانون)، (الإقتتال الطائفي)، (النفوذ الإيراني)... الى آخره. أو مواضيع اخرى هامشية ضمن المشهد العام مثل (انسحاب جبهة التوافق من الحكومة)، (تجميد جيش المهدي)، (الفساد الحكومي)، (ارتفاع نسبة البطالة)، (هروب نائب في البرلمان الى إيران). والآلاف من هذه المواضيع التي تثار بشكل يومي في وسائل الإعلام ويتم التركيز عليها بشدة ومن ثم تحل محلها قضايا جديدة، وكل ذلك بقصد إبعاد الانظار عن مناقشة مفردة الاحتلال نفسها كونها السبب الرئيسي لكل تلك الحرائق.

وكما ذكرنا في الكتاب الموسوم (المقاومة العراقية للاحتلال الامريكي-صراع الإستراتيجيات والارادات... تأملات عشية الذكرى الرابعة لغزو العراق والمطبوع في دمشق – آذار 2007 والذي نقتبس منه:-

"أن قوات الاحتلال قد سعت منذ الايام الاولى الى تشكيل ما سمي بـ "الادارة المدنية" للاحتلال واختارت لها في البداية جنرالاً متقاعداً بمواصفات خاصة جداً اهمها صداقته لاسرائيل وثانيهما صداقته الشخصية الحميمة مع "السياسيين" العراقيين الجدد وبالاخص منهم الاكراد. واستبدلته بعد فترة زمنية وجيزة بخيار آخر مثير جداً للاهتمام في حينها وهو "سفير" متقاعد لديه اهمية غير منظورة بالنسبة لمشروع الاحتلال، وهي انه متخصص في مكافحة الارهاب. ولعل في هذا الاختيار اكثر من دلالة، فالعراق في حينها لم يكن ساحة للارهاب وليس فيه "ارهابيين" (حتى من وجهة نظر التعريف الامريكي الفضفاض للارهاب)، وكذلك ليس في العراق تنظيمات دينية متطرفة، ولم يكن ممكناً في حينها ان يتخيل أي أحد أنه من المحتمل أو يمكن ان يصبح ساحة للمنازلة الحاسمة بين "الارهابيين" وبين الاحتلال لو تمت السيطرة على الحدود الدولية من اليوم الاول والتي تركت سائبة تماماً لاكثر من سنة، ويبدو ان دور السفير بريمر كان يقتصر على مجموعة من الاهداف غير المعلنة منها على سبيل المثال :-

التأسيس لما سمي بـ "العملية السياسية"، والتي صممت لتؤسس فعلياً لنظام سياسي فيه كل الضمانات الأكيدة لبقاء الولايات المتحدة حاضرة بقوة في الشأن السياسي والاقتصادي والامني للعراق لعقود طويلة حتى وإن غادرته قوات الغزو في اليوم التالي، وبشكل يخرج العراق نهائياً من حلبة الصراع العربي الصهيوني. أو كما ذكر الصحفي والكاتب اللبناني فيصل جلول حين وصف "العملية السياسية" بأنها الاسم الحركي للمشروع الامريكي. (انظر مقال " ثقافة الاحتلال وثقافة المقاومة امام القضاء اللبناني" -فيصل جلول)

تهيئة "المسرح" في العراق لجعله ساحة اعدام للـ "ارهابيين" من كل انحاء العالم وتوفير كل التسهيلات (واحياناً الاستفزازات) التي تزيد من احتمالية دخول هؤلاء الارهابيين الى العراق وبتعاون ودعم استخباري ولوجستي من دول الجوار.

بعثرة الموارد المالية وعرقلة اي جهود جدية لاعادة الاعمار (حتى وان تم التصريح بعكس ذلك) وذلك من خلال الفساد والإفساد والتسويف والمشاريع الوهمية التي تحال الى شركات أمريكية باسعار خيالية وتنفذ في النهاية من قبل مقاوليين عراقيين بتكاليف زهيدة وبمواصفات رديئة جداً، ويذهب الفرق الى جيوب فاسدين من ضباط جيش الاحتلال أو سياسيين عراقيين جدد، أو الى جيوب شركات تجنيد المرتزقة تحت عنوان الحاجة إلى شركات أمن وحماية، واجبها المعلن تأمين سلامة سياسيين عراقيين ودبلوماسيين ومقاولين غربيين (أو ما عرف لاحقاً بخصخصة الحرب، اي احالتها كتعهدات ثانوية لشركات ومقاولين مرتزقة) على حساب تخصيصات الاعمار. واهم قصد من ذلك هو منع العراق من التعافي اطول مدة ممكنة.

 

وسوف نحاول ان نتوقف بشيء من التفصيل على واقع "العملية السياسية" واهم مرتكزاتها ومدى اسهامها لاحقاً في انتقال الوضع من سيء إلى اسوء على صعيد المعاناة اليومية للمواطن العراقي.

ان صعوبة حسم الصراع (عسكرياً) من قبل المحتل لصالحه لا يعني انه سيكون هناك امامه الكثير من الخيارات السياسية، بل ربما لم يعد متاحاً امامه عملياً الآن سوى خيار ما اسماه بـ "العملية السياسية" التي بدأها في العراق بعد الاحتلال راجياً ان تكون بالنسبة له "الجائزة الكبرى" لغزو العراق، ولذلك حرص في كل المراحل الزمنية اللاحقة، وبغض النظر عن وضع جيشه في الميدان، حرص على ان تترجم هذه "العملية السياسية" كل ما كان يأمل من مكاسب ومغانم لغزوه العسكري. فالعراق "الجديد" الذي اراده الاحتلال من خلال "العملية السياسية" يجب ان يكون ضعيفاً مجزءاً بذاته وامام جيرانه ومحيطه الاقليمي وحاملاً لبذور الفرقة والتشتت من خلال التناحر والتنافس الهدام طائفياً وعرقياً واثنياً ومناطقياً، ومن خلال دسائس ومؤامرات داخلية ينفذها عملاء ووكلاء للاحتلال يتسترون بعباءات دينية أوسياسية وقومية، وجاهزون في كل حين لافتعال الازمات بغرض ارباك الوضع السياسي في العراق في كل وقت يطلب منهم المحتل الذي مكنهم من السلطة والداعم لهم مالياً وسياسياً ذلك. ومن خلال نفس تلك "العملية السياسية" يراد للعراق ان لا يتمكن من بناء جيشه الوطني القوي لغرض الدفاع عن نفسه (كحد ادنى) إلا بوجود قواعد و"ترتيبات" امنية مع الولايات المتحدة الامريكية بالاصالة عن نفسها او من خلال حلف الناتو بالنيابة عنها. وبالتبعية الاقتصادية من خلال تقسيم العراق الى إقطاعيات نفطية لشركات النفط الامريكية العملاقة بسن قوانين مستعجلة للاستثمار الاجنبي لقطاع الثروة النفطية، ومثل ذلك في القطاعات الاخرى من خلال اعادة هيكلة النشاط الاقتصادي العام وفق اسس الاقتصاد الرأسمالي "الخصخصة" "واقتصاد السوق" بشكل انتقائي واغراقه بمديونية عالية وربط نشاطه بالبنوك ومؤسسات الهيمنة الاقتصادية الاستعمارية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية (جات) وسواها، وكذلك التأسيس لتبعيته الفكرية للغرب من خلال تفكيك المنظومة القيمية والاخلاقية والدينية والعشائرية والاجتماعية واستبدالها بمنظومة "حداثية" جديدة تروج لها ما يسمى بـ "منظمات المجتمع المدني" و"المنظمات غير الحكومية" و"الدكاكين السياسية" التي تروج لفكر "السلام والتطبيع" مع اعداء الدين والعراق والامة، و"ناشطات" لا ينشطن الا بالترويج لحقوق المرأة وحريتها في "اختيار الشريك الجنسي"، وكل ذلك يتم تمويله ودعمه من مؤسسات ذات مرجعيات مخابراتية وفكرية عقائدية ومراكز "بحوث ودراسات" غامضة موجودة في الغرب و دول حليفة للغرب ومنها دول عربية.

وباختصار شديد اصبح الغزو والاحتلال ومشروع الهيمنة الامريكي لا يملك سوى هذه "العملية السياسية" واضحت ما يمكن ان نسميه "جوهر" و"روح" الاحتلال، لذا فانه يحرص بشدة على ان يبقي عليها، وخصوصاً بعد ان تأكد له ان رحيله عسكرياً عن العراق اصبح مسألة وقت لا اكثر. ولهذه الاسباب وغيرها فأن ما يسمى بـ "العملية السياسية" الجارية في العراق الآن تعتبر الخط الاحمر للإدارة الامريكية الذي لا ولن تسمح بالقفز عليه أو الالتفاف حوله.

 

لقد كان الإحتلال وحكوماته المتعاقبة يسعون طوال الوقت لجر اطراف جديدة الى الدخول في "العملية السياسية" أو اي جزء منها. ولا يفوتنا هنا التذكير بأن هذه "العملية السياسية" قد صممت اصلاً كي تكون غير قابلة للإلغاء وفاقدة لأي مرونة في إمكانية تغييرها من وجهة نظر المصلحة الوطنية العراقية. "

(انتهى الإقتباس)

وهناك سؤال كبير ينبغي أخيراً ان نجيب عليه هو:- لماذا لا يمكن ان تكون "العملية السياسية" مقبولة بالنسبة للمشروع الوطني العراقي؟ ولماذا يؤمن الكثير من العراقيين وبضمنهم كل فصائل المقاومة العراقية بأن هذه "العملية السياسية" هي شر مستطير؟.

وهناك الكثير من الشواهد والادلة التي حصلت في العراق بعد الاحتلال تؤكد انه لا يمكن ان نتأمل خيراً من "العملية السياسية"، ولزيادة في التوضيح سنضرب مثالاً بسيطاً على ما نقوله بالعودة الى جذور تلك "العملية السياسية". فلو استعرضنا ما تتضمنه احدى الوثائق الرئيسية لما يسمي بـ (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات). نجد أن هذه (المفوضية) قد اشترطت على كل الكيانات السياسية والائتلافات التي تنوي الترشح للانتخابات ودخول "العملية السياسية" وجوب توقيع على وثيقة تسمى (قواعد سلوك الكيانات السياسية والإئتلافات) وسوف نستعرض فيما يلي بعض الفقرات المثيرة للاهتمام كما وردت في الإستمارة الأصلية :-

في الديباجة ورد النص (إقتباس)

"يتعين على الكيانات السياسية لغرض تصديقها واعتمادها ان توافق على الإلتزام بقواعد السلوك. وتكون قواعد السلوك ملزمة للكيانات السياسية وقيادتها ومرشحيها واعضائها ومؤازيريها.....إلى آخر النص".

ثم تنص الوثيقة على:-

(إقتباس)

يتعيين على الكيان السياسي:

الإلتزام بكافة القوانين الإنتخابية والمدنية والجزائية السارية في العراق وبخاصة:-

قانون إدارة العراق المؤقت.

التوجيهات المتعلقة بالتجمعات العامة.

منع الكلام بلغة الكراهية والتخويف والتحريض على العنف.

الحظر المفروض على دعم الارهاب وممارسته واستخدامه.

....... الى آخر النص.

 

ثم نجد في الصفحة الثانية من (قواعد سلوك الكيانات السياسية والإئتلافات) ما نصه :-

(إقتباس)

"وعلى الكيان السياسي أن يمتنع عن:

الفقرة (8) إمتلاك قوة مسلحة أو ميليشيا أو ما يُعد من مخلفات النظام السابق أو الارتباط به.

(إنتهى الإقتباس)

 

ان النصوص السابقة تغني عن كل بيان فهي بكل وضوح تطلب من أي "كيان سياسي" يشارك في الانتخابات أو يسمح له الدخول في "العملية السياسية" ان يقر بمرجعية و"دستورية" "قانون إدارة العراق المؤقت". ويمتنع عن التحدث بلغة الكراهية، ويشمل هذا طبعاً قبل كل شيء (كراهيته لقوات الاحتلال) او حتى (كراهية إسرائيل)، ويمتد ذلك الشرط ليشمل منع (انتقاد) الاحتلال او الاحتجاج عليه أو معارضته بحجة (التحريض) على الكراهية. كما يمتنع عن دعم (الإرهاب)، وطبعاً حسب التعريف الأمريكي الإنتقائي للإرهاب، والذي يشمل مقاومة الاحتلال الامريكي ومقاومة الأنظمة القمعية الحاكمة في معظم الدول العربية، بل وتشمل حتى مقاومة الشعب الفلسطيني للإحتلال الإسرائيلي.

وبكلمة موجزة نقول بأن كل الكيانات والأحزاب ومجاميع السياسيين الموجودة الآن في "البرلمان" و"الحكومة" ملزمين بمحاربة المقاومة العراقية (باعتبارها إرهاباً حسب التعريف الأمريكي)، وملتزمين ايضاً بالمحافظة على "الدستور الدائم" الذي تولد اساساً من "قانون إدارة العراق المؤقت". لذا فأن أي حديث من اي واحد من هؤلاء النواب وسواهم من المسؤولين في الحكومة أو الكيانات الآخرى هو مجرد هراء لا قيمة عملية له. فهم جميعاً قد مضوا (شيك على بياض) على كل ما يريده وما أسس له الاحتلال. ويشمل ذلك طبعاً المحاصصة الطائفية وشرعنة مليشيات (بريمر) (مثل فيلق بدر والبشمركه وسواها)، وهم ايضاً ملزمون بالفيدرالية حسب الفهم والتفسير الأمريكي لها. وكذلك يتلزمون بتبني سياسة تفكيك وإنهاء القطاع العام والقطاع الصناعي الخاص الوطني ونهب الموارد النفطية من قبل الشركات الاجنبية، وعدم السماح بمقاضاة جيش الاحتلال والمرتزقة عن جرائمهم بحق العراق والعراقيين. وكذلك تعني التزامهم جميعاً بفهم محدد واحادي الجانب للـ (مصالحة الوطنية) والتي تقر بالعفو عن جرائم المليشيات (التي رخصها بول بريمر) وتعتقل وتغتال كل من تشتبه في مقاتلته لقوات الإحتلال أو رفضه لها.... إلى آخر تلك القائمة السوداء التي باتت معروفة من الجميع، وكل ما ورد اعلاه هو جزء بسيط لتفسير إدارة الاحتلال والحكومات الإحتلالية للفقرة (8) اعلاه من (قواعد السلوك).

من جهة آخرى فإن الديموقراطية المطلوبة غير متشابهة حسب التعريف الأمريكي، فالعملية الإنتخابية في العراق تكون ديموقراطية ومقبولة اذا نجم عنها حصول حلفاء واشنطن مثل (الإئتلاف الموحد) و(التحالف الكردستاني) على اغلبية برلمانية حتى لو شابها التزوير وتم الطعن بها، وينبغي على الجميع دعم هذه "التجربة" الديموقراطية وثورة "الأصابع البنفسجية" كما اسماها فؤاد عجمي احد منظري نظرية "الفوضى الخلاقة". ولكن اذا كانت الانتخابات حرة ونزيهة بإعتراف العالم كله وتأتي بحركة مثل (حماس) للسلطة في فلسطين، فإنها يجب أن تدان وتعاقب بالحصار حتى الموت جوعاً لكل من يقطن في في غزة، بل ويجب الانقلاب عليها واستعادة السلطة بالقوة.

وإذا تمردت (الأقلية) على (الأغلبية) في (السودان) بتحريض وتدخل خارجي غطاؤه (اضطهاد) الأقلية، فينبغي ان تقوم الدنيا ولا تقعد حتى يتم ضمان (حقوق) الأقلية والحرص على عدم (طغيان) الأغلبية عليها حتى لو ادى ذلك الى حرب انفصالية استمرت لعقود، او حتى لو انتهى الأمر بتقسيم البلد وثرواته. ولكن في لبنان عندما يتم طغيان "اغلبية" نيابية وهمية على (اقلية) تطالب بتصحيح الوضع غير المستقر سياسياً، فينبغي حينها ان تدمر البلد بالقنابل العنقودية والقنابل الفسفورية ويشرد ربع السكان ويجب ان تذعن "الأقلية" لقرار "الاغلبية" كي يتم نزع سلاح المقاومة اللبنانية.

وإذا قام رئيس دولة أفريقية مثل (كينيا) حليف الولايات المتحدة في (الحرب على الإرهاب)، بتزوير نتائج الإنتخابات وتشبث بالسلطة بدون وجه حق، وتسبب بإثارة العنف العرقي والقبلي وما يعنيه ذلك من قتلى وجرحى ومشردين، فينبغي حل المشكلة سلمياً والسعي للتهدئة و "تقاسم" السلطة. اما اذا كانت الدولة الافريقية هي (زيمبابوي) وأراد رئيسها تزوير الإنتخابات لصالحه كي يبقى في السلطة، فينبغي حشد حملة دولية لإدانته ومحاصرته وإرغامه على التنحي عن السلطة.

وامثلة اخرى كثيرة مشابهة يصعب احصائها وتؤكد جميعها على ان الإدارة الأمريكية وعلى مدى عقود لم تهتم بالديموقراطية الا بغرض تحقيق مغانم معينة لها. وهذا هو بعينه ما تحاول تطبيقه في العراق بعد الاحتلال لذا سوف لن تقبل إطلاقاً بأي ديموقراطية تأتي بشخصيات أو تنظيمات سياسية تقاوم وتقاتل الاحتلال،

في نفس السياق لا نعلم ما الفائدة مما يسمونه "المصالحة الوطنية" وكيف تكون تلك المصالحة ممكنة اصلاً بين طرفين، احدهما يعتبر دخول القوات الأمريكية الى العراق في 2003 غزواً وإحتلالاً يجب مقاتلته وإنهاءه، وفي الطرف الآخر هناك من يؤمن بأن وجود تلك القوات "تحريراً"، أو على الأقل يقول إن الاحتلال هو (واقع) ينبغي التعايش معه ولا يمكن هزيمته عسكرياً، بل يمكن ان نتخلص منه تدريجياً فقط من خلال "المقاومة السياسية" والتفاوض.

ان الإدارة السياسية في الولايات المتحدة تسعى دائماً لنصب فخ "الإستدراج" الى العمل السياسي لكافة الاحزاب والواجهات السياسية في الدول الاخرى، لغرض احكام الطوق على حركتها وفق ضوابط وقواعد اللعبة السياسية والديموقراطية ولتتناغم مع مصالح الادارة الامريكية. ولكونها "لعبة" فإنها (اي الإدارة الأمريكية) لا تجد حرجاً كبيراً في تغيير قواعد "اللعبة الديموقراطية" في البلدان المستهدفة بتصدير "الديموقراطية" كلما احتاجت الى ذلك لتحقيق مصالحها السياسية واجنداتها في كل منطقة في العالم. وللأسف الشديد فقد نجحت (الإدارة الامريكية) وحلفاءها في ذلك بإستدراج (حركة حماس) مثلاً الى الإنتخابات الفلسطينية ثم طالبتها بعد ذلك باحترام "المعاهدات الدولية" والتفاهمات التي تم التوقيع عليها سابقاً من قبل آخرين لضمان أمن (اسرائيل)، ولكنها لم تنسى طبعاً على الجانب الآخر من إعفاء "اسرائيل" من احترام أي اتفاق سابق أو قرار دولي يدينها أو لا يعجبها تطبيقه لأنه يضر بـ "أمنها".

ونفس الشيء تقريباً حدث مع (حزب الله) في لبنان فقد تم استدراجه طوعاً وكرهاً الى "فخ" خوض الانتخابات النيابية بنفسه وكذلك استدراجه لاحقاً لعقد "التسويات" اثناءها مع آخرين موالين للمشروع الأمريكي بغرض حصولهم على الأغلبية الوهمية، والتمسك بعدها بشرعية "الأكثرية النيابية".

اما في العراق بعد الإحتلال فقد كان واقع تلك "اللعبة الديموقراطية" يتماهى تماماً مع الاحتلال ومخططاته ولهذا السبب بالذات استمرت المأساة في الواقع العراقي اليومي على كل الصعد دون أي افق لحل سياسي. وانعكس ذلك الواقع على اداء الاحزاب والفعاليات السياسية والشعبية التي تساند المقاومة العراقية للاحتلال سواءاً كانت داخل العراق او تعمل من خارجه في دول اللجوء والمنافي. وهو ما سوف نحاول تلمسه عن قرب في الجزء التالي.

جريدة الصوت 12/7/2008

 

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة .... واشياء اخرى

الجزء الخامس

 

هل نجحت تجربة العمل السياسي الحزبي والجبهوي في العراق ؟؟

 

رعد الجبوري-كاتب ومحلل سياسي عراقي مستقل

جريدة الصوت – العدد 52 - السبت 26 تموز  2008 - السنة الثانية – الصفحات 8-9.

أنظر الرابط

http://www.albasrah.net/ar_articles_2008/0708/ra3ad_260708.htm

 

ان تجربة العمل السياسي والحزبي المناهض للاحتلال داخل العراق، ضيعفة ومحاصرة ولا يمكن ان تمنح الفرصة إطلاقاً كي تكون فعالة في المشهد السياسي العراقي بأي صورة كانت، وهذا طبيعي كون هذا الحصار لها يمثل الوجه الثاني للأهداف الحقيقية لمشروع الاحتلال. هذه الحقيقة جعل من الحراك السياسي الوطني المقاوم يخضع للسرية والكتمان لإسباب أمنية بالدرجة الأولى، وبالنتيجة فإنه اصبح غير فاعل ضمن الظروف الموضوعية (المتاحة) للعمل، أو على الأصح غير المتاحة أصلاً لعمله داخل العراق.

أما موضوع العمل الحزبي والسياسي في المنفى (أي خارج العراق) وملامحه واتجاهاته وتحديداته ونقاط قوته وضعفه فهو ما سيكون الموضوع الرئيسي لهذا الجزء والذي سنحاول من خلاله رسم صورة مبسطة ومقربة وواقعية قدر الإمكان.

لا بد لنا في البداية ان نشير الى ما ذكرناه في الاجزاء السابقة، وهو ان مبدأ منع اي نشاط مناهض او مقاوم لمشروع الإحتلال الأمريكي في العراق والشرق الأوسط والعالم، هو من المسلمات البديهية ضمن المشروع الإمبراطوري الأمريكي للهيمنة، سواءاً كان هذا النشاط يتمظهر بشكل عسكري، لوجستي، سياسي، إقتصادي، إجتماعي، مجتمعي، إغاثي، أو حتى إعلامي وفكري. أي بعبارة أخرى كانت الإدارة الأمريكية، وخاصةً (المحافظون الجدد) فيها، تحرص بشدة على عدم منح اي فرصة لمشروع المقاومة العراقية بمفهومه الشامل، من التحرك في أي مساحة حتى لو كانت ضيقة ومحدودة التأثير وسواءاً كان هذا التحرك داخل العراق أو خارجه. وسنحاول ان نشرح كيف تحاول أو تتمكن الادارة الامريكية من تحديد ومنع النشاطات المناهضة لاحتلال العراق في الخارج (أي ضمن دول المنفى خارج العراق) وإحباط مثل هذه المحاولات بمستويات مختلفة سنحاول المرور عليها بسرعة.

لقد تم الاحاطة بمشروع المقاومة من قبل الإدارة الامريكية واذرعها الخارجية ممثلة بمؤسسات وزارة الخارجية والاجهزة الاستخبارية الأمريكية وفروعها الخارجية وحلفائهما في العالم وكذلك الماكنة الاعلامية والدعائية ومؤسسات الدراسات والبحوث وواجهات المجتمع المدني الأمريكية (الحكومية والخاصة) والغربية عموماً او حتى التابعة لدول ومؤسسات حليفة لها في دول جوار العراق والوطن العربي والعالم الإسلامي.

واصبح محاربة وإجهاض العمل السياسي العراقي المناهض للاحتلال الأمريكي جزء لا يتجزأ من مشروع الإحتلال ومكملاً له، وقد إتخذ عدة صيغ ولبس عدة وجوه ومارسه اكثر من طرف محلي واقليمي ودولي خلال السنوات الخمسة الماضية. وكما ان الساحة العراقية (أي في الداخل) اصبحت مرتعاً لكل انواع التدخل السياسي والمخابراتي بقرار من الاحتلال أو من دونه، كذلك فإن ساحة العمل الوطني العراقي خارج العراق (في المنافي والمهاجر) اصبحت ساحة مفتوحة لكل انواع التدخلات الإعلامية والسياسية والمخابراتية العربية والأقليمية (بما فيها اسرائيل) والدولية، علماً بأن حرية حركة تلك الاجهزة المخابراتية داخل اوساط المعارضة في الخارج، اسهل بكثير من تحركها في الداخل العراقي بسبب إعتبارات (الأمن) المريحة لها نسبياً خارج العراق من جهة، ولضعف أو إنعدام (الأمن) الذاتي لأوساط المعارضة العراقية خارج العراق، قياساً الى أمن فصائل المقاومة العراقية المسلحة داخل العراق من جهة الأخرى. وهذه المسألة فيها حديث طويل جداً وينبغي التفكير جدياً في حل إشكاليتها. ويمكن ان نوجز بعض اهم المشاكل الأساسية للعمل السياسي الوطني العراقي في المنافي بما يلي:-

·       ان أول مشاكل العمل السياسي العراقي المعارض للاحتلال في المنفى تبدأ حتماً من كونها خارج الوطن في دول مضيفة أو حاضنة ساندة أو ربما محايدة الى حدٍ ضعيف. ولكونها خارج وطنها تصبح ساحة تحركها ونشاطها الأساسية هي توفير الدعم اللوجستي والصوت الإعلامي وربما ايضاً بعض الحضور السياسي (الخجول)، وقدر ما يتاح لها من قبل الدول المضيفة والحاضنة.

وبما ان المقاومة العراقية هي مشروع تحرر وطني يستهدف استعادة الاستقلال والحرية للعراق، فهذا التوصيف يقودنا الى إستنتاج منطقي هو إن الإحتلال وأعوانه سوف لن يقبلوا أو يسمحوا بوجود أي معارضة سياسية حقيقية لمشروع الإحتلال داخل العراق وتتماهى مع المقاومة المسلحة لتشكل رافعة لها لغرض استثمار انتصاراتها العسكرية في الميدان بقصد ترجمتها الى مكاسب سياسية تسرع في انهاء الإحتلال وتقليل معاناة الشعب العراقي والحفاظ على حقوقه. وهذا يقودنا من الناحية المنطقية الى القول بأنه يجب أن يتوفر لمثل هكذا (معارضة سياسية) دول مضيفة أو حاضنة، وكذلك داعمة من الناحية السياسية على اقل تقدير، كي تستطيع ان تستمر في نضالها. ولكن ما نجده الآن في حالة العراق مختلف، فنجد ان مشروع المقاومة العراقية السياسي كله محاصر داخلياً، كما أسلفنا، وخارجياً من دول الجوار الإقليمي ولإسباب مختلفة لكل منها. فهناك اطراف عربية وإقليمية متآمرة على العراق وشعبه منذ زمن طويل وهي مصابة بمرض (رهاب العراق)، كذلك هي مؤمنة بأن العراق الموحد والمستقل والمستقر والآمن والمتماسك مجتمعياً والقوي اقتصادياً يشكل اكبر تهديد لأمنها القومي الهش أصلاً.

ونجد ايضاً من ضمن هذه الأطراف من هو متحالف مع الاحتلال بل ويأتمر بأوامر مباشرة من الإدارة الأمريكية إلى درجة ان بعض تلك الأوامر قد تعلو احياناً على المصالح الحيوية لتلك الدول وجوهر أمنها القومي. كما ان بعضها مارس ادواراً مدمرة لمستقبله الذاتي ولمستقبل العراق، فهو لم يكتف بأن يصبح جسراً لعبور كل انواع الدعم للاحتلال وجهده العسكري واللوجستي وشركات المرتزقة وتوظيف المترجمين لحساب المنطقة الخضراء وتوفير الملاذ الآمن للمتعاونين مع الاحتلال والذين تطاردهم المقاومة وملاذاً آمناً للجوء الفاسدين والمفسدين واللصوص من وكلاء الاحتلال، لكنه اصبح ايضاً قاعدة خلفية للتآمر والتجسس (بالنيابة عن الاحتلال) على إي جهد أو مشروع سياسي وطني مقاوم للاحتلال. واصبحت ايضاً وفي نفس الوقت حاضنة رئيسية لكل المشاريع السياسية الجوفاء التي تدعي مقاومة الاحتلال، ومطبخاً لخلق القيادات والزعامات السياسية والعشائرية والجماهيرية و (النخب) الوهمية، والمشاريع السياسية الجبهوية والحزبية الخيالية أو (التشويشية) أو غير القابلة للتطبيق، ومقر (خلفي) لعقد المؤتمرات ومعارض الإعمار (التي لا تعمر شيئاً) ولاجتماعات مراكز الدراسات (الإستراتيجية) التي تسعى من خلال نشاطاتها المغلفة والمموهة باغراض بحثية أو علمية لخدمة الاحتلال بالمعلومات والاستشارات الفنية من خلف الستار. بل اكثر من ذلك كله وعلى النقيض مما سبق ذكره، فإن نفس تلك الدول قد اصبحت ايضاً (ملجأً) لكل من يطارده الإحتلال او تطالب الحكومة الإحتلالية بتسليمه اليها بموجب مذكرات القاء قبض قضائية. وعلى غرابة هذا الأمر وصعوبة فهمه، لكننا يمكن تخمين السبب بدقة إذا ما علمنا بإنهم يفعلون ذلك بالتنسيق مع الإحتلال وبالنيابة عنه وليس بالضد منه، كي يضمنوا بقاء (اللاجيء السياسي) تحت انظارهم ولإن وجوده في ضيافتهم وتحت رقابتهم المتواصلة هو اقل ضرراً وشراً للإحتلال من مغادرته بعيداً عن اعينهم.

اما النوع الآخر من دول الجوار العراقي او سواها البعيدة والتي تقف بالضد من مشروع الإحتلال وترفضه جملةً وتفصيلاً فإنها موعودة بالويل والثبور وعظائم الأمور، فسيف (دعم الارهاب) مسلطاً على رقابها، وانواع الضغوط الهائلة تنهال على رأسها في كل يوم ومن كل لون منها سياسي ودبلوماسي ومنها إقتصادي وكذلك فيها الإعلامي والدعائي والإستخباري وبصور والوان مختلفة ومتنوعة. وليس من الضروري ان تأتي جميعها من الادارة الأمريكية مباشرة أو ما يمكن تسميته (الضغط بالإنابة) أو (الضغط تحت علم دولة اخرى)، فهناك شركاء كثيرون لها في المنطقة والعالم، بما فيه دول ومؤسسات دولية تدعي في الظاهر مناهضة الإحتلال وتعمل بالتعاون والتنسيق معه بالباطن. وبالتأكيد فإن حجم الضغوط على دول الجوار العراقي تكون اشد وأشرس بكثير من تلك التي يمكن أن تسلط على الدول البعيدة جغرافياًَ عن التراب العراقي.

من ذلك كله يمكن ان نخلص الى القول بأن حال المعارضة العراقية للإحتلال والمتواجدة في دول اللجوء والمنافي ليست بأفضل حالاً من المقاومة العراقية فكلاهما محاصر، واذا كانت المقاومة العراقية محاصرة في الداخل من قبل لاعبين إثنين أساسيين هما الاحتلال والمتعاونين معه، فإن المعارضة السياسية العراقية للاحتلال محاصرة من لاعبين كثر وبأساليب اكثر تنوعاً وخبثاً.

·       أما ثاني مشاكل العمل السياسي العراقي المعارض للاحتلال في المنفى فهي (الخنادق المتداخلة) ما بين الأجندة السياسية العراقية المناهضة للإحتلال واجندات الأمن القومي لتك الدول والمتوافقة مع المشروع الوطني العراقي حيناً والمتباينة حيناً آخر، والمتعارضة الى حد التصادم في أحيان اخرى اكثر بكثير، سواءاً كانت تلك الدول مجاورة للعراق أم لا، ونفس الشيء فيما بينها وبين بعضها. وهذا يحتم على تلك الدول في الكثير من الأحيان الى السعي الى التوفيق بين مستلزمات وضرورات تغليب مصالحها الوطنية، وحسابات تحالفاتها و(التسويات) التي قد تلجأ أو تضطر إليها في هذا المجال ضمن منطق (ضرورات النظم). وتأثير تلك العوامل على إمكانيات دعمها المشروع العراقي الوطني وحجم هذا الدعم وتحديد مسافة البعد والقرب عنه وفق مفهوم (خيارات الأمة).

·       والمشكلة الثالثة هي عراقية-ذاتية بحتة، وتقع ضمن منظور العموميات والخصوصيات التي طبعت الإداء الميداني للاحزاب والحركات السياسية والنخب الفكرية الواعية والقيادات الفردية والجماهيرية في العراق، سواءاً ما كان منها موروثاً أو مترسباً من المسيرة الطويلة التي مر بها مخاض تأسيس الوعي السياسي الديني والقومي والفكري في العراق، منذ ما بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن العشرين وصولاً الى  اللحظة الراهنة. او ما كان يعتبر منها من العوامل المكتسبة نتيجة التلاقح بين الرؤى والافكار والممارسات من جهة، وبين عناصر العمل السياسي جميعها وبين محيطها المجتمعي العراقي ونوع علاقتها بالسلطة بعداً أو قرباً من جهة أخرى.

·       اما رابع المشاكل التي تؤثر على الاداء السياسي للاطراف المناهضة للاحتلال في المنفى، فهي ذاتية ايضاً ولكنها ترتبط بالإداء الفردي للسياسيين العراقيين انفسهم. حيث نجد إن فيهم من هو وطني صميم و(مثالي اكثر مما يلزم) في طروحاته وتحليلاته وإداءه الى الدرجة التي يصبح معها إما منبوذاً ومعزولاً من الآخرين أو (معيقاً) للعمل الجماعي من وجهة نظر شركاؤه الآخرين بسبب (تطرف) طروحاتها وبعدها عن (الواقعية) وافتقارها الى المرونة المطلوبة أو (البراغماتية) حسب وجهة نظرهم. كما اننا يمكن ان نجد فيهم من هو (واقعي) أكثر مما يلزم، الى الدرجة التي يبدو فيها وكأنه مستعد للتفريط بالحقوق والثوابت الوطنية التي يكافح من اجلها العراقيين عموماً في الداخل والخارج، والتي دفعوا فيها ولإجلها اثماناً باهظة جداً بكل المقاييس. وبين من هو (مثالي) وبين (الواقعي) نجد درجات كثيرة ومتفاوتة من التصنيفات. ولعل احد أهم اسباب هذه المشكلة، عدا الطبيعة الذاتية والبشرية الفردية لكل شخص أو مجموعة من الإشخاص، هو غياب التعريف الواضح للثوابت السياسية الوطنية وتحديد (المحرمات) و (المباحات) وعدم الاتفاق على وضع تعريف محدد لمعنى (المرونة) السياسية ومداها. وكذلك غياب المؤسسات والمرجعيات السياسية والفكرية التي تصلح ان تصدر (الفتوى السياسية) التي يمكن ان تفصل في هكذا خلافات.

ولتوضيح هذه القضية بشكل أكبر سوف نأخذ مثالاً محدداً لقضية حدثت قبل أكثر من ثمانية أشهر لكنها لا زالت حاضرة وساخنة حتى هذه اللحظة، الا وهي ما عرف بقضية (خلوة البحر الميت) او (فضيحة البحر الميت)، والتي يمكن وصفها بإختصار بأنها كانت عبارة عن إجتماع تم بين سياسيين مقيمين في المنفى، مصنفين على انهما مناهضين الإحتلال، قاما بلقاء مع مجموعات وأفراد من صلب "العملية السياسية" التي اصطنعها ورعاها الإحتلال وتم هذا اللقاء تحت رعاية من جهات وشخصيات أمريكية (غير رسمية)، أو هكذا يشاع في وصفها، خلف واجهة اكاديمية. وقد كان إصرار هذين السياسيين على توصيف (اجتهادهما) بأنه لا يعد تفريطاً في (الثوابت) هو صلب المشكلة التي حدثت فيما بعد بينهما وبين الآخرين ممن عارضوا ذهابهم لذلك الإجتماع وما قبله،  ورغم الكم والنوع فيما قيل من الطرفين (الذاهبون الى الخلوة ومعارضيهم) في هذا الصدد فنحن نعتقد إن الجدل حول هذا الموضوع سوف لن ينتهي قريباً. علماً بان الكثيرين ممن عارضوا وانتقدوا ذلك الإجتماع يعتقدون بعمق بأن مثل هذه الإجتماعات تستبطن هدفاً حيوياً للاحتلال الا وهو انتهاك المحرمات و (تنعيم) الحافات (الناتئة) و(الخشنة) الفاصلة بين مشروعي الإحتلال والمقاومة، بغرض التمهيد لاحقاً لإستيلاد (أوسلو) عراقية، على غرار (أوسلو) الفلسطينية وما نجم عنها من تفريط بالحقوق و(الدوران حول الذات) الى ما لا نهاية في مفاوضات عقيمة، استمرت لغاية الآن اكثر من خمسة عشر عاماً، وسوف لن تفضي حتماً الى تحصيل الحقوق الفلسطينية حتى بحدودها الدنيا، وهذه النتيجة هي مما لا يتحمله ولا يقبله الشعب العراقي في حالة الاحتلال الأمريكي البشع.

·       اما خامس المشاكل فهي ترتبط بالإداء الفردي للسياسيين والنخب العراقيين انفسهم. فالنخب العربية عموماً (والعراقية خصوصاً) لديها مع الأسف الشديد، تضخم سرطاني مزمن وموضعي في (الأنا)، وهذه (الأنا) القت بظلالها على مجمل ادائه وسلوكه الحياتي الفردي والمجتمعي،  فاصبح ينأي بنفسه إجمالاً عن العمل الجماعي ضمن (الفريق)، وإن دخل فيه مرغما أو راغباً فإنه سرعان ما يحاول جعله تابعاً أو عائداً له. واصبحت عقلية (فريقي)، أي الفريق العائد لي، تتحكم به وبإدائه. ولدينا هنا كم هائل من الأمثلة على الأعراض الأساسية والجانبية لهذا المرض. وأوضح وأخطر ما لدينا منها هي نزعة (حب القيادة) والرغبة الطاغية بالوصول إلى (الزعامة)، والتي تركت بصمات سيئة واضحة على الإداء الميداني والأثر الجماهيري لمجمل الاحزاب والنخب السياسية العراقية قبل وبعد الإحتلال الأمريكي للعراق في 2003. مع الاختلاف النوعي في النتائج بين (معارضة) لنظام حكم وطني وبين (مقاومة) لإحتلال اجنبي. وسوف نحاول ان نتحدث عن هذا الموضوع لاحقاً وضمن الجزء التالي (السادس)، بشيء من التفصيل. ليس سعياً وراء جلد الذات بل توخياً لتشخيص (العلة) وعدم إنكارها، كي نقرر بعدها كيفية معالجتها حتى ولو تدريجياً.

·       والمشكلة السادسة هي ايضاً عراقية-ذاتية وربما فردية، وهي ظاهرة حب الظهور أو (تسويق الذات) وظاهرة (الإسترزاق) السياسي والناجمة على الاعم الأغلب بسبب ضعف التمويل، ولظروف الحصار الداخلي والخارجي التي يعاني منها المشروع السياسي العراقي المناهض للاحتلال الأمريكي. فأكثر السياسيين والنخب العراقية الواعية والمثقفة التي تقيم في المنافي والمهاجر، هي من فئة عمرية قد دخلت في مرحلة الكهولة أو حتى الشيخوخة، وقد استهلكت اثناء رحلتها الى (اللجوء) و (المنفى) معظم مدخراتها وممتلكاتها واصبحت وعوائلها بدون مورد مادي ثابت يمكن ان يوفر لها ولعوائلها العيش بكرامة، ولا تملك ما يجعلها محصنة من الضغوط المعاشية التي قد تضطر بعضها لبيع قناعاتها ومبادئها أو تأجيرها (على الاقل) لمن يدفع ثمناً حتى لو كان زهيداً، وهذا ليس تبريراً لمسلكها بل ربما قد يفسر لنا لهاث البعض منهم وراء الظهور في الفضائيات بعد اصابتهم بحمى (عشق الكاميرا) او إدمان الكتابة في الصحف والمطبوعات وحضور الندوات والمؤتمرات، وقبولهم الخوض في أي موضوع يطلب منهم، مهما كان بعيداً عن تخصصه أو مدى خدمته لمشروع العراقي الوطني لمناهضة الإحتلال.

وهناك قلة قليلة من هذه النخب السياسية والفكرية ممن يمكن اعتبارهم محصنين ضد هذا البلاء لكونهم في وضع مالي مريح يكيفيهم شر ضغط الحاجة.

اما الذين حرصوا على أن يحافظوا على مبادئهم وهم في حالة عوز مالي مزمن، ومحاولاتهم المريرة لترتيب معيشتهم اليومية وسط تلك الضغوط الرهيبة في دول الغربة، ولعل أقلها التهديد بإنهاء شرعية (الإقامة) المؤقتة لكل منهم ولعوائلهم في تلك الدول، فهم حقاً القابضون على جمر النار أعانهم وآجرهم الله ولهم منا السلام.

·       هناك ايضاً العديد من المشاكل الآخرى المتفرقة والتي قد تكون اصغر أو اقل أهمية في الصورة الكلية، مثل ظواهر الحزبية، الشللية، المذهبية، المناطقية، العشائرية  .... وسواهها مما هو معروف للجميع، وقد ارتأينا الابتعاد عن الخوض فيها لأنه سبق وأن اُشبعت توصيفاً وبحثاً في الكثير من الأدبيات والمقالات.

 

انتهى الجزء الخامس

 

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة .... واشياء اخرى

الحلقة السادسة

ما الذي يواجه العراق ... قيادة أزمة أم أزمة قيادة ؟

 

رعد الجبوري-كاتب ومحلل سياسي عراقي مستقل

أنظر الرابط

http://www.albasrah.net/ar_articles_2008/0808/ra3ad_020808.htm

 

ينبغي في البداية أن ننوه بأن ظاهرة (حب القيادة) و(السعي الى الزعامة) وتعريف حدود وخصائص كل منها هي إشكالية عالمية وليست حكراً على قومية أو بلد أو دين أو سواها، لكنها في التاريخ العربي والإسلامي لها خصوصيتها الشديدة والمميزة. فمنذ فجر الإسلام (وربما قبله أيضاً)، والعرب إجمالاً  يتطلعون دائماً الى من يمكن أن يقودهم ويتطلعون الى أن يجدوا من يستحق من قادتهم تجسيد صورة (الزعيم) الذي يقودهم الى بر الأمان خصوصاً في أوقات المحن والخطوب، وما أكثرها في تأريخ الأمة. وإن لم يكن (الزعيم) موجوداً فسيسعون بكل تأكيد الى صناعته أو إختراعه.

و (الزعيم) على الأعم الأغلب ظاهرة لا ترتبط فقط بمواصفات قيادية معينة فقط، إلا انها تأتي نتيجة تطابق تواجد شخص بمواصفات محددة في المكان والزمان المناسبين، فلو تذكرنا مثلاً الكثير من الشخصيات العامة على إمتداد التاريخ نجد أنه حافل بالكثير الكثير من القادة وبقلة قليلة من الزعماء. فكل زعيم هو قائداً بالضرورة ولكن ليس كل قائد يمكن ان يكون زعيماً. وفي الكثير من الاحيان يبرز الزعماء من الصفوف الخلفية ليخترقوها صعوداً الى الواجهة متخطين الكثيرين من اقرانهم، او ممن كانوا قبل ذلك مرشحين أقوى منهم. أو حتى ممن كانوا يمتلكون (مؤهلات) محددة للزعامة اكثر منهم، وفق المقاييس المتعارف عليها في حينها، إلا انهم لم يظهروا في اللحظة المطلوبة وفي المكان الملائم كما أسلفنا.

ورغم ان التاريخ العربي والإسلامي زاخر بمثل تلك (الزعامات) التاريخية الحقيقية التي تركت بصماتها على وجه التاريخ إلا اننا سنحاول أن نأتي بأمثلة من خارج العالمين الإسلامي والعربي، كي لا نجعل من تلك الأمثلة موضوع للخلاف والجدل فيما بيننا وبين القراء حول امكانية توصيفهم بزعماء ام لا.

فلو استعرضنا اسماء بعض (زعماء) الأمم الأخرى في التاريخ الحديث سنجد، على سبيل المثال لا الحصر، أن (غاندي) مثلاً برز كزعيم للأمة الهندية غير مسار التاريخ وانتزع الاستقلال لبلاده فقط حين كان موجوداً في لحظة تاريخية مواتية وبين افراد الأمة المناسبة لإسلوب كفاحه. ونفس الشيء يمكن ان ينطبق فيه القول على (نيلسون مانديلا) في جنوب افريقيا. وما قصدنا قوله هنا هو ان الزعيم لا يمكن اختراعه أو صناعته بتأهيله مسبقاً كما قد نفعل مع القادة، فنحن يمكننا أن نسعى لتأهيل القادة وندربهم ونصقلهم ونهييء لهم كل الادوات المعرفية والعملية كي يكتسبوا المراس اللازم ليصبحوا قادة في لحظةٍ مناسبة ما، هذا على فرض انهم يمتلكون المؤهلات الذاتية التي تمكنهم أن يكونوا قادة ناجحين. أما (الزعيم) فهو قضية مختلفة الى حدٍ كبير، فالزعامة تأتي طائعة (من غير تخطيط مسبق على الأغلب) الى شخص بعينه، من بين جميع القادة الذين قد يتصدرون المشهد السياسي، وأحياناً تأتيه حتى من غير رغبةٍ له فيها ولا نية مبيتة له لإقتناصها، شيءٌ فيه نوع من (القدرية) و لا نقول (الحظ). و (الزعامة)  تأتي على الأغلب زاحفة لمن يستحقها فعلاً، وليس لمن يسعى اليها حتى لو كان من المحظوظين.

ولعل العراق في الظروف الحالية التي يمر بها ليس إستثناءاً من ذلك. فالعراق وهو يبحث عن مشروعه الذاتي للخلاص الوطني في المرحلة الراهنة، يتمنى شعبه في دواخل نفسه ان يعثر اساساً على القيادة التي تستحق ان تسمى بـ (التاريخية) كي تتناسب مع الظرف المصيري الذي يمر به، و تكون جديرة بقيادة العراق وشعبه الى الحرية والاستقلال في هذه اللحظات الحساسة والفارقة في تاريخه. والعراق اليوم هو أحوج ما يكون لإن يتقدم واحداً من (القادة) الذين يتصدون للعمل الوطني سياسياً أو اعلامياً أو عسكرياً أو إقتصادياً أو سوى ذلك، أن يتقدم الصفوف ويصبح (رمزاً) يلتف حوله أغلبية العراقيين ويستعدون طواعيةً لقبوله بأن يكون (زعيماً) لهم. وعلى الرغم من أن (القيادة) يتم اختبارها والتأكد من صلاحيتها لموقعها أياً كان، من خلال الممارسة الميدانية والتجربة اليومية، إلا ان (الزعامة) اضافةً لذلك كله، تحتاج ايضاً كي تستحق إحتلالها لموقعها بجدارة، إن استطاعت، لإكتساب شرعية وجودها من خلال اعتراف الاغلبية بها طواعية، وبشيء يشبه التسليم بالقدر كما اسلفنا.

واعتذر لهذه المقدمة الطويلة التي أضطررت للإفاضة فيها كي اخلص الى القول بأن جميع من يعتبرون انفسهم الآن  (قادة) للعمل الوطني العراقي المناهض للإحتلال، يمكن أن يتنافسوا كقادة كلاً من موقعه ومؤهلاته وخلفيته المعرفية وخبرته الميدانية وتاريخه النضالي، الا أنهم ينبغي أن يتوقفوا عن السعي إلى (الزعامة) على الأقل كي لا يبدوا كمن يحرث في البحر.

وفي اللحظة التاريخية (الراهنة) التي ينبغي فيها للمهتمين بأزمة المشروع السياسي العراقي، المقاوم للإحتلال والمناهض لمخططاته، ان يجتهدوا لإكتشاف (قيادة) مناسبة للأزمة، اصبح معظمهم للأسف منشغل بأزمة (الزعامة). ولعل سبب ذلك (وأحياناً نتيجته ايضاً) هو استفحال بعض الامراض السياسية التي سنمر عليها بعجالة فيما يلي:-

 

1. حمى السعي الى (الزعامة) هي في الأصل مرتبطة بالنزعة الفردية لمن هم في الصفوف الأولى في قيادة العمل الوطني، حيث أن التقدم الى الصفوف الأولى في القيادة ينجم عنه على الأغلب (ان لم يكن دائماً) ذلك التضخم السرطاني في (الأنا) والذي تحدثنا عنه في الجزء السابق.

2. ان البحث القسري عن (الرموز) او السعي لخلق (الزعامات) المصطنعة والوهمية. يستلزم على الارجح محاولة إلغاء وتفكيك الأطر التنظيمية والمؤساساتية من اجل التهميد للظهور (السرابي) لتلك (الزعامة). وتكون النتيجة اننا لن نحصل على زعامة حقيقية وأصيلة، ونضيع في الوقت نفسه الإطر والضوابط التنظيمية والمؤسساتية التي تمهد الطريق بطريقة عقلانية ومنظمة امام ظهور الشخصية المناسبة التي يمكن ان تتصدى للزعامة عند تواجدها في الزمان والمكان المناسبين.

3. لا يمكن طبعاً ان نغفل بأي الاحوال الدور الكبير الذي تقوم به مجاميع (الحواشي) و(المستشارين)، في إنحراف القيادات والنفخ الفارغ فيها كي تتطلع الى (الزعامة)، وفي حرفها عن الطريق القويم والتأسيس لديكتاتوريتها، كما لا ينبغي ان نغفل بالطبع (الضرورات) أو الهواجس الأمنية لدى الكثير من القيادات السياسية والنخبوية العراقية في المنفى، ودور ذلك في إضطرارهم لتقريب ذوي القربى والانسباء والأصدقاء وذوي الولاء، وتفضيلهم على ذوي الخبرة واصحاب النوايا الطيبة والولاء الوطني، وفي الأعم الأغلب فإن هؤلاء (المحاسيب) يتحولون مع مرور الزمن الى نوع من (المافيا) التي تبدأ بترتيب الامور لمصالحها الطفيلية الذاتية.

4. هذه التحديدات والامراض السياسية جعلت البعض من السياسيين والشخصيات القيادية وبدلاً من أن يحاولوا تحسين إدائهم كـ (قادة)، نجدهم يسعون الى (حرق المراحل)، في بحثهم المحموم لتولي (الزعامة) المفقودة او تعزيز الزعامة الوهمية او المنقوصة. ويقوموا بالتعويض عن ذلك كله باللهاث خلف (النجومية) من خلال الظهور المفرط والمبالغ به على صفحات الصحافة وعلى شاشات الفضائيات. حتى ان بعضهم اصبح يظهر على شاشة الفضائيات اكثر من المذيعين او مقدمي البرامج في تلك الفضائيات. وبدأوا رحلة (البحث عن الذات) المفقودة بالترويج الى شخوصهم وافكارهم حتى ولو بالابتعاد عن الصدق مع الذات، والبدء بطرح الأفكار التي يفضلها اغلبية الجمهور والتي غالباً ما لا تكون مطابقة لحقيقة افكارهم أو مرجعياتهم الفكرية والعقائدية، وعلى طريقة البرامج الإعلامية التقليدية (ما يطلبه المستمعون) أو (ما يطلبه المشاهدون)، وهم يفعلون ذلك فقط لمحاولة زيادة رصيد (شعبيتهم) بين الجماهير التي تمثل الأغلبية المطلقة والصامتة. وبالمقابل فإنهم لم يحاولوا بذل أي مجهود فاعل لمليء موقعهم القيادي من خلال تلمس وابتكار وسائل جديدة تدعم نضال ومقاومة العراقيين للإحتلال في الداخل وتعرية وفضح ذلك الاحتلال في الخارج.

5. هناك ظاهرة خطيرة قد تنجم عن السعي غير المشروع وغير المبرر لبعض القيادات السياسية للوصول الى (الزعامة) وهو التنسيق مع الأجهزة الأمنية والمخابراتية الإقليمية والدولية، في أمور يبدو ظاهرها المصلحة الوطنية العراقية على طريق الخلاص من الاحتلال الأمريكي للعراق وتبعاته، ولكنها تستبطن من جهة اخرى الكثير من المصالح الذاتية والفردية، وقد تنتهي بالبعض منهم الى التحول الى (مخبرين) و (أدلاء) أذلاء لتلك الاجهزة المخابراتية. وإذا كان لهذا التعاون من ضرورة وطنية ضاغطة، فيفترض أن يتم تحت نظر وتقييم دقيق من قبل (مرجعية) وطنية محايدة ولا يشك بولائها للعراق ومقاومته الوطنية، كي تكون هذه (المرجعية) مطلعة على ما يجري، ولتمنع تكرار ما حدث مع (المعارضة) السابقة (لنظام صدام حسين). وليس ببعيد عنا اعتراف (أياد علاوي) على رؤوس الأشهاد، بتعاونه مع ستة عشر جهاز مخابرات اقليمي ودولي قبل الغزو الأمريكي في سبيل إسقاط نظام صدام حسب قوله.

إن ما استعرضناه أعلاه هو (و للأسف الشديد) ليس إلا جزءاً يسيراً جداً مما هو عليه الحال في الواقع السياسي العراقي المناهض لمشروع الإحتلال الأمريكي والمتواجد في دول اللجوء. ولكن هذا لا يعني إطلاقاً انه لم يتبقى لنا كعراقيين إلا ان نلطم على الخدود ونندب حظنا العاثر وكفى. ان من يدعو الى ذلك هو حتماً في نفس خندق الإحتلال واعوانه وحلفائه الذي يسعون الى بث اليأس فينا وتدميرنا بسحق إرادتنا في الصراع وهي أهم بكثير في رأينا من سحق قوتنا، فالقوة يمكن أن تعوض بغيرها وربما سنجد من يساعدنا في سعينا للتزود بها. إلا أن (الإرادة) لا تعوض إلا بذاتها، وهي حين تسحق يصعب جداً ترميمها ضمن الوقت المتاح، وأحياناً يستحيل ذلك في الزمن المنظور، ولا يمتلك احداً غيرنا فائضاً منها يمكنه ان يزودنا به.

إن العراق بحضوره ورمزيته التاريخية والدينية والحضارية في نفوس الشعوب العربية والإسلامية وفي الضمير الإنساني إجمالاً هو شيئاً مميزاً، لذا فإن الإحتلال الأمريكي البريري له في عام 2003، هو حدث جلل بكل المقاييس المعروفة وسينتهي حتماً الى الزوال وسوف يتغير عند ذاك ليس وجه المنطقة فقط بل ربما تتغير الكثير من ملامح وجه العالم كله، وعلى غرار ما حدث عقب إنهيار الامبراطورية السوفيتية كنتيجة مباشرة لهزيمة الإحتلال السوفيتي لإفغانستان في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وربما اسوء واكثر من ذلك في عالم يتسم بـ (القطبية المتعددة) او ربما بـ (اللاقطبية) ، إضافةً طبعاً لعوامل اخرى رئيسية. ربما تكون القضية بالنسبة للبعض قد بدأت بإحتلال العراق إلا إنها حتماً لم ولن تنته به. وعلى الأرجح والمؤكد حتى الآن، انها سوف لن تنته كما خطط لها أو تمناها المعتدون ومن أعانهم أو حرضهم على ذلك.

فرغم إن هذا الإحتلال البغيض قد استنهض فوراً (ومن حيث لا يرغب) مقاومة عظيمة أعاقت تحقيقه النصر الناجز ومنعته من تحقيق اهدافه (حتى التكتيكية منها) واثخنت جسده وجهده العسكري والاقتصادي بالطعنات القاتلة والمميته. ورغم ان المشروع السياسي للمقاومة العراقية في الداخل يمكن ان تعبر عنه وتختزله البندقية الموجهة الى مشروع الإحتلال وأعوانه في ميدان المواجهة العسكرية، إلا ان ذلك للأسف لم يترافق مع نهوض مناسب في الإداء السياسي للنخب الفكرية والاحزاب والمرجعيات الدينية والفعاليات الشعبية والجماهيرية والمجتمعية المناهضة للإحتلال خارج ميدان الاشتباك العسكري. فأصبح المشروع العراقي الوطني المناهض للإحتلال إجمالاً وكأنه طائر اسطوري عظيم يجاهد للتحليق عالياً بجناحين احدهما اصغر وأضعف من الثاني. وأصبحت شجرة المقاومة ذات ساقٍ قوية واغصانٍ وارفة وثماراً يانعة تزداد نضجاً يوماً بعد يوم ولكنها لا تجد من يقطفها ويطعم الشعب العراقي من خيراتها. واقع ٌ مؤلم بكل تاكيد إلا أنه موجود على الأرض وينبغي له أن يتغير وبأقصى سرعة كي نقصر من عمر الإحتلال وننهي معاناة شعبنا العراقي المنكوب.

وهنا يبرز السؤال المهم التالي وهو :- كيف يتسنى لنا أن نقوم جميعاً في الداخل والخارج بتنشيط الشق السياسي الفاعل جماهيرياً والداعم  للمقاومة المسلحة العراقية ومن دون ان نعيق حركتها (أي المقاومة) في نفس الوقت؟ وكيف ينبغي علينا جميعاً ان نقطع يد كل من يحاول ان يسرق جهدها وتجييره لإشباع نزواته الدنيوية ورغباته الذاتية والأنانية في الزعامة وسواها، ودون أن نفقد بلدنا العظيم العراق؟ ونفقد بذلك مبررات عزتنا وكرامتنا. ذلك ما سوف نحاول الإجابة عليه قدر إجتهادنا في الجزء التالي والأخير إن شاء الله.

جريدة الصوت

 

احاديث عراقية محظورة في السياسة والمقاومة .... واشياء اخرى

الجزء السابع

على هامش الإداء السياسي الساند لمشروعتا المقاوم ..

الإشكاليات والحل الصعب !؟

 

رعد الجبوري-كاتب ومحلل سياسي عراقي مستقل

جريدة الصوت – العدد 54 - السبت 9 آب 2008 - السنة الثانية – الصفحة 10.

أنظر الرابط

http://www.albasrah.net/ar_articles_2008/0808/ra3ad_100808.htm

 

ما الحل ؟؟ سؤال يبدو بسيطاً، الإ أن الإجابة عليه صعبة جداً ولا يتسنى لشخص، مهما بلغت خلفيته المعرفية أو تجربته وخبرته في العمل السياسي، أن يتمكن من الإجابة عليه بسهولة وموضوعية. وحتى وإن إقترب من ايجاد الحل لمعظم إشكاليات العمل السياسي العراقي في اللحظة الراهنة، إلا أن الحراك المستمر في المشهد العام وتعدد الأطراف الفاعلة خارجياً وداخلياً، يجعل من الصعب الإحاطة بكل التفاصيل وبالنتيجة يزيد من صعوبة وصف (الترياق) المناسب لعلته.

وقبل ان نستمر في الحديث ضمن هذا السياق نرجو من القاريء الكريم أن يضع في اعتباره بوضوح بأن الخوض في هذا الموضوع لا يهدف إطلاقاً الى إيجاد الحل الناجز، بقدر ما هو محاولة (قد تخطيء أو تصيب) على طريق ايجاد الحل. وإن الهدف الرئيسي له ايضاً هو ان يكون مجرد بداية لتفعيل مؤسسي (من نوعٍ ما) لنقاش سياسي وفكري أوسع تشارك به كل المرجعيات السياسية والمجتمعية والفكرية المناهضة لمشروع الإحتلال الأمريكي للعراق، وسعياً جاداً لاستكشاف وسائل وآليات للعمل السياسي الفاعل لمشروع المقاومة على الساحة العراقية بالضد من مشروع الإحتلال. لذا نتمنى أن يتسع صدر القراء الكرام لما سنطرحه لاحقاً في هذا الجزء ولا يتعاملون معه باحكام مسبقة أو متشنجة، ولا يضيعوا وقتهم الثمين بمحاولة انتقاد هذه الفقرة أو تلك الكلمة أو تسفيه ذلك المقترح، مما يرد في هذا المقال، بل يتكرموا علينا بطرح البدائل العملية ليس لما نكتبه فقط بل لما يساعدنا جميعاً في سعينا الوطني المخلص لإخراج المحتل واعوانه وحلفاؤه والقضاء على مشاريعه الظاهرة والمستترة في العراق.

وفي الوقت الذي نحاول تلمس طريقنا وسط هذا الخضم الهائل الذي يعيشه العراق بعد الإحتلال، ربما يكون المدخل لما يمكن ان نتصوره لأيجاد (الحل) هو ما سنحاول إيجازه في الفقرات التالية :-

1. تعريف الثوابت، وذلك من خلال البدء بنقاش واسع في كل ما يتاح لنا من وسائل اعلام ومواقع انترنت ولقاءات جماهيرية أو اجتماعات رسمية أو أدبيات حزبية أو فكرية أو مجتمعية، وحتى في اللقاءت غير الرسمية والجلسات الخاصة. والقصد من هذا النقاش الواسع هو الوصول الى صيغة واضحة ومحددة لما يمكن ان يعتبره الجميع (الثوابت) الوطنية الجامعة لمشروع المقاومة العراقية بشقيه العسكري والسياسي، والسعي لوضع حدود فاصلة وجلية (قدر الإمكان) لما يمكن ان يكون في صف الإحتلال أو يخدمه، وبين ما هو وطني مناهض للإحتلال.

وهذه (الثوابت) يفترض ان تكون عاصمة للكثير من الواجهات الحزبية والسياسية وحتى السياسيين انفسهم وسواهم من تهمة (الشطط) و شبهة وجود أثر للمصلحة الذاتية في أي (إجتهاد) لأي منهم.  

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنه وبعد اكثر من خمسة سنوات على الإحتلال، ينبغي أن لا يكون هناك أي غموض في تصنيف أو توصيف الإجتماع بأقطاب الحكومة الإحتلالية أو عناصر العملية السياسية التي أسسها ورعاها الإحتلال. فالإجتماع مع اعوان الإحتلال ومناصريه يعني بكل بساطة الإعتراف بهم ومنحهم شرعية زائفة لا يستحقونها.

ونفس الشيء ينطبق ايضاً على ضرورة وضع آليات وضوابط محكمة للقاء أي طرف تابع للإحتلال الأمريكي سواءاً كان رسمي أو غير رسمي أو مموه تحت مسميات اخرى، بحيث نخلص بعدها إلى معرفة من سيسمح له القيام بذلك، وضمن اي شروط، وتحت أي ظروف. هذا الشيء إذا ما انجز بطريقة صحيحة فإنه قد يمنع أي جهة من الانفراد بقرار الاجتماع مع الإحتلال واعوانه ومناصريه من اطراف (العملية السياسية) تحت حجج وذرائع لا تتناسب مع الواقع، كما حصل بشكل واضح في ما عرف بـ (خلوة البحر الميت) والمثيرة لجدل لم تنته تداعياته المؤلمة حتى هذه اللحظة، عندما نجحت خلالها الإدارة الأمريكية بواسطة طرف غير مباشر وبواجهة مموهة (أكاديمية) هذه المرة، في استدراج البعض ممن هم في الصف الوطني (او يحسبون عليه كما يصر البعض على توصيفهم) إلى الإجتماع سراً بأعوان وشركاء الإحتلال والمساهمين بفعالية في "العملية السياسية" وتصوير ذلك الإجتماع على انه اجتماع (بريء) يهدف (لتبادل وجهات النظر). وكانت النتيجة المباشرة لهذا التصرف غير المحسوب العواقب، هو دق اسفين في عمق المشروع السياسي العراقي المناهض للإحتلال في المنفى وأسهم بشكل مؤكد في معارك جانبية ادت إلى خلخلة متانة بنيانه الهش اصلاً.

2. التأسيس لمرجعية (حكمائية) تكون بمثابة (محكمة ضمير وطني) وتتألف من شخصيات وطنية عراقية سياسية أو إقتصادية أو فكرية وسواها، تكون بمثابة (مجلس حكماء) لتقييم الإداء الميداني، ولإبداء النصح السياسي لكل طرف من اطراف المشروع السياسي المناهض للإحتلال داخل وخارج العراق، وكذلك لتكون بمثابة قاضٍ (محايد) فيما ينشب من خلاف أو إختلاف في وجهات النظر بينهم. ويفترض ان يكون (مجلس الحكماء) بمجموع افراده بمثابة مرجعية سياسية وطنية لا غبار على تاريخها الوطني وسمعتها الشخصية، وينبغي ايضاً ان تكون محايدة مع كل الاطراف السياسية وسواها التي تقف في الصف الوطني وبالضد من مشروع الإحتلال واعوانه. ولا مصلحة دنيوية مادية أو ذاتية أو معنوية لأي عضو من اعضائها يمكن أن تعود عليه من إشتراكه في (مجلس الحكماء). 

3. ابتكار صيغ جديدة لمساندة وتعزيز المقاومة المسلحة العراقية في الميدان، مثل ربط تمثيل ودور العشائر العراقية في التشكيلات السياسية والجبهوية المناهضة للإحتلال الأمريكي بمقدار التزام تلك العشائر بقتل أو أسر عدد من جنود الإحتلال (واحد يومياً لكل عشيرة مثلاً) او بما يتناسب وثقلها المجتمعي وتعداد افرادها. وجعل مثل هذا الالتزام، بعد التحقق منه عملياً وفق آليات مدروسة، مقياساً موضوعياً لحساب ثقل أو وزن تمثيل العشيرة أو القبيلة في القرارالسياسي العراقي الوطني المناهض مشروع الإحتلال. أو السعي ايضاً لتأسيس مشروع وطني لرعاية أبناء وأسر شهداء المقاومة العراقية الذين يستشهدوا في ميدان المواجهة مع الإحتلال، وتوسيعه لاحقاً كي يشمل ضحايا الإحتلال. أو توفير الدعم المالي واللوجستي لفكرة تشكيل فصيل مقاوم خاص من الإستشهاديات اللائي تم سابقاً اعتقالهن و إغتصابهن في سجون الإحتلال والراغبات في منحنهن الفرصة لفعل ذلك لإسباب شخصية او مجتمعية او عقائدية. أو حشد الجهود للقيام بحملة دولية لفضح الإحتلال ولتعويض معتقلي سجونه. وسوى ذلك من صيغ مبتكرة لزيادة رقعة المواجهة مع الإحتلال في المراحل الزمنية القادمة.

4. دعم وتوجيه الباحثين والمختصين والمؤسسات البحثية العراقية في المنافي، لمناقشة وتحليل أوجه القصور في العمل السياسي العراقي المناهض لمشروع الإحتلال وابتكار الصيغ والأطر اللازمة للنهوض والإرتقاء به لمواكبة الإنجازات الميدانية للمقاومة العراقية في الداخل.

5. السعي الجاد فكرياً وعملياً لفك التشابك والتداخل بين ما فيه مصلحة وطنية عراقية خالصة، وبين ما هو مصلحة ذاتية للدول الاقليمية وأجنداتها الوطنية والمخابراتية. وإيجاد الصيغ المناسبة والآليات المحددة لكيفية التعامل للتعاون معها أو لإجهاضها، وفقاً لمقياس فائدتها قرباً أو بعداً على التوالي عن المشروع الوطني العراقي.

6. تأسيس (خلية أزمة) سياسية مؤلفة من اختصاصيين في السياسة والإقتصاد والإعلام تتمكن من التفاعل بسرعة مع المتغيرات والاحداث اليومية والمرحلية، وتتولى استقراء وتخمين الاتجاهات المستقبلية للصراع مع الاحتلال وتكون بمثابة جهاز وطني (للانذار المبكر)، يضع السياسيين والنخب الفكرية والمجتمعية في صورة المتغيرات التي تطرأ مستقبلاً في داخل الساحة العراقية وخارجها وتقييم آثارها فيهما، لغرض ضمان التفاعل الحي والمؤثر في تلك المتغيرات.

7. ايجاد آليات لعزل وتفتيت تأثير بعض التصرفات والأفكار التي تتبناها الجهات والشخصيات والاحزاب العراقية في الخارج لأسباب ذاتية وأنانية أو دعائية أو مصلحية، بما في ذلك عزل ومحاصرة ومقاطعة الشخصيات ذات الإداء السياسي المتلون والمتذبذبة الولاء وذات الأجندات الذاتية الخاصة التي تسبب الضرر للمشروع الوطني.

8. التركيز دائماً على (الكليات) أو أصل المشكلة وهي وجود الإحتلال وأعوانه في العراق، وعدم السماح بتشتيت الجهد السياسي العراقي وسواه في (الجزئيات)، أو التورط في ممحاكات مخابراتية وسياسية والخوض في معارك جانبية إقليمية أو دولية ضد هذا الطرف أو ذاك. وتسويق ذلك على أنه من صلب مصلحة العمل الوطني العراقي.

هذا بعض ما تيسر لنا طرحه في هذه العجالة، راجين ان تكون مقدمة لفتح الابواب مشرعة امام كل المخلصين للإجتهاد بأرائهم وجهودهم في تعزيز العمل العراقي الوطني في مرحلة حرجة وشديدة الحساسية كالتي يمر بها عراقنا الغالي في هذه الأيام.   

وفي الختام لا يسعنا الا أن نشكر القراء الأفاضل على صبرهم بقراءة سلسلة المقالات هذه، وعلى تحملهم عناء التفاعل أو التواصل والذي لا يسعى منه جميع المخلصين للعراق وقضيته العادلة، إلا إبتغاءاً لمرضاة الله عز وجل أولاً، ومن ثم رضا الشعب العراقي وامتنا العربية والإسلامية، وصولاً الى هدفنا الأول والأسمى في هذه المرحلة الا وهو انهاء الاحتلال البغيض وتدمير مشروعه وإجهاض مخططاته الشريرة وتحطيم ادواته والقضاء على عملاءه.

 

انتهى.