في السرد الطائفي لشخصية صدام حسين

حارث الحسن*

 

 عندما سئل الراحل الكبير هادي العلوي، هل إن صدام حسين طائفي؟ كان جوابه بالنفي، معقباً: إن عقل صدام حسين بدائيٌ جدا لا يمكنه أن يتمثل ظاهرة معقدة كالجماعة الطائفية. إذا كانت الهوية اختيار، فإن صدام حسين لم يكن سنياً يوماً من الأيام إلا بمعنى الانتماء لبيئةٍ اجتماعيةٍ تدين بالمذهب السني. سوى ذلك، لم يكن صدام متديناً على الأقل قبل منتصف التسعينيات ولكنه بعد ذلك ووسط عزلته الشديدة راح يستخدم الرموز الدينية في خطابه السياسي ويتقمص شخصية المبعوث الإلهي بعد أن لم يعد بإمكان حكمه أن يستند على أي مشروع عقلاني.

 

التسعينيات كانت زمن هزيمة العقل في العراق، ففي مجتمع غالبيته تبقى على قيد الحياة بفضل بضعة كيلوات من الرز والطحين يوفرها لهم نظام البطاقة التموينية، والأجر الشهري لمعلم المدرسة أو الموظف الحكومي لا يتجاوز ثلاثة دولارات شهريا، كانت هناك حاجة لكل الإبداعات الغيبية كي تعطي معنى للحياة، ولم يكن هتاف الإعلام الرسمي الحكومي يوميا عن النصر الأكيد للعراق على الأعداء إلا تمثيلاً هزلياً لتقمص الغيب في الحياة العراقية.

 

في ذلك الزمن تحديداً، بدأ الناس بكثافةٍ أكبر يطرحون أسئلة من نوع ما هو ثواب صلاة الغفيلة "صلاة شيعية" أو التراويح "صلاة سنية"، وما هو أفضل دعاءٍ لجلب الرزق، والى أي إمام أو وليٍ يجب أن يتجهوا لطلب حاجة ما. في ذلك المفصل ومع تصاعد البحث عن الأدعية وقبور الأولياء، كان العراقيون يعيدون اكتشاف هوياتهم الدينية والطائفية، ومع صعود التدين وتأثير الطقوس الدينية تأكدت المسلمة البسيطة التي طرحها حنا بطاطو: في العراق، الإسلام كان دائماً عامل تقسيمٍ لا توحيد.

 

وإذ كانت المجتمعات المدينية العراقية تكتشف التدين مجدداً، كان النظام ورموزه يهربون إلى الملاذات الغيبية والدينية أيضا، بدأ صدام يستقبل بتواترٍ أكبر رجال الدين، بينما كان نائبه عزت إبراهيم يكثف صِلاته بالجماعات الصوفية. ولكن تلك كانت قمة جبل الجليد، وتحته ديناميات التفتيت الطائفي تضرب عميقاً في بيئة تكابد اكبر أنواع الشقاء، بينما يختبئ الرئيس في غرفة ما في مكان سري ما ليكتب القرآن بدمه!

 

لم يكن صدام حسين طائفياً، كانت أوسع دوائر الولاء التي يدركها عقله "البدائي" هي العشيرة الصغيرة، ولكن حتى هنا، عندما يتنازع هذا الولاء مع ولائه المطلق لذاته لا يعود هنالك مجالٌ للتردد. صعود صدام في السبعينيات رافقته تصفية الجناح اليساري في البعث، أسقط الرجل كل خصومه الشخصيين والإيديولوجيين، الحقيقيين أو المحتملين، واحداً تلو الآخر، أما المؤسستان العسكرية والأمنية فقد اعتلى مواقع المسؤولية فيهما أقارب صدام وبعض المرتبطين به عشائرياً أو مناطقياً. كانت الطائفية نتاجاً عرضياً لهذا الاختراق العشائري والقبلي والمناطقي، بمعنى أن النظام أصبح ذا تركيبة طائفية ليس لأنه نظامٌ "سني" إيديولوجيا، بل لأن بنية السلطة فيه تشكـّلت على أسس إقصائية تمركز الولاءات القرابية. ثم عندما تراجعت موارد النظام في التسعينيات بفعل العقوبات الاقتصادية، أخذت هذه البنية طابعاً أكثر إقصائية.

 

يعزو الباحثون الصراعات الإثنية والطائفية الحادة في مجتمع ما إلى حالة يتطابق فيها الانقسام الإثني أو الطائفي، مع الانقسام الاجتماعي – الاقتصادي، أي أن قسماً ما من السكان يمكن تعريفه بهوية إثنية أو طائفية يحتل أعلى الهرم الاجتماعي بينما قسماً آخر يقبع في أسفله. وفي دولنا الريعية حيث السيطرة على السياسة والدولة تقود إلى السيطرة على الموارد والاقتصاد، تطييف بنية السلطة عرضيا عزز من الانقسام الطائفي ومن تطييف بنية المعارضة لتلك السلطة. نفس الشيء نراه يحدث في سوريا والبحرين اليوم، وان كان يحد منه في الحالة السورية وجود طبقةٍ وسطى تنتمي للمجتمع السني منتفعة اقتصادياً من النظام.

 

فكيف أصبح صدام اليوم رمزا "سُنيا" يراه السُنة المتطرفون شهيدا والشيعة المتطرفون عدوا طائفيا؟ الجواب هو إننا في ظل تعمُق الانقسام الطائفي وصعود السرديات الطائفية بتنا نوغل في تفسير الأشياء طائفياً ونوسع التفسير ليشمل الجغرافيا والسياسة والتأريخ. التضامنات القائمة على الهوية الجمعية تستمد قدرتها على التعبئة الشعبية من خطابات لاعقلانية وأساطير وتفسيرات تبسيطية لعالمنا المعقد. لا تحتاج سردية الهوية لأن تكون عقلانية ومنطقية، يقول انتوني سمث المتخصص بالدراسات الإثنية، يكفي أن تكون قادرة على تعبئة جمع غفير من الناس لتتحول إلى "حقيقة" بعيون أصحابها.

 

هكذا تشكلت الخطابات الشيعية المعارضة لنظام صدام، متجاوزة مختلف العوامل المعقدة التي قادت لبناء الديكتاتورية الأشرس في التأريخ العراقي (كالريع النفطي المتصاعد والتوازنات الجيوسياسية الإقليمية)، ليُقَدَم صدام حسين بوصفه خصما معاصراً للشيعة تنعكس فيه مواصفات شخصيات تاريخية كيزيد والشمر "قاتل الحسين بن علي"، وتجلى الترميز الطائفي في عملية إعدام الرجل سواء تعلق ذلك بنوع التهمة، أي قضية الدجيل التي جرى أيضا سردها بوصفها قضية تصفية معارضين "شيعة"، أو بالطقوس التي أحاطت بالعملية كالوجود المكثف لشخصياتٍ شيعيةٍ إسلامية حضرت للتأكد من خروج روح خصمها، أو هتافات الحرس باسم مقتدى الصدر.

 

وفي مواجهة الدعاية الطائفية الشيعية التي أحالت "الانتقام" من صدام إلى جزء من سرديتها المذهبية، فان الدعاية الطائفية السنية أخذت تعيد سرد الصدامية كظاهرة "إسلامية سنية"، ولعبت وسائل إعلام إقليمية رئيسية كالجزيرة دوراً لا يقل خطورةً في تأجيج الانقسام و "تسنين" صدام، فمن يراجع خطاب الجزيرة بعد حرب العراق ويقارنه بخطاباتها المتأخرة بعد حرب ليبيا، يدرك جيدا أن الاعتقاد الذي ساد لدى كثيرين ومن بينهم أنصار للنظام السوري بأن الجزيرة كانت تتخذ موقفا استقلاليا ومناهضا لاحتلال العراق كان قائماً على تصورٍ خاطئ، ففي تضاريس ذلك الموقف المحتفل بـ "المقاومة" والمتعاطف مع صدام حسين، كانت القراءة الطائفية للحدث ترمي بظلالها على تلك التغطية. شئ ما غير الاحتلال الاجنبي كان يشكل موقف الجزيرة من عراق ما بعد صدام.

 

أصبح صدام حسين سنياً بالرغم من انه لم يكن كذلك في يوم من الأيام، وبالطريقة ذاتها يتحول نظام بشار الأسد إلى شيعي اليوم، وفي ظل الصعود المخيف للسرد الطائفي بات ممكناً أن تقرأ في موقع الجزيرة من ينادي لدعم السوريين "السنة" ضد الديكتاتور الشيعي، ومن ثم تحرير سوريا من الهيمنة "الصفوية" تمهيدا للانتقام للشهيد صدام حسين الذي قتله الصفويون!

 

وعلى الجانب الآخر ستسمع من يحذر من هيمنة القاعدة والسلفيين على سوريا، البلد الذي كانت الكثير من الخطابات الشيعية تعتبره محكوماً من طغمة بعثية علمانية "كافرة"، ومتواطئاً مع القاعدة في نشاطها داخل العراق!

 

عالم نُجبَر فيه على أن نكون سُنة أو شيعة أو مسيحيين فقط، سيكون عالماً موغلاً بالكراهية والخرافات، أبطاله وشهداؤه قتلة ومجرمون.

 

* كاتب وباحث عراقي