عطل دينية لأكثر من ثلث السنة

http://www.niqash.org/images/0.gif

احمد السعداوي (بغداد) – 13/8/2008:

هناك أكثر من مئة وإحدى عشرة مناسبة في أجندة الأعياد الشيعية، تشترك في بعضها مع الطوائف الإسلامية الأخرى، كعيد راس السنة الهجرية وعيدي الفطر والأضحى والمولد النبوي، ولكن أكثرية الأعياد الشيعية تختص بجملة من مناسبات الولادة أو الوفاة للائمة الاثني عشر من نسل النبي محمد (ص) الذين يقدسهم الشيعة ويجلهم.

وكان الشيعة العراقيون في زمن النظام السابق محرومين من الاحتفال بأي من هذه الأعياد، وكانت تتم ملاحقة من يحتفل بها ويعاقب. والأمر اختلف بعد سقوط هذا النظام، حيث بعثت الحياة من جديد بالكثير من الطقوس والشعائر المرتبطة بالأعياد الشيعية. وكانت طقوس السير إلى الأضرحة المقدسة واحتفالات عاشوراء امراً ملفتاً ومثيراً للانتباه، بشأن النظر إلى أوضاع العراق الجديد.

ففي الوقت الذي تكشف فيه هذه الطقوس التي يشارك فيها الملايين من الشيعة عن مصاديق لحرية التعبير والتعبد، مثـّلت في الوقت نفسه رسالة مبطنة تشير إلى قوة الحضور الشيعي، وعامل ضغط استعراضي للقوى السياسية الشيعية، التي تتفاوض مع الأطراف العراقية الأخرى من اجل مكاسب اكبر للشيعة، او للسياسيين الشيعة على الأقل.

من جانب آخر، ومع الخطوات المتعثرة لتشكيل دولة عراقية جديدة يمكن ان تنهض بمسؤولياتها الامنية والاقتصادية والخدمية وغيرها، مثـّلت الزيارات التي سميت بـ"الزيارات المليونية" تحدياً امنياً كبيراً على الدوام، تقوم الدولة فيها باستنفار كامل قوتها، لمنع أي استهداف للزائرين من قبل الجماعات السنية المتطرفة، وأهمها القاعدة. التي وجدت في هذه الحشود من الشيعة صيداً مغرياً على الدوام، وقد نتج خلال السنوات الخمس الماضية بعض من أسوأ حوادث التفجير الانتحاري التي نفذتها القاعدة في المنطقة وسط حشود تلك الزيارات.

جملة الأعياد الشيعية يشغل من اهتمامات الأجهزة الأمنية العراقية ما يعادل ثـُلث أيام السنة، وهو أمر ملفت، وكان بعض الليبراليين الشيعة يتوقع أن تقوم الحوزة الدينية في النجف بالتعليق على الحوادث الدامية التي تتخلف دائماً بعد أي زيارة مليونية للأضرحة المقدسة. وان تقوم المرجعية الشيعية بالدعوة إلى تأجيل الزيارات، أو القيام بها بشكل رمزي داخل المناطق السكنية، وعدم التوجه إلى الأضرحة، خصوصاً وان هذه الزيارات هي من "المستحبات" وليست واجبات دينية لازمة كالصوم أو الصلاة أو الحج. ولكن الحوزة لم تصدر تعليقات واضحة بهذا الصدد، ويبدو أن لا أحد من القيادات الدينية والحزبية يريد أن يحد من هذه الزيارات التي تقوم في الغالب بتعطيل عمل الدوائر الحكومية والجامعات والمدارس والمصارف، وحتى النشاطات الاقتصادية الحرة، وأعمال الأجور اليومية، وأعمال البيع والشراء في الأسواق. وعلى العكس فأن اغلب الأحزاب الشيعية العاملة في الساحة تسعى دائماً لاستثمار هذه المناسبات الشعبية لصالح كسب تأييد أكبر لأجنداتها السياسية. وغدا من المألوف أن تصطبغ هذه الشعائر الدينية البحتة بعناوين سياسية محددة. خصوصاً مع السرادق (الخيام) وخدمات تقديم الماء والطعام المقامة على الطريق إلى الأضرحة المقدسة، حيث ترى فوق الخيام لافتات تعبر عن الجهة السياسية الراعية لهذا العمل. وهذه الأحزاب تسعى لإدامة وتوسيع هذه المناسبات الحاشدة طمعاً في الوصول إلى اكبر عدد ممكن من المؤيدين المحتملين.

كما أن جملة من السياسيين العراقيين استثمر حضور جموع الزائرين إلى كربلاء أو النجف لإلقاء كلمة في الحضور، وكأنهم حشد حزبي جاء لسماعه وليس لأداء مراسم الزيارة.

وبالنسبة للدولة وتشريعاتها، فهي لا تتبنى كل أجندة الأعياد الشيعية باعتبارها أعيادا ومناسبات رسمية، فما سوى العاشر من محرم (يوم واقعة ألطف) وبعض الأيام القليلة الأخرى بالإضافة إلى عيدي الفطر والأضحى، فإن أيام المناسبات الأخرى لا تعتبر عطلاً رسمية، ولكن واقع الحال يفرض التعطيل في هذه المناسبات، فيتم التعطيل قبل المناسبة بيوم وبعدها بيوم آو أكثر في الغالب، وقد تحدث بعض المشكلات بسبب هذا التقاطع ما بين مناسبات المجتمع ومناسبات الدولة، فمثلاً لم يجد العديد من الموظفين وطلبة الجامعات الطرق سالكة في زيارة الإمام موسى الكاظم الأخيرة التي يذهب فيها الشيعة سيراً على الأقدام من المحافظات الجنوبية ومن الأحياء البغدادية الشيعية باتجاه حي الكاظمية، بسبب حالة الاستنفار الأمني، ووجد البعض من الموظفين والطلبة بعد يومين أن الجامعة آو الدائرة قد عاقبتهم واعتبرتهم غائبين لأن هذه المناسبة لم تكن عطلة رسمية.

ليست هناك مشكلة لدى الكثير من المنتقدين مع اصل الزيارة وطبيعتها الدينية، ولكن الانتقاد يتوجه الى الاحزاب التي تعمل على تسييس الزيارات الدينية وتنمية هذه الطقوس وتوسيعها لاستثمارها سياسياً، متجاهلة التعطيل الاقتصادي والحكومي الذي ينجم عن خروج الملايين لزيارة ضريح مقدس، وتوقف العديد من الدوائر وعلى رأسها الدوائر الاقتصادية كالمصارف والشركات عن العمل، عدا عن النفقات الكبيرة التي تتكبدها المؤسسات الأمنية لحماية الحشود المليونية.

هناك من يرى بأن كثرة المناسبات الشيعية جاءت تاريخياً لخلق وحدة وتماسك في المجتمع الشيعي الذي أقصته السلطة في العراق دائماً الى الهامش. ويجب الآن، بعد أن استعاد الشيعة دورهم السياسي، أن يعاد النظر في هذا التركيز على الاستعراض الطقوسي والجماهيري للاحتفال بهذه المناسبات، لأنها تنتمي إلى روحية المعارضة وليس روحية من يملك السلطة.

احد الصحفيين في بغداد كان يعتاش حتى وقت قريب من خلال المقالات التي ينشرها في صحيفة من الصحف الكبيرة في بغداد تحت صيغة التعاون أو الاستكتاب، ولكنه لجأ مؤخراً إلى التعيين فيها كموظف براتب ثابت، وهو يبرر لي اتخاذه هذا القرار بالقول: "كان تعطيل إصدار الصحف مع المناسبات الدينية الكثيرة يجعلني خاسرا، حيث كانت مقالاتي تتأخر في الصدور مما لا يتيح لي نشر عدد كبير من المواد شهريا، أما الآن فأنا أنال أجرا أكبر من المكافئات الذي كنت آخذها سابقاً، مع الاستفادة من المناسبات الدينية والعطل الرسمية التي تشعرك أنك خارج الوظيفة حقا.. ".