عيد الميلاد في العراق

ليلى أنور

25 كانون الأول 2009

ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد (مقتطفات من المقالة الأصلية)

 

ظروف حياة المسيحيين في العراق سيئة، بل وسيئة جداً منذ العام 2003.. شهدت هذه المجموعة العراقية الأصيلة والعريقة تقلص أعدادها من 45% إلى 15% في بغداد وحدها بسبب التطهير العرقي، الاختطاف، التعذيب، الاعتقال التعسفي، النفي، والقتل المستهدف..

 

تضاءلت كذلك أعدادهم في العراق إلى مجرد 400 ألف (مقارنة بعددهم الكلي لما قبل الاحتلال بأكثر من 800 ألف نسمة).. الكثيرون اغتيلوا وآخرون هربوا إلى المنافي..

 

لم يسلم أحدهم من سوء المعاملة، التهديد، الاغتيال، أو الهجرة، لغاية قتل بعض اساقفتهم ورموز ديانتهم، بل وحتى قصف وتفجير كنائسهم.. استبعدوا من المناصب العامة، وأُسقطت عنهم حقوق المواطنة من االناحية الفعلية في ظل حكومة الاحتلال الطائفية.. هذه الحكومة التي نصبتها ما يُسمّى بالقوة العظمى المسيحية- الغارقة في مستنقع الإجرام والقذارة والرذيلة- الولايات المتحدة الأمريكية- ومعها تلك المسماة بريطانيا المجردة مل كل عظمة وفضيلة..

 

يكاد المرء لا يرى مسيحيون في العراق، مع أنهم أول من سكنوا هذه الأرض، وأول من تلقوا رسالة المسيح واعتنقوا المسيحية، ليأتي الآشوريون والكلدانيون ليشكلوا أعرق المسيحيين في الشرق الأوسط..

 

لم يبق سوى عدد قليل جداً من الأُسر المسيحية في جنوب العراق، وحفنة منهم في بغداد، وبقية باقية في محافظة نينوى، حيث يعيش غالبية الكلدان، ويجري إجلاءهم أو طردهم من منازلهم في سياق مضايقات يومية واغتيالات هادفة إلى دفعهم الهروب باتجاه المنافي..

 

بالأمس فقط، تعرضت كنيستان للقصف مرة أخرى.. ولم يتوقف رئيس اساقفة الموصل عن إرسال الرسائل والنداءات إلى الحكومة الدُميّة puppet تضمنت آخرها: "الرجاء أنقذونا... الرجاء أحمونا..."

 

كثيرون من المسيحيين ومعهم عراقيون طيبون يلقون اللوم على الحكومة العميلة الطائفية وعلى زعماء المليشيات الكردية بسبب محنة المسيحيين هناك، وهم محقون في لومهم..

 

لم يتعرض أبداً مسيحيوا العراق(والأقليات الثقافية الأخرى) للتمييز العنصري والمضايقات والعنف قبل الاحتلال العام 2003.. إنها حقاً جرائم لا سابقة لها في بلد أقدم حضارة بشرية.

 

في كل مرّة أسمع فيها هجوماً آخر على مسيحيي العراق، يفور دمي، المزيد من الغضب ينتابني، أشعر بتصاعد ضربات قلبي، وأُعاني من شدة حزني وألمي.. وهذا ما يفعله الأغلبية الطيبة من العراقيين ممن يشعرون بانتمائهم الواحد وعيشهم المشترك، مع بقية إخوانهم، على هذه الأرض الطيبة.. ويستهجنون ويستنكرون هذه الجرائم لشراذم متخلفة طائفية مصلحية فاسدة بلغت الحكم بـ "فضل" الاحتلال.. من هنا يبقى الجاني الرئيس تلك القوة النتنة.. رأس الإمبريالية العالمية.. الولايات المتحدة الأمريكية..

 

صرتُ لا أشعر بأعياد الميلاد في ظروف الخوف والرعب السائدة.. قبل هذه الأحداث المؤلمة، اعتدتُ على شراء شجرتين وأضفي عليهما حلة من الزينة محمّلة بالهدايا وإرسال الدعوات في مثل هذه المناسبة، وكذا كان يفعل الأصدقاء والمعارف، والفرح يعم أهل العراق بمختلف انتماءاتهم.. لم يعد هذا ممكناً.. خوف داخل العراق، بخاصة بين المسيحيين وفي هذه المناسبة.. وحزن خارج الوطن لمئات الآلاف المشردين وفيهم المسيحيين على ما آلت إليه أحوال الناس العراقيين..

 

لا أشعر بأي شيء بعد أن غاب الفرح والأمان.. لم يعد هناك شعور بهذه المناسبات في المجتمع.. وحتى أولئك الذين يعيشون في الشتات في ظروف نزوحهم الجماعي.. فهذه مجرد مناسبة لاستعادة شعورهم بمأساتهم ومأساة وطنهم.. إن ذكر أعياد الميلاد والأعياد الوطنية والدينية الأخرى صارت جميعها ذكرى تفتح الجروح، وصرخة مدوية تلطم الوجوه، ودعوة وطنية لإزالة هذا السرطان القابع في جوف العراق..

 

ومع ذلك، وكفعل من أفعال التحدي، وقوة الإرادة، أصرت عائلتي عل تناول العشاء التقليدي عشية عيد الميلاد.. جاريتهم على طول الخط، وشاركتهم، إن كانت تلك عشية عيد الميلاد أصلاً!!

 

وفي كل ذلك، شعرتُ بالسخرية من النفاق المطلق للغرب.. الغرب المسيحي الذي، من خلال احتلاله لوطني، دمّر تماماً حياة المسيحيين.. المسيحيون الأوائل في هذا العالم.. في الشرق الأوسط.. وفي العراق!!