بعض الملاحظات حول نص الدستور المطروح للمناقشة والمنشور في جريدة الصباح

 

د. كامل عباس مهدي

جامعة أكستر

 

من الملاحظ أن النص الأولي لمشروع الدستور لا يحوي إلا فقرات محدودة جدا ومبهمة حول المسائل الاقتصادية وبشكل خاص حول واجبات الحكومة في مجال الإدارة الاقتصادية وتجاه حقوق المواطنين الاقتصادية ورعاية مصالحهم. وقد يفسر ذلك بالرأي القائل بأن الدستور يجب ألا يقيّد السياسة الاقتصادية بشكل يضعف مرونتها وكفاءتها، إلا أن الأمر لا يتعلق بتقييد السياسة بقدر ما يتعلق بمنح صلاحيات الإدارة الاقتصادية في موقعها المناسب والصحيح بل ومنح الدولة الوطنية القدرة على تنظيم الاقتصاد وتوجيه الموارد الوطنية لمصلحة الشعب، ووضع شروط التعامل الدولي المناسبة للبلاد.

 

ويلاحظ في النص ما يلي:

1-   أنه لا يمنح السيادة على الثروات الطبيعية للشعب ممثلا بمؤسسات الدولة المركزية، بل يشير إلى الثروات فقط بالصلة بشؤون الأقاليم. ويعالج النص الثروات الطبيعية وكأنها مجرد إيراد مالي، مهملا حماية البيئة والإدارة الاقتصادية الصحيحة والمصلحة الوطنية العامة والمشتركة، وكل ما يحدد سلطة الأقاليم هو تعبير مبهم يقول: "على أن لا يتعارض مع دستور الاتحاد" في حين أن النص لا يحوي مواد دستورية واضحة أخرى ذات علاقة.

2-   في الباب الثالث، المادة 6أ يشير النص إلى مسؤولية الحكومة في أعداد الموازنة العامة وخطط التنمية، وذلك نص مبهم لا يؤكد على أن هذه الموازنة يجب أن تشمل السياسة المالية العامة للبلاد ويجب أن تحوي أطارا محددا لموازنات الأقاليم والمحافظات ومؤسسات الدولة ذات الطابع التجاري المستقل أو التي لها حق الجباية من المواطنين. فوضع الموازنة وخطط التنمية هي ممارسات اعتيادية للمشاريع التجارية كما هي للدولة، إلا أن ما يميز الدولة في هذا المضمار هي قدرتها على التحكم بالسياسة المالية والسياسة الاقتصادية عامة وفقا لظروف البلاد. فإن لم تكن للحكومة مقدرة على التحكم (ضمن حدود واضحة) بموازنات الأقاليم وغيرها، لن تبقى لها سياسة مالية وقدرة على إدارة الاقتصاد للمصلحة العامة. ويبدو أن كل هذه الأمور جرى ترحيلها للمادة 6ب التي تقول بمسؤولية مجلس الوزراء عن إصدار الأنظمة والتعليمات بهدف تنفيذ القوانين.

3-   لا يشير النص أبدا إلى مسؤولية الحكومة في وضع السياسات التجارية وسياسات العمل وانتقال رأس المال وسياسات تنظيم البيئة الاقتصادية مما يفتح الباب على مصراعيها لسياسات متناقضة داخل البلد الواحد ولمنافسة مضرة فيما بين الأقاليم تقود إلى الضرر بالجميع وتؤثر سلبا بشكل خاص على الفئات الأضعف في المجتمع، إذ يقود انعدام السياسات الوطنية المشتركة إلى التنافس نزولا إلى أضعف الحقوق الاجتماعية وأسوأ نظم العمل وأقل الضمانات الاجتماعية.

4-   تنص المادة 6أ من الفصل الثاني على استقلالية البنك المركزي وذلك أمرا يرتبط بالعلاقة فيما بين السياسة المالية والسياسة النقدية وهو موضوع فلسفة اقتصادية لا تخضع للإجماع أو الاتفاق العام وبالتالي فهي مادة لا تصلح أن تكون دستورية، وللعلم فإن مصرف إنكلترا وهو البك المركزي في البلاد لم يصبح مستقلا إلا في عام 1998 والواقع أن سياسة كهذه لا تخدم العراق في المرحلة الحالية.

5-   في الباب الثالث المادة 17أ و17ب والمادة 22 نجد تحديدا شديدا لإمكانية السلطة التشريعية في مراقبة والتأثير على الساسة الاقتصادية. فلا يحق للجمعية الوطنية أن تقترح على مجلس الوزراء زيادة إجمالي مبالغ النفقات إلا "عند الضرورة"، ويحق لها فقط "النظر في القروض أو المشروعات المنوي إبرامها من قبل الحكومة العراقية التي يترتب عليها إنفاق مبالغ من خزانة الدولة"، أي لا يحق لها الرفض، وهذه مسألة خطيرة للغاية في ضوء احتمال طرح عقود وامتيازات نفطية وغيرها. طبعا يمكن للجمعية الوطنية أن تسحب الثقة بالحكومة بل التصديق على اتفاق كهذا، إلا أن ذلك أمر أصعب، وبالتالي فإن تحدي دور السلطة التشريعية سوف يخدم الاستعجال في عقد الصفقات الخارجية المؤثرة على السيادة الاقتصادية.

6-   يهمل النص مسؤولية الدولة تجاه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومنها الفقر والبطالة والضمان الاجتماعي والتنمية البشرية والخدمات العامة، ولعل أسطع مثال على ذلك هو ترك مسؤولية التعليم على الأسرة بالدرجة الأساسية بدل الإصرار على إلزامية التعليم وثم التعبير الهزيل فيما يخص الفقر وغير ذلك.، إضافة إلى موضوع هضم حقوق المرأة الذي أشار إليه الكثيرون.

 

هذا وإن النص بشكله الحالي لا يصلح أبدا ليكون دستورا لدولة وطنية عصرية.