التوزيع: محدود

الرقم: مركز/ندوة 40/7

الأصل: بالعربية

التاريخ: 15/7/2005

 

مركز دراسات الوحدة العربية

 
 

 

 

 


ندوة "مستقبل العراق"

25 28 تموز/يوليو 2005

بيروت – لبنان

 

 

 

القضيــة الكرديــة(1)

 

 

(1) أعد الورقة الأولية الدكتور سعد ناجي جواد، وناقشها وأدخل تعديلات عليها وأصبحت بهذا الشكل النهائي بموافقة إجماعية لجنة مؤلفة من الأخوة (حسب التسلسل الأبجدي): د. خليل الحديثي، د. خير الدين حسيب، د. سعد ناجي جواد، د. عبد الحسين شعبان، ود. وميض نظمي.

 

 

________________________

* إن الآراء الواردة في هذه الدراسة تمثل وجهة نظر المؤلف، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز دراسات الوحدة العربية.

** جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة نشر هذه الدراسة، كلاً أو جزءاً، بدون موافقة تحريرية مسبّقة من مركز دراسات الوحدة العربية.

*** يحظر على المشاركين تسريب هذه الدراسة إلى أية جهة إعلامية، كلاً أو جزءاً.


 

نظرة تاريخية

 الأكراد شعب أصيل يعيش في المنطقة التي عرفت باسم كردستان منذ آلاف السنين. وكما هو الحال مع أجزاء المنطقة فلقد قسمت منطقة كردستان وأعيد تقسيمها عدة مرات وضد رغبة أبنائها. وأخضعت إلى الحكومات والدول التي حكمت المنطقة. وكان آخر تقسيم هو ذلك الذي حصل في عام 1923 والذي جاء نتيجة لمعاهدة لوزان التي قسمت المنطقة على الشكل الذي نعيشه الآن، وأصبحت دولة العراق الحديث والتي وضعت تحت الانتداب البريطاني تتكون من ولايات عثمانية ثلاث هي ولاية الموصل وولاية بغداد وولاية البصرة. وكانت ولاية الموصل وبعد الاحتلال العراق قد قسمت إلى أربعة محافظات (ألوية) هي: الموصل بأغلبية عربية، وأربيل والسليمانية بأغلبية كردية، وكركوك بأغلبية تركمانية باستثناء بعض الأجزاء الشمالية منها.

 

منذ بداية الاحتلال البريطاني أظهر أكراد السليمانية وأربيل رفضاً واضحاً له ولأسباب مختلفة. بداية كان السبب الديني، حيث إن غالبية القيادات الكردية العشائرية والقبلية بل والشعب الكردي بصورة عامة متمسكين بالدين الإسلامي الحنيف، ولذلك وُجدت الدعوة إلى الجهاد الإسلامي وإلى جانب الدولة العثمانية المسلمة وضد المحتل الغربي استجابة كبيرة. ولما وجدت القيادات العشائرية الكردية أن القوات العثمانية قد هزمت وأن النية متجهة إلى تأسيس دولة عراقية وتقسيم المنطقة إلى دول، انتفض الأكراد مطالبين بدولتهم أسوة بالدول والشعوب الأخرى. ثم كانت هناك المحاولات الرافضة لتنامي قوة السلطة المركزية للدولة والمحاولات التي رفضت، أو التي مثلت الاحتجاج الكردي على عدم منح الأكراد حقوقهم السياسية والثقافية، واللغوية منها خاصة. الأمر الملفت للنظر في تلك الفترة أنه في الوقت الذي حرصت فيه القيادات العراقية على التفاهم والتقارب مع الشعب الكردي باعتباره جزءاً لا يتجزأ عن الشعب العراقي مع الاحتفاظ بخصوصيته، كانت الإدارة البريطانية تستخدم الورقة الكردية كأداة للتأثير والضغط على الحكومات العراقية المتعاقبة وإجبارها على توقيع المعاهدات والاتفاقات طويلة الأمد والتي تصب في مصلحة بريطانيا. بكلمة أخرى كانت الإدارة البريطانية تحرض الأكراد من جهة، وعندما كانت تحصل على ما تريد كانت ترسل القوات المسلحة والقوة الجوية الملكية البريطانية لقصف المناطق الكردية ونفي القيادات الكردية إلى خارج كردستان العراق أو إلى خارج العراق. (وفي الحقيقة فإن الدور الأجنبي السيئ ظل يؤثر في الحركة القومية الكردية وبالأسلوب نفسه ولو بطرق مختلفة على طول مسيرة الحركة).

 

عند بداية الحكم الوطني في العراق (عام 1921) أصرت الإدارة البريطانية على إبقاء مسألتين معلقتين، الأولى مصير ولاية الموصل والمطالبة التركية بها، والثانية انضمام المحافظات (الألوية) الكردية إلى الدولة العراقية الجديدة بشكل كامل وتحت ملك عربي هو الملك فيصل الأول. وظلت الإدارة البريطانية آنذاك تروج بأن النفوذ التركي كبير في كردستان العراق وأن الرغبة لدى الغالبية هي الانضمام إلى الدولة التركية. وبقي السبب الحقيقي غير المعلن يتمثل في رفض القيادات الوطنية العراقية الفتية توقيع معاهدة طويلة الأمد مع بريطانيا. حاول الملك فيصل أن يتحقق من هذا الأمر فأرسل وزير الداخلية آنذاك (رئيس الوزراء في ما بعد) عبد المحسن السعدون، الذي كتب له قائلاً: في اليوم الأول لزيارتي التقيت مع وجوه وتجار أبناء السليمانية الذين أخبروني بأنهم "مستعدون لحلف يمين الولاء لجلالتكم والانضمام إلى الدولة العراقية الفتية، وإنهم مستعدون لإرسال المضبطات التي تؤيد ذلك (أي تأييد الملك وولايته على العراق) إلى بغداد أسوة بالأجزاء الأخرى من العراق. واتفقنا على فعل ذلك اليوم التالي". كما أنه أكد للملك "أن الخطر التركي غير موجود" وأن الغالبية العظمى التي التقى بها ترفض أن تكون جزءاً من الدولة التركية التي عانوا فيها الكثير. ثم يقول له "ولما اجتمعنا في اليوم التالي رفض الجميع توقيع المضبطات وقالوا بالحرف الواحد، بما إننا لا نزال لا نعرف كيف نميز بين الخير والشر فإننا نوكل أمورنا إلى المندوب السامي البريطاني لكي يقرر لنا ما هو مفيد وصالح".

 

المهم إنه وبعد أن وافق مجلس النواب على التوقيع على المعاهدة العراقية – البريطانية بغالبية (37) عضواً ورفض (24) وامتناع (8) وتغيب الأغلبية الباقية. انضمت السليمانية إلى الدولة العراقية، وصدر قرار من مجلس العصبة بحل مشكلة ولاية الموصل المتنازع عليها مع تركيا بضمها إلى العراق (علماً بأن الغالبية من سكان ولاية الموصل العثمانية كانت قد صوتت إلى جانب البقاء ضمن الدولة العراقية في الاستفتاء الذي أجرته اللجنة التابعة لعصبة الأمم والذي نظر في النزاع ما بين العراق وتركيا حول هذه الولاية). وسويت المشاكل الحدودية مع تركيا بصورة نهائية (في عام 1925). وكان قد تم قبل ذلك إصدار بيان عراقي – بريطاني مشترك يعطي الأكراد الحق في تشكيل حكومة لهم في كردستان العراق وأن يرسلوا من يمثلهم إلى بغداد، إلا أن هذا الاتفاق لم يطبق أو ينفذ.

 

بحلول عام 1930 طرحت مسألة انضمام العراق إلى عصبة الأمم كدولة مستقلة، واستوجب الأمر توقيع معاهدة جديدة مع بريطانيا، واجهت المعارضة نفسها في بعض بنودها، وفي الوقت نفسه أثيرت اعتراضات كردية كثيرة حول الحقوق الثقافية الكردية في العراق. وتصاعد الأمر حتى وصل إلى حد الانتفاضة الطلابية في السليمانية وعاد الشيخ محمود الحفيد إلى الساحة ليعلن ثورة أخرى ضد ما وصف بالإهمال الواضح للحقوق القومية والثقافية الكردية وعدم إدراج هذه الحقوق أو الضمانات الكردية المطلوبة في طلب العراق للانضمام إلى العصبة. وبعد أن تم توقيع المعاهدة الجديدة وانضم العراق إلى العصبة (عام 1932) انطلقت طائرات القوة الجوية الملكية البريطانية لتفتك بالمناطق الكردية وتخمد ما أطلقت عليه تمرد كردي آخر.

 

إن ما قيل أعلاه، والذي تكرر مرات ومرات في حقبة الحكم الملكي، وبخاصة في الفترة ما بين 1939-1946، حيث وقفت القيادات العسكرية والمدنية الوطنية العراقية ضد الدخول إلى الحرب إلى جانب بريطانيا، بل ووصل الأمر إلى التمرد على القيادة والوجود البريطاني، والحرب الدامية العراقية التي جرت بين الجيش العراقي الفتي والقوات البريطانية في عام 1941، والتي انتهت باحتلال العراق مرة ثانية، يجب أن لا يفهم منه أن الحركة الوطنية القومية الكردية كانت تأتمر بالأوامر البريطانية وإنها كانت تظهر فقط عندما يطلب منها ذلك بريطانياً، كما يحلو للبعض القول. لقد كان الشعور الوطني الكردي، شأنه شأن الشعور الوطني العربي، في العراق رافضاً للسياسة البريطانية، ورافضاً لتهميش دور الأحزاب الوطنية ورافضاً لمسألة عدم فسح المجال للمشاركة السياسية للأحزاب المعارضة، وإن تخفيف الضغط عن هذه الحركات في بعض الأحيان، أو زيادة الضغط في أحيان أخرى إلى حدود لا تطاق، يؤدي إلى إشعال فتيل ثورات شعبية ومسلحة لا يمكن الاستهانة بدوافعها الوطنية والقومية الصادقة، وأن القسوة التي تمارس في ما بعد من قبل القوات البريطانية والحكومات العراقية المتعاقبة لدليل على التعارض الكبير ما بين الاحتلال والحكومة التابعة له وهذه الحركات. علماً بأن الحركة الوطنية العراقية آنذاك، والتي كانت ممثلة بالحزب الشيوعي العراقي، والحزب الوطني الديمقراطي، وحركة الضباط الأحرار، كلها كانت حركات عمل فيها العرب والأكراد والتركمان من دون تميز أو تفريق.

 

التعامل الرسمي مع المشكلة

عندما استقر الحكم الملكي في العراق، وبعد أن تم إخماد جميع الحركات والثورات والتمردات الكردية فيه، وجد النظام الملكي أنه لا بد من وضع أسس تقوم عليها السياسة الرسمية تجاه الأكراد، وتوصل إلى إمكانية استيعاب الشخصيات الكردية النافذة عن طريق استقطابها في النظام وتمكينها من اعتلاء أعلى المناصب. ولقد نجحت هذه السياسة بالفعل في إرضاء أوساط من الطبقة البرجوازية والإقطاعية من الأكراد. لقد كان يندر أن تشكل وزارة ملكية دون أن يكون على رأسها إما رئيس وزراء كردي أو وزير دفاع أو داخلية أو رئيس أركان للجيش كردي. في الحقيقة فإن نسبة الأكراد في الجيش ظلت طوال تلك الفترة أعلى بكثير من نسبتهم في الشعب العراقي. كما سمح للإقطاعيين بالاحتفاظ بمساحات شاسعة في الأراضي في جميع أنحاء كردستان العراق. وهكذا ظلت الحركة الوطنية الكردية المعارضة سرية أولاً، وضعيفة التأثير ثانياً، ومتعاونة مع الحركة الوطنية العربية العراقية من أجل أحداث تغيير لمصلحتهما المشتركة. بكلمة أخرى إن النظام الملكي العراقي فرّق بين نوعين من الأكراد العراقيين: "الأكراد الموالون"، وهؤلاء لا يوجد أي حاجز أمام تسلمهم أي منصب أو امتياز، و "الأكراد المعارضون"، وهؤلاء لا يوجد أي مجال لاستيعابهم أو فسح المجال لهم للمشاركة. وبالتأكيد فإن الأحزاب الكردية كافة ابتداءً من هيوا (الأمل) ووصولاً إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) كانت من ضمن الفئة الثانية. وبسبب من هدوء المنطقة الكردية بعد أحداث 1939-1943 – 1947، فإن الحكومة الملكية لم تشعر بأنها في حاجة إلى وضع خطة أو برنامج لحل المشكلة الكردية وإلى تأهيل العرب والأكراد في العراق لكي يعيشوا في عراق موحد ومستقر. وكذلك الأمر مع بريطانيا الدولة المحتلة ثم المتنفذة في العراق، فبعد أن نجحت في احتلال القواعد واستثمار النفط ووقعت المعاهدات طويلة الأمد لم تشعر بأنها في حاجة للورقة الكردية فأهملتها.

 

لم تختلف الصورة في العهد الجمهوري الأول. فعلى الرغم من أن الأحزاب والشخصيات والتنظيمات المهنية العراقية ومن ضمنها الكردية شعرت بحرية أكبر في التحرك والعمل على الساحة السياسية، وعلى الرغم من أن الحزب الديمقراطي الكردستاني بدأ يعمل بصورة علنية حتى قبل إجازته في عام 1960 ولأول مرة في تاريخه، إلا أن الموقف الرسمي ظل كما هو غير مبرمج وغير واضح، ويعتمد على ما تمنحه الدولة من حقوق قابلة للسحب في أية لحظة. لقد اعتقد عبد الكريم قاسم أن (الحرية) التي منحتها ثورة 14 تموز/يوليو للأكراد، وتثبيت مسألة مشاركتهم في الوطن في الدستور والسماح لهم بإصدار صحفهم والسماح للمبعدين من الأكراد وعلى رأسهم الملا مصطفى البارزاني بالعودة، وإطلاق سراح المسجونين منهم، وإعادة المهجرين إلى أراضيهم في كردستان العراق، هي أمور كافية لإرضاء الشعب الكردي وجعله ممتناً لما يحدث. وبالتالي فأنه لم يفكر مثلاً في وضع تفاصيل المشاركة وأسسها. ولم يفكر في توضيح الحقوق القومية الكردية المشروعة وتثبيتها في قوانين، ولم يفكر في تثبيت وتقنين الحقوق الثقافية للأكراد وحقهم في التعلم باللغة الكردية. لا بل إنه حتى عندما أجاز الحزب الديمقراطي الكردستاني، فإنه أجازه بعد أن قام بتعديل اسم الحزب وبرنامجه. إن هذا التفكير (الأبوي المتعالي) مع القضية الكردية لا يمكن أن يحل المشكلة. صحيح أن الأكراد كانوا فرحين بما تحقق لهم وصحيح أنهم رضوا بالعمل بالبرنامج الذي وضعته لهم الدولة مبررين ذلك بأن الحصول على الإجازة هو أهم من المسائل المبدئية الأخرى التي يمكن أن تبقى كمبادىء غير مكتوبة للحزب، إلا أنه أيضاً صحيح أن كل هذه المنجزات كانت رهناً بموافقة ومباركة الحاكم، وأنه باستطاعته أن يسحبها الواحدة تلو الأخرى طالما أنه لا يوجد دستور وقوانين تحمي هذه المكتسبات، وهذا ما حدث بالفعل بعد أن ساءت العلاقات بين عبد الكريم قاسم والملا مصطفى ثم البارتي، وانتهت الأمور إلى حرب دامية بين الطرفين. كما أن هذا الأسلوب الاستعلائي كان أوضح أثناء القتال الدامي الذي استمر منذ أيلول/سبتمبر 1961 وحتى نهاية حكم قاسم في شباط/فبراير 1963، حيث لم يفكر عبد الكريم قاسم بأن يطرح أية مبادرة أو برنامج لحل المشكل الكردية وظل مصراً على موقفه المبني على مشاعر شخصية، حيث اعتبر أن الملا مصطفى وقادة البارتي "ناكرين للجميل" وأنهم "أساءوا إلى الأيدي والصدور التي مدت وفتحت إليهم ومكنتهم من العمل بعلنية وبحرية".

 

وزاد في تصلب عبد الكريم قاسم في موقفه شعوره بأن بريطانيا تقف وراء ما يجري في كردستان العراق، وأن السفير البريطاني دفع الأموال لإثارة المشكلة وإضعاف النظام ومن ثم إسقاطه بسبب مطالبة قاسم بالكويت عام 1961 وإصدار قانون رقم (80) في عام 1961 أيضاً الذي حرم شركات النفط البريطانية من الأراضي غير المستثمرة.

 

وهكذا فشل عبد الكريم قاسم في أن يتصرف كرجل دولة وأن يفرق بين ما هو شخصي ورسمي، وفشل أكثر في وضع البرنامج الصحيح لحل المشكلة التي اعتمد في حلها على القوة العسكرية فقط. لم يستطع أن يستوعب حقيقة أن استمرار المشكلة سيضعفه وسيزيد من التغلغل الأجنبي، وأنه يتوجب عليه كسب الأكراد وفهم وجهة نظرهم بدلاً من تركهم مكشوفين للتعاون مع الآخرين لحماية أنفسهم. لا بل والأدهى من ذلك أنه حتى عندما حاول البارتي أن ينأى بنفسه عن الأعمال المسلحة العشائرية وغيرها في كردستان واتهمها بأنها أعمال رجعية استعمارية ضد مكتسبات ثورة 14 تموز/يوليو، لم يعمل قاسم على الاستفادة من هذا الموقف وإنما نظر للبارتي كمعارض وقرر أن يصفيه مع العشائر والمعارضين الأكراد لسياسته في صفقة واحدة.

 

عندما سقط عبد الكريم قاسم ووصل حزب البعث إلى السلطة في المرة الأولى عام 1963 مع مجموعة من الضباط القوميين، لم يكن هناك أي خطة واضحة للتعامل مع المشكلة لدى النظام الجديد. وكان جل تفكيرهم في هذا الخصوص ينصب على ما كتبوه أثناء حكم قاسم عن المشكلة ويتلخص بالتالي: أن ما يحدث في كردستان العراق هو تمرد عشائري ويمثل اختلاف بين حليفين سابقين هما عبد الكريم قاسم والملا مصطفى، وأن عبد الكريم قاسم لم يستخدم القوة الكافية لقمع هذا التمرد. وبدلاً من البحث عن حلٍ للمشكلة بدأ النظام يبحث عن السبل الكفيلة لإسكات البارتي والملا مصطفى وتهدئتهم حتى يتمكن من إعداد القوة الكافية لقمع الحركة. وعندما وجد القادة الجدد أن هناك ضغطاً عربياً لإيجاد حل للمشكلة، طرحوا فكرة اللامركزية الإدارية كحل للمشكلة، وهو حل استخدمته السودان قبل ذلك، ولكن هذه الفكرة جاءت أيضاً في سياق التسويف. ومن الإنصاف القول أيضاً إن الطرف الكردي كان هو الأخر رافضاً للحلول المطروحة أو لمناقشتها ولم يبدِ أية مرونة في التعامل مع الوضع الجديد، وبدأ يصعد من المطالب الكردية، مع ظهور منابر كردية مختلفة، كل منبر يطرح فكرة أو حلاً مختلفاً عن الطرف الآخر. وعلى الرغم من أن البارتي كان قد طرح شعاراً أساسياً للحركة القومية الكردية هو: "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان"، إلا أن أي من التصرفات البارتية لم يثبت تمسكه بهذين الهدفين. كما أنه ومن الملفت للنظر إن حزب البعث لم يقدم على دراسة المشكلة الكردية أثناء إعداده للانقلاب على عبد الكريم قاسم ولم يفكر بوضع برنامجٍ لها، بل ولم يعمل ذلك عندما وصل إلى الحكم أيضاً. بل إن حزب البعث وبالرغم من وصوله إلى الحكم عام 1963 وخروجه منه في العام نفسه (وكان الفشل في حل المسألة الكردية أحد الأسباب الرئيسية في ذلك)، وعمله على العودة إلى الحكم وبجدية وإجرائه لانفتاحات سياسية عديدة، إلا أنه لم يفكر في وضع دراسة جدية عن المسألة الكردية إلا في عام 1969. (وسنأتي إلى شرح ذلك في ما بعد).

 

ربما يكون ما طرحه الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس وزراء العراق للفترة من 1965-1967 المحاولة الجدية الأهم حتى ذلك الوقت لإيجاد حلٍ للمسألة الكردية وفق برنامج سياسي ورؤية موضوعية للوضع العراقي. بل وكان هذا الحل يمثل أول تحدي من قِبَل الفكر المدني للتعامل مع المشكلة الكردية في مقابل الفكر العسكري الذي تعامل مع هذه المشكلة حتى ذلك الحين. فبعد أن كانت الاتفاقات السابقة تركز على وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المسجونين وإعادة المفصولين وتعويض المتضررين، تحدث بيان 29 حزيران/يونيو 1966 عن برنامج شامل للحقوق الثقافية والسياسية، كإنشاء جامعة كردية في السليمانية وإجازة الأحزاب الكردية، ولو أن هذه البنود وضعت ضمن البنود السرية للاتفاق خشية أن ينقضّ القادة العسكريون عليه، إلا أنها بنود كانت أشبه بالسر المعروف للجميع ووضعت الأساس للتعامل مع المشكلة بصيغتها الشاملة المستقبلية وليس بصورتها الآنية. المشكلة الوحيدة هي أن صاحب المشروع، الدكتور عبد الرحمن البزاز، كان أضعف من أن يطبق هذه البنود بسبب الهيمنة العسكرية على الحكم. صحيح أنه استغل انتكاسة الجيش في معركة هندرين في عام 1966، والتي تبين في ما بعد وحسب المصادر الإسرائيلية الدور الإسرائيلي في هذه المعركة، إلا أن هذه الانتكاسة لم تنجح في إنهاء نفوذ قادة الجيش، الذين نجحوا بعد أشهر من إعلان هذا الاتفاق في إقالة البزاز من منصبه.

 

إن الموضوعية والإنصاف يقتضيان القول بإن تعامل حزب البعث مع المعضلة الكردية بعد وصوله إلى السلطة في عام 1968 كان الأكثر جراءة ووضوحاً. ولو تمكن الحزب من التعامل مع المعضلة بالروح نفسها التي تعامل معها في نهاية 1969 وحتى إعلان بيان آذار/مارس التاريخي في عام 1970، لكان وضع العراق والأكراد فيه أفضل بكثير مما هو عليه الآن. كما أن الإنصاف والموضوعية تقتضيان القول بإن الطرف الكردي، والمتمثل آنذاك بالبارتي وقيادة الملا مصطفى البارزاني، يتحملان النصف الثاني من المسؤولية في ما آلت إليه الأمور بعد عام 1974.

 

المهم في الأمر فلقد تم وضع دراسة جدية للمسألة الكردية من قبل حزب البعث في عام 1969 في ظل مطالبات وطنية عراقية بحل سلمي للقضية الكردية، وثم في الفترة من 1969-1970 نشرت دراسات في نشرة الحزب الخاصة بالأعضاء لتثقيفهم حول القضية، وتم إقناعهم والعراقيين بحل مبني على الحكم الذاتي، الذي كان الحديث عنه حتى ذلك الحين محرماً ويقرن بالانفصال، أو خلق كيان شبيه بالكيان الصهيوني عند بعض المتشددين. لقد وضع بيان آذار/مارس لعام 1970 برنامجاً واضحاً لتطبيق الحكم الذاتي. علماً بأن التمهيد لهذا لبيان والاتفاق، قد سبق إعلانه وذلك بتطبيق بنود بيان 29 حزيران/يونيو السرية والتي تضمنت إنشاء جامعة كردية في السليمانية، وإنشاء محافظة كردية ثالثة هي محافظة دهوك متكونة من أجزاء من محافظة أربيل ومحافظة الموصل. (وبهذا بقي بند سري واحد من بيان 29 حزيران/يونيو لم يطبق وذلك القاضي بإجازة الحزب الديمقراطي الكردستاني). وتأسيساً على هذه الخطوات وإعلان بيان آذار/مارس تم إقرار تعليم اللغة الكردية إلى جانب العربية في جميع المدارس العراقية، مع إعطاء المدارس في المناطق الكردية الحق بالتدريس باللغة الكردية حتى مرحلة معينة كي تكون مزدوجة اللغة بعد ذلك.

 

إن ما يهمنا أكثر هو الإقرار بمبدأ الحكم الذاتي كما ذكرنا. حيث تم اعتماد هذا المبدأ وحسب المطلب الكردي، كأساس لإدارة المنطقة الكردية المتكونة من السليمانية وأربيل ودهوك، مع ضم المناطق الشمالية من كركوك، والتي توجد فيها كثافة سكانية كردية إلى المنطقة. وأجاز قانون الحكم الذاتي 1974 تأسيس مجلسين للمنطقة، مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي يكونان "منتخبين". بالإضافة إلى مشاركة الأكراد بخمس وزراء في الوزارة المركزية في بغداد (كان العدد لا يتجاوز اثنين في السابق). بعد بيان آذار/مارس 1970 أجاز عمل الحزب الديمقراطي الكردستاني بصورة علنية وأُتيح له ممارسة حقه في فتح فروع له في كل أنحاء العراق. كما تم قبول مجاميع من الطلبة الأكراد في الكليات العسكرية العراقية، ودمج قسم من البيشمركة المسلحين في الجيش العراقي كحرس حدود. وثم الاتفاق على تعيين نائب كردي لرئيس الجمهورية.

 

كل هذه الأمور الايجابية كانت تبشر بحل سلمي ودائم للمعضلة الكردية، إلا أن ما حدث على الأرض لم يكن ينسجم مع هذه الايجابية. حيث تصاعد التوتر بين الطرفين منذ نهاية عام 1973 ووصل إلى حد الصدام المسلح في نيسان/أبريل 1974. وإذا أردنا أن نحصي أسباب التدهور سنجدها كثيرة ويتحمل الطرفين الحكومي والقيادة الكردية حصتهما من الأسباب. ابتداءً ورغم كل الإيجابية التي أبداها حزب البعث وقيادته، إلا أنه أبقى جميع الأمور معلقة بموافقة السلطة المركزية بما فيها الصغيرة منها، وجعل من هذه المركزية أساساً في التعامل مع المنطقة الكردية. كما أنه فرض أشخاصاً معينين على المجلسين التشريعي والتنفيذي، وعمل على تصفية القيادات الكردية الرئيسية ابتداءً من الملا مصطفى وانتهاءً بالقيادات المحلية، وأهمل تدريجياً تدريس اللغة الكردية في المدارس العراقية، وأضعف تدريسها في المناطق الكردية، وجعل للكردي الذي ينتمي إلى حزب البعث إمتيازات تفوق إمتيازات أعضاء البارتي، إلى آخره من الأمور التي أعطت البارتي الانطباع بأن قيادة البعث لم تكن جادة في تحقيق تسوية شاملة ونهائية للمشكلة على أساس الاعتراف بالآخر وإعطائه حقوقه كاملة، خصوصاً في ظل تصعيد وتيرة القمع.

 

من ناحيتها اشتكت قيادة البعث من أنه وعلى الرغم من الاتفاق الشامل الذي وقع في آذار/مارس (1970) والذي منح الأكراد في العراق حقوقاً ومكتسبات يحسدهم عليها إخوانهم في الدول المجاورة، إلا أن قيادة البارتي لم تقطع علاقاتها مع الأطراف الخارجية التي كانت تضمر السوء للعراق ولحزب البعث، مثل إيران الشاه وإسرائيل. بل إن العلاقات والتداخل بين القيادة الكردية وهذه الأطراف أصبح أكبر بعد إعلان بيان آذار/مارس. ثم أن تأميم العراق للنفط في عام 1972، والذي كان يفترض أن يكون مبعث سعادة للعراقيين جميعاً، دفع قيادة البارتي إلى التقرب من الولايات المتحدة وعرض التعاون معها لإفشال التأميم ومنحها حقوقاً وإمتيازات إضافية في منطقة كردستان العراق وكركوك، ثم وقعت اتفاقية سرية بين قيادة البارتي والوكالة المركزية للمخابرات سي. آي. إيه (CIA) لتزويد الأكراد بأسلحة ودعم مالي كبير. وعمل الطرفان، الإيراني والأمريكي، على توسيع مجال التدخل للموساد الإسرائيلي في كردستان العراق. كما جرى تحديد الدخول إلى منطقة كردستان العراق بطريقة توحي للذاهب هناك بأنه ينتقل من بلد إلى آخر. وظلت القيادة الكردية تتصرف بمنأى عن السلطة المركزية... إلى غير ذلك من الأمور.

 

والحقيقة فإن المشكلة الأساسية التي لم تحل في ذلك الوقت، والباقية إلى حد هذه اللحظة، هي أزمة الثقة المتبادلة بين الطرفين، والتي أصبحت صفة ملازمة لكل القيادات الكردية والعربية في العراق، بل وأصبحت تمتد إلى شرائح اجتماعية كثيرة بين الطرفين. كما أن الفشل في وضع دستور دائم للبلاد يضمن المكتسبات التي تحققت للشعب الكردي، كان السبب الثاني وراء تأزم المشكلة. علماً بأن الطرفين آنذاك لم يكونا يسعيان إلى تحقيق الديمقراطية التي كانت تتعارض تعارضاً جدياً مع توجهاتهما.

 

وعلى هذا الأساس توجهت الأمور توجهاً مأساوياً انتهى بالصدام المسلح بين الطرفين. فبالإضافة إلى حجم التدمير الرهيب الذي تعرضت له كردستان العراق، والعدد الكبير من الضحايا من كلا الطرفين من الشعب العراقي، والخسائر المادية الجسيمة التي تكبدتها البلاد، فإنه ساهم في التفريط بأجزاء من الأراضي العراقية لإرضاء إيران لكي تسحب دعمها للقيادة الكردية. وهذا ما حصل في الجزائر في اتفاقية آذار/مارس 1975 بين العراق وإيران، من خلال ما أطلق عليه "إتفاقية الجزائر لعام 1975"، والذي انهارت بعده الحركة الكردية انهياراً شبه كامل.

 

لقد كان من المؤسف أن تنتهي سنون وخطوات التفاؤل هذه النهاية المأساوية. واستطاع حزب البعث أن ينفرد بالسلطة انفراداً تاماً بعدها. واتجهت الأمور نحو الدكتاتورية المطلقة والصحافة الواحدة والواحدية الحزبية، بعد أن كان العامل الكردي من قيادة وحزب وصحافة، يعمل عاملاً موازناً وكابحاً للمحاولات البعثية للإنفراد بالسلطة والعمل دون رقابة حتى وإن كانت بسيطة. وكنتيجة لذلك، لم يبق من بيان آذار/مارس 1970 وقانون الحكم الذاتي الذي تلاه في آذار/مارس 1974 سوى الكلمات والأوراق المطبوعة.

 

لقد جاءت الحرب العراقية – الإيرانية لتقضي على البقية الباقية من الآمال والأحلام في نقل العراق إلى حالة من التطور والتنمية، كانت النتيجة الطبيعية لازدياد أسعار النفط وتضاعف الموارد العراقية منه. إلا أن ما حدث هو العكس حيث استهلكت هذه الحرب غير المبررة كل موارد العراق بل وحتى الاحتياطي منها. وهكذا وبعد أن كان الاحتياطي النقدي العراقي يبلغ حوالى الأربعين مليار دولار، خرج العراق مديوناً بأكثر من ستين مليار دولار. أضف إلى ذلك فلقد سمحت حالة الحرب واستمرارها، للسلطة المركزية في أن تصفي كل من يعترض عليها بدعوى ضرورة الحفاظ على الأمن الوطني والداخلي في وقت الحرب. ولما كانت أغلب القيادات الكردية السابقة متواجدة في إيران، وارتكبت الخطأ في التعاون مع الإيرانيين ضد الجيش العراقي، فإن ذلك أعطى السلطة آنذاك مبرراً آخر للبطش غير المبرر بالشعب الكردي في كردستان العراق. وجاءت عمليات التصفية والتهجير والترحيل واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً كوسيلة (لضمان الأمن الوطني العراقي) كما ادعت سلطة حزب البعث. إن الحديث عن المآسي الكثيرة التي حدثت في ذلك الوقت قد يثير أحزاناً وأشجاناً نحن لسنا بحاجة إليها، لكنه يبقى من المؤكد أن ما حدث في تلك الفترة، وحتى عام 1991، أحدث شرخاً كبيراً ودامياً في العلاقة العربية – الكردية، لا زلنا، وسوف نبقى لفترة غير قصيرة نعاني منه كعراقيين عرباً وأكراداً.

 

شهدت الفترة ما بين عام 1991 وعام 2003 انسحاباً رسمياً من منطقة كردستان العراق، بمعنى أن الإدارة الرسمية والجيش وقوات الشرطة والأمن العراقية انسحبت إلى خارج المنطقة تاركة الأمور للقيادات الكردية التي أصبحت متمثلة بحزبين رئيسيين هما: "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" لاقتسام السيطرة على المنطقة. وبما أن هذين الحزبين لم يكونا على وئام مع بعضيهما، فلقد انعكست خلافاتهما التي وصلت إلى حد الاقتتال الدموي والمريع للفترة من 1994 - 1998، لتضيف إلى مأساة الشعب الكردي في العراق مأساة أخرى. ثم ساهمت السلطة المركزية آنذاك في زيادة هذه المأساة بفرض حصار قاسٍ على هذه المنطقة بالكامل. وعندما فشلت السلطة المركزية في إقناع الحزبين الكرديين بتوقيع اتفاق شامل وواضح، لم يعلن عنه الكثير لحل المشكلة، زادت من هذا الحصار، على الرغم من علمها بأن التأثير والضغط الخارجي كان كبيراً في سبيل إفشال أي محاولة لإنهاء المشكلة باتفاق سلمي. ولقد ظهر هذا الأمر واضحاً عندما صرح قادة الحزبين بأنهما توصلا إلى اتفاق شامل مع السلطة المركزية، وعادا إلى كردستان كلاً على انفراد لاستحصال موافقة باقي القيادات الكردية ولم يعودا إلى بغداد بعد ذلك.

 

وللتدليل على أن منطقة كردستان العراق كانت تعيش حالة من "الديمقراطية" أفضل من تلك التي تسود باقي العراق، اتفق الحزبان على إجراء انتخابات عامة في عام 1992. وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات كانت واضحة حسب ادعاء حزب واحد، رفض الحزب الثاني هذه النتائج، وأصر على اعتبار أن النتائج متقاربة. وكحل لهذه المشكلة، أُبتدِع ما عرف بحل "الفيفتي ـ فيفتي" (Fifty – Fifty) والذي يعني تقاسم السلطة. وبهذا الشكل فإن الوزير المعيّن من الحزب الأول، كان له وكيلاً من الحزب الثاني، وهكذا نزولاً إلى المناصب الأخرى. وبعد أن تم في البداية تشكيل حكومة واحدة انقسمت الحكومة إلى حكومتين وتم تشكيل حكومتين كرديتين، الأولى في السليمانية تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، والثانية في أربيل ودهوك تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني. إلا أن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، فلقد بدأ كل حزب يتحين الفرص لإنهاء نفوذ الحزب الآخر بوسائل مختلفة، حتى وصل الأمر إلى الاقتتال الدامي بين الطرفين والذي كانت ساحته الأهم مدينة أربيل. واستمر الأمر حتى تدخلت أطراف خارجية لإيقافه.

 

على الرغم من أن الحزبين الرئيسيين حاولا في لحظات مختلفة إظهار توافقهما، الذي كان كثيراً ما يُفرض عليهما من الخارج وبالذات من الولايات المتحدة، التي كانت قد وضعت مسألة إسقاط النظام كأولوية لها وحاولت تجميع كل الأطراف العراقية (المعارضة) إلى جانبها، إلا أن الخلافات ظلت مستمرة وواضحة وغير قابلة للتسوية. وكدليل على ذلك ما حدث عام 1996، حينما اشتد الصراع بين الطرفين، وظهر ما يدلل أن الاتحاد الوطني الكردستاني بدأ يمتد في نفوذه لينازع الحزب الديمقراطي الكردستاني في مناطق نفوذه، بل ويطرده منها، عندها استنجد الحزب الديمقراطي الكردستاني بالقيادة العراقية آنذاك التي أرسلت الجيش العراقي في عملية مباغتة وسريعة نجحت في تثبيت الحزب وطرد الاتحاد الوطني الكردستاني من أربيل إلى خارج حدود منطقة نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني. وكدليل على حسن النية واحترام الاتفاق بين البارتي والحكومة، انسحبت القوات العراقية من كردستان العراق بعد تنفيذ ما طلب منها. إلا أن هذا الموقف لم يمنع القيادة الكردية من طلب المساعدة ولا القيادة الكردية التي دفعت إلى خارج الحدود ثم عادت لتستقل بنفسها في منطقة السليمانية وبدعم خارجي، من التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط النظام واحتلال العراق، أو "تحريره" كما يقولون.

 

وفي الحقيقة لقد ظلت قنوات الاتصال مفتوحة بين القيادتين الكرديتين والحكومة العراقية وحتى الاحتلال في نيسان/أبريل 2003. وظل الحوار دائراً بصورة متقطعة بين الطرفين. وفي مجال البحث عن حل للمشكلة الكردية كانت تبرز وجهتي نظر مختلفتين ومتباينتين. وبسبب من ضعف الطرفين وعدم إمكانية أي منهما قهر الآخر وإرغامه على القبول بوجهة نظره، ظل الوضع القائم على ما هو عليه: إدارتان كرديتان منفصلتان في كردستان العراق، (مع وجود وزارتين وبرلمانين)، غير قادرتين على توحيد نفسيهما. وحكومة في بغداد غير قادرة على حل المشكلة ومكبلة بقيود خارجية كثيرة بسبب نظام العقوبات الدولية واستمرار الحصار الشامل. ولما كان الحوار يدور حول حل المشكلة كان الطرفان الكرديان يطرحان "الفدرالية" كحل مرضٍ لهما وللشعب الكردي، في ما كانت الحكومة العراقية تتحدث عن استعدادها لإعادة النظر في قانون الحكم الذاتي وتطويره بحيث يصبح ملائماً لرغبات الشعب الكردي في العراق. وهذا ما كانت القيادتان الكرديتان ترفضانه معتمدتين على الدعم الأجنبي الذي جعل من مناطق السليمانية وأربيل ودهوك، (ملاذاً آمناً) لا يسمح للسلطة العراقية بالدخول والتدخل فيها. (ولو أن القوات الأمريكية المراقبة لهذه المناطق لم تحرك ساكناً عندما اندفع الجيش العراقي في كردستان العراق في عام 1996 وانتصر لجانب ضد آخر واستولى على مراكز كانت تستخدم من قبل معارضين للنظام هناك). وفي الوقت الذي لم تصرح به الحكومة بأفكارها حول تعديل وتطوير قانون الحكم الذاتي، فإن الأحزاب الكردية نشرت أفكارها حول الفدرالية. وللحقيقة فإن ما نشر عن الفدرالية أيام النظام السابق يختلف اختلافاً كبيراً عما نشر وينشر بعد احتلال العراق. حيث توسع مفهوم الفدرالية لدى القيادات الكردية توسعاً كبيراً وأخذ مديات بعيدة تصل إلى حد تشكيل "كيان مستقل" عن الإدارة المركزية وفي كل المجالات. وإن الحديث عن الفدرالية الواسعة والمفتوحة أصبح يقرن بفكرة تقرير المصير أو الحديث عن دولة مستقلة أحياناً في المستقبل، وإلى آخره من الأمور التي أشعرت الغالبية العربية، والتي لا تعترض على أن يحصل الأكراد على حقوقهم القومية أبداً، بأن القيادات الكردية بدأت تفكر بأسلوب ضيق لا يأخذ مصالح العراق ووحدة ترابه بعين الاعتبار. ومما زاد في استياء الغالبية العربية في العراق، وأضاف إليه استياء التركمان ـ الهوية الثالثة في العراق ـ هو إصرار القيادات الكردية على اعتبار كركوك (قدس الأكراد) وحملات التطهير التي جرت في تلك المحافظة من قبل البيشمركة الأكراد، الذين قالوا إن هوية هذه المدينة قد غُيرت نتيجة لممارسات النظام السابق. وربما يكون في هذا الكلام صحة، وبتاريخ يسبق ما قام به النظام السابق، ولكن هل يجوز أن يتم التعامل مع هكذا أمور بهذه الطريقة العشوائية وبعيداً عن القانون؟

 

وفي دفاعهم عن مطلبهم المتصلب بالفدرالية يذكر القادة الأكراد أن هذا أمر لا يمكن مناقشته لأنه أقر في مؤتمرات المعارضة السابقة (والتي ليست لها صفة شرعية ولا تمثل الشعب العراقي بالضرورة)، وأنه أمر ورد في قانون إدارة الدولة المؤقت، (القانون الذي تعترض عليه الغالبية العظمى من القوى الوطنية في العراق، والذي وضع من قبل الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر). والملفت للنظر أن القيادات الكردية في الوقت الذي تضع نص الفدرالية الوارد في قانون إدارة الدولة موضع التقديس، ترفض القبول بإقرار ما ورد في قانون إدارة الدولة نفسه بشأن ضرورة العمل على حل كل المليشيات المسلحة للأحزاب، وتصر على اعتبار أن البيشمركة لا يمكن شملهم بكلمة مليشيات؟ أما بالنسبة إلى الحكومات العراقية ما بعد الاحتلال، فإن جميعها كانت حكومات ضعيفة ومؤتمرة بأمر المحتل وهَمُّها الوحيد هو أرضاء المحتل من أجل البقاء في مراكزهم. وبالتالي فإن أيٍ من هذه الحكومات لم تصدر أي توضيح أو خطة لحل المسألة الكردية. بل إن قيادات هذه الحكومات تتجنب المناقشة أو الحديث عن كل ما يمت بصلة إلى سياسة وتصرفات الأحزاب الكردية خشية إغضابهم، وبالتالي فقدان الحليف الأقوى في المعادلة السياسية الحكومية العراقية.

 

وعلى المستوى الشعبي والمقاوم للاحتلال يوجد رأي واضح تجاه هذه المسألة "الفدرالية" فهناك قسم لا يعترض على التسمية ولكن يحددها بالأمور التي لا تخص السياسة الخارجية والدفاع والمالية العامة للدولة والموارد والثروات الطبيعية، في حين أن البعض الآخر يعترض على التسمية على أساس أن الفدرالية استخدمت لتوحيد مجموعة من الدول أو الكيانات المشتتة وضمها في دولة واحدة. ولم يحصل أن عمل شعب على تفتيت وحدته وانتقل من حالة الوحدة إلى التفتت، كما أن هذه المجاميع الشعبية تعتبر أن مسألة الفدرالية للعراق هي مسألة تهم كل العراقيين، وبالتالي فإن مسألة تبنيها من عدمه يجب أن توضع للاستفتاء أمام كل العراقيين وليس أمام الشريحة المستفيدة منه فقط. ومما جرى ويجري من مناقشات، فإن الغالبية العظمى من الآراء المعارضة للفدرالية بدأت تتجه نحو تسمية اللامركزية أو الاتحادية للتدليل على وحدة الوطن الواحد.

 

قضايا تقف عائقاً أمام التفاهم المشترك والحل

على الرغم من أن التاريخ الطويل للمسألة الكردية في العراق كان يجب أن يؤدي إلى فهم مشترك وتقارب ما بين العرب والأكراد حول الصيغة الأمثل لحل هذه المشكلة، إلا أن الحقيقة تقول إن هذا الفهم لا يزال ناقصاً لدى غالبية الطرفين، وإن التقارب بين وجهات النظر لا يزال بعيد المنال. بل وربما أصبح هذا التقارب بعيداً جداً وأبعد مما يُتصور منذ الاحتلال وذلك بسبب الإمتيازات الكبيرة التي حصل عليها القادة الأكراد بمباركة قوات الاحتلال أولاً، وبسبب التشتت والضعف الكبير الذي تعيشه السلطة المركزية ثانياً. وهكذا بدأت ما أطلقت على نفسها "حكومة إقليم كردستان" تتصرف وكأنها إدارة مستقلة في كل ما يختص بشؤونها العسكرية والأمنية والاقتصادية.

 

وبالتأكيد إن القضية الأولى التي تقف عائقاً أمام الحل هي الإصرار على مسألة الفدرالية بشكلها الموسع والمفتوح من قبل الأطراف الكردية، في الوقت الذي تقف فيه غالبية عربية موقف المتحفظ أو الممانع لاستخدام التسمية والمتخوف من شكلها الموسع، والذي قد يؤدي في ظل الظروف الحالية إلى تكريس الواقع بوجود إدارتين منفصلتين. وفي ظل غياب الثوابت الوطنية الأساسية مثل وحدة التراب العراقي وعدم تجزئته ورفض الحلول الخارجية أو بمباركة المحتل، وضرورة التوصل إلى حلول مشتركة بعد حوار وطني شامل وجدي، وبعد انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وبعد الانتهاء من الاحتلال، وفي ظروف سلمية وطبيعية، وفي جمعية وطنية تمثل كل أطياف الشعب العراقي؛ فإن فرض الحلول أو فرض تثبيتها في الدستور سيعرضها للرفض وإلى خلق حالة مستمرة من عدم الاستقرار. ويعتقد البعض أن المشكلة هي ليست بالتسمية وإنما بالمضمون، وإن التحفظ على فكرة الفدرالية جاء بعد أن أصبحت هذه التسمية تستخدم للتدليل على أشياء بعيدة كل البعد عن فكرة الوطن الواحد والشعب الواحد وصالح النضال المشترك. إن حق تقرير المصير، هذا الحق الذي يجب أن لا يمارس بصورة اعتباطية، وإنما يجب أن يكون محدداً بمفهوم الشراكة والاتحاد الاختياري وليس القسري وممارسة حق تقرير المصير ضمن وحدة العراق، وتوافق الشعب العراقي على حقوق الشعب الكردي، من خلال جمعية تأسيسية وطنية عراقية يتم انتخابها بحرية بعد انتهاء الاحتلال. على أن يكون التأكيد واضحاً على مفهوم الشراكة والاتحاد الاختياري وليس القسري.

 

كما نرى بأن جميع الأطراف يجب أن تركز الآن على خلق ديمقراطية صحيحة وراسخة في العراق تكفلها القوانين والتشريعات، وأن تكون هناك تعددية في كل العراق، سواء الجزء العربي أو الكردي منه، وأن يسمح للجميع بالتعبير عن أرائهم بحرية وبضمانات قانونية، وإن هذه الحرية والديمقراطية، اللتان ستقودان حتماً إلى الرفاه الاقتصادي، هي التي ستوفر الأرضية لحل ناضج ودائم واستراتيجي ومبدئي للقضية الكردية، وهي أهم بكثير من التمسك بكلمات وعناوين قد تقبل اليوم كصفقات سياسية بسبب ظرف ما، ويُتنصل منها غداً عندما يزول هذا الظرف، أو تزول مسبباته. كما أن الوضوح وبُعد النظر والعقلانية ومصالح النضال المشترك في تحديد مسألة الفدرالية أو الاتحادية أو الحكم الذاتي الموسع أو اللامركزية، أمر مهم وحيوي وأساس في حل الخلافات بين الطرفين. ونرى أن الحل يجب أن يقوم على أساس تطوير قانون الحكم الذاتي لكردستان العراق بما يضمن الحقوق القومية والثقافية لإقليم كردستان ضمن إطار وحدة العراق وسيادته، ومناقشة هذه الأمور بروح الحوار والتفاعل مع القوى الكردية ضمن ثوابت الحرص على العلم والسيادة والموارد الطبيعية والسياسة الخارجية والأمن القومي للعراق.

 

المسألة الثانية التي تشكل عقبة أمام الحل هي مسألة كركوك والإصرار الكردي على اعتبارها "قدس الأكراد" والتصرف بكونها مسألة حياة أو موت وإلحاقها بمنطقة كردستان العراق، حتى أصبح ما يكتب من الكتاب والباحثين الأكراد عن "الأصل الكردي لكركوك" أكثر مما يكتب عن السبل الكفيلة بإيجاد حل سلمي ودائم ومجمع عليه للقضية الكردية في العراق! وبالتأكيد فإنه في ظل الزهو بما تحقق للحزبين الكرديين الرئيسيين من انتصار ونجاح، بدأ التفكير ينصب على إثبات (كردية) كركوك وذلك باللجوء إلى القوة العسكرية المتيسرة للحزبين في سبيل ما يصفونه "بإعادة الطبيعة الديمغرافية في كركوك إلى سابق عهدها". إن هذا الأمر الذي أثار التركمان والعرب الذين يشتركون في العيش في كركوك، بدأ يخلق حساسيات كبيرة. ومن المعروف أن جميع القيادات الكردية، الحالية منها والسابقة، كانت قد وافقت على مبدأ إجراء استفتاء وقبله إحصاء سكاني للمدينة لتقرير مستقبلها. كما أن المبدأ الأساس الذي يجب أن يتبع هو إقرار الحقوق القومية الكردية، السياسية والثقافية منها خاصة، وأن هذا الإقرار سيمكن أكراد العراق من التمتع بحقوقهم في كل أنحاء العراق، وهذا هو الأساس والأهم. علماً بأن جميع الاتفاقات التي وُقِّعت ما بين القيادات الكردية والحكومات العراقية المتعاقبة، الذي كان آخرها بيان آذار/مارس 1970 وقانون الحكم الذاتي عام 1974، وفي المحادثات التي جرت في ما بين عام 1991 وعام 1992، كان قد تم الاتفاق على اعتماد إحصاء سكاني عام 1957، وتعديلات نتائجه بعد ما حدث من اقتطاع أجزاء ذات أغلبية كردية من مناطق كركوك وإلحاقها بمحافظة السليمانية ضمن منطقة الحكم الذاتي، كأساس لتحديد هوية كركوك، علماً بأن إحصاء عام 1957 بيّن أن الأكراد ليسوا أكثرية في مدينة كركوك ولا في محافظة كركوك، وأن الأكثرية هم من التركمان والعرب.

 

هناك مسألة تتعلق بهذا الأمر هي مسألة التملك والسكن. ففي كل الديمقراطيات لا يوجد ما يعيق أبناء البلد الواحد من التملك والسكن في أي جزء من أجزاء بلدهم. لقد قام النظام السابق بتحديد السكن في بعض المناطق، وملَّك أراضي في كردستان العراق إلى عرب. ومع أن هذا العمل لم يؤثر على هوية تلك المناطق (باستثناء ما يقال عن بعض مناطق محافظة كركوك)، مثلما أن إقامة نحو مليون كردي في بغداد لم يؤثر على هوية العاصمة، كما أن إقامة عوائل كردية نزحت إلى الموصل لم يؤثر على هوية تلك المحافظة العربية، إلا أن رد فعل القيادات الكردية كان انفعالياً وسلبياً، حيث تم إصدار قوانين تمنع تملّك العرب لأراضي في كردستان، بل ونزعت ملكية آخرين، وتم العمل على تهجير قسري لعوائل عربية من مناطق في كركوك وكردستان. كل هذه الأمور واستمرارها يساهم في تأجيج المشاكل بدلاً من أن يهدئها. ونرى أن الحل لهذه القضية يكمن في ما يلي:

 

1- إن من حق أي عراقي أن يتملك ويسكن في أي جزء من أجزاء بلده.

 

2- يحق للأكراد الذين تم تهجيرهم من مدينة ولواء وقرى محافظة كركوك العودة إلى مناطق سكنهم وأراضيهم الأصلية إذا ما رغبوا في ذلك، مع تأمين التعويضات اللازمة للعائدين منهم لتأمين سكنهم أو التعويض لغير الراغبين في العودة عن أراضيهم التي فقدوها.

 

3- يعطى الخيار للعرب وغيرهم الذين تم إسكانهم مدينة كركوك وغيرها في محافظة كركوك، أن يختاروا بين البقاء حيث هم أو العودة إلى مناطق سكنهم الأصلية مع التعويضات المناسبة لحل المشاكل الناجمة عن ذلك.

 

المسألة الثالثة الأقل خطورة والتي يمكن تجاوزها بسهولة هي قضية اللغة الكردية وتدريسها. وفي الحقيقة فإن إهمال هذه المسألة من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة قد أسهم في التباعد بين الشعبين العربي والكردي. إذ لا يعقل أن تكون الغالبية العربية جاهلة باللغة الثانية للبلد. إن كل الدول التي تماثل العراق، وضعت برنامجاً دراسياً يمكن الشعب الواحد من التفاهم ما بين شرائحه المختلفة، وبالتالي فإن النظام التعليمي في العراق يجب أن يتبنى خطة لتعليم اللغة الكردية في المدارس العربية وخطة لتعليم اللغة العربية في المدارس الكردية، على أن:

 

1- تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية في العراق، في ما عدا كردستان العراق حيث تكون اللغتان العربية والكردية هما اللغتين الرسميتين.

 

2- تنفيذ ما جاء في قانون الحكم الذاتي في آذار/مارس 1974 حول تدريس اللغة الكردية في المدارس العراقية كافة.

 

3- أن لا يتم تعيين أي موظف للدولة في كردستان العراق لا يجيد اللغة الكردية تكلماً وكتابةً.

 

4- أن يكون حق التوظيف في كردستان العراق للعراقيين كافة، وعلى أساس الكفاءة، مع التقيّد بما جاء في الفقرة السابقة بأن يكون ملماً باللغة الكردية.

 

5- أن يتم تعليم العراقيين الأكراد الذين لم يتعلموا العربية خلال الخمس عشرة سنة الماضية، اللغة العربية خلال فترة معينة وضمن ترتيبات عملية.

 

وتبقى هناك مشاكل أخرى متفرقة تتعلق باهتمام كل طرف بالمسائل الحيوية والقضايا الحساسة التي تهم الطرف الآخر. فمثلما يتوجب على العرب العمل على حماية وصياته الحقوق القومية الكردية، فإن الأكراد مطالبون بالوقوف بحزم إلى جانب قضايا العرب الأساسية مثل القضية الفلسطينية ومسألة إنهاء المحاولات الاستعمارية للهيمنة على بلدانهم، كما أن مسألة الحرية وحقوق الإنسان مسألتان لا يمكن تجزئتهما. ولا يكفي أن أقول بإني وفي هذا الجزء قد حصلت على حريتي ولا شأن لي بالجزء الآخر، ولا يمكن أن يقول طرف: إن تعاوني مع هذا الطرف الأجنبي يخدم مصلحتي ولن أكترث بما يفعله هذا الأجنبي بالطرف الآخر، لأن السياسة الخارجية للدولة هي مسؤولية الحكومة المركزية. ولا يمكن أن يطالب طرف بالديمقراطية للطرف الآخر في الوقت الذي يقمع فيه الآراء المعارضة له. كما يجب تثبيت وثيقة عهد وشرف تحرِّم التعاون مع القوى الأجنبية والخارجية من طرف دون علم الطرف الآخر. لقد أثبت التاريخ لنا آن الاستعانة بالأجنبي والتعاون معه قد جلب الكوارث على الشعب العراقي والكردي مثلما جلبت الحلول العسكرية. وربما في الحالة الكردية فإن الإساءة كانت أكبر سواء الاستعانة بالقوى الخارجية أو الحلول العنفية والحربية، وبالتالي فإنه بالتعاون والاتحاد والتضامن والتكاثف الداخلي المخلص والواضح فقط، يمكن أن نصل إلى حلول حقيقية وصادقة لمشاكلنا الداخلية.

 

وفي هذا الإطار يمكن التحدث بصورة صريحة وواضحة عن ظاهرة مؤسفة بدأت تتفشى بين المتعلمين من الطرفين، ألا وهي التوجهات الشوفينية المتعصبة والاستعلائية، أو ضيق الأفق القومي الرافضة لوجهات نظر الطرف الآخر جملةً وتفصيلاً. والتعصب إلى كل ما هو قومي ضيق واعتبار كل ما هو مطروح من الطرف الآخر سيىء ومبيت وذا مقاصد مشبوهة، حتى قبل التمحص فيه ودراسته. ولعل الحاجة واضحة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى أن يُجري كل طرف تقييماً واضحاً لمواقفه من الطرف الآخر. وأن يكون هناك نقد ذاتي واضح للمواقف الخاطئة ومحاولات لتجسير الفوارق بين الطرفين أكثر من العمل على تعميق الفوارق والتخندق في مواقف متباعدة وإبراز سلبيات الطرف الآخر بدلاً من البحث عن إيجابياته. ولا ينبغي تحميل الطرف العربي مسؤولية ما قامت به الحكومات المتعاقبة، مثلما لا ينبغي أن يتحمل الشعب الكردي أخطاء قيادته.

 

إن النخب المثقفة والسياسية في الطرفين مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالمبادرة في هذا المجال والسعي الحثيث إلى تحقيق هذا الإنجاز التاريخي، وذلك بوضع برنامج كامل توافقي يتفق عليه الطرفان لحل كل الخلافات في إطار الشعب الواحد والبعيد عن التدخل والتأثير الخارجيين.

 

ملاحظات ختامية

إن كل ما قيل أعلاه يجب أن يوصلنا إلى الاستنتاجات الأربعة الرئيسية التالية التي يجب أن تكون راسخة في الذهن عند الحديث عن إيجاد حلٍ عادلٍ ودائمٍ للمشكلة الكردية:

 

أولاً، إن الحقوق القومية الكردية المشروعة لا غبار عليها ولا يمكن الالتفاف حولها، وأن هناك حاجة ماسة لتفهمها واستيعابها والعمل على تثبيتها في دستور دائم وبصورة صريحة، وذلك بتوافق ممثلي الشعبين العربي والكردي وفي ظروف سلمية وطبيعية.

 

ثانياً، إن الفشل الحكومي في إيجاد حل سلمي ودائم للمشكلة ساهم في تعقيد المشكلة والأخطر في ذلك هو تعقيد العلاقة بين الشعبين العربي والكردي، وساهم في فسح المجال إلى التدخل الأجنبي في المشكلة واستغلالها ضد مصلحة الشعبين الكردي والعربي.

 

ثالثاً، إن التدخل الأجنبي واحتلال العراق في ما بعد ساهم في تمزيق البلد واستنزاف ثرواته وفي وضع العقبات أمام التطور الديمقراطي. كما أن هذا التدخل ظل مرتبطاً بالمصالح الخارجية، وفي كل حالاته السابقة فإنه انتهى بالتضحية بالشعب الكردي خاصة، وبالشعب العراقي عامة، وبعد أن يكون الطرف الأجنبي قد ساوم وحصل على مبتغاه من الأطراف الحاكمة.

 

رابعاً وأخيراً، إن السبب الرئيسي الذي يقف عائقاً أمام حل المشكلة هو ضيق الأفق الذهني والتعصب في القيادات العربية والكردية. لقد نهج الطرفان الحكومي والقيادي الكردي نهجاً اتسم بالمصلحية في أغلب الأحيان، وكان كل طرف يتحين الفرص بالطرف الآخر لكي يوقعه، وإذا ما شعر بأنه في مركز قوة فإنه لا يأبه بما يطالب به الطرف الأضعف، وإذا ما شعر بضعف فإنه يندفع للتقارب مع الطرف الآخر الذي يكون بدوره قد شعر بضعف غريمه المقابل لكي يتصلب هو في مواقفه. كما أن أغلب الاتفاقات التي وقعت كانت توقع وفي ذهن غالبية موقعيها الخطط للانقضاض عليها عند الحاجة وليس لتطبيقها والالتزام بها.

 

وأخيراً وليس أخراً فإن أي حل يُراد له أن يكون دائماً ومقبولاً وعادلاً، يجب أن يعتمد على الحوار المباشر ما بين الأطراف المختلفة، وفي هذه الحالة ما بين الشعب الكردي والشعب العربي في العراق. وإن الدخول إلى هذه الحوارات يجب أن يكون بعقول مفتوحة ونيِّرة ومن دون أية شروط مسبقة. كما يجب أن يتذكر الجميع أن حوار سنة هو أفضل بكثير من اقتتال أسبوع أو حتى أقل من ذلك.

 

 



(1)