التوزيع: محدود الرقم: مركز/ندوة
40/5 الأصل: بالعربية التاريخ: 21/7/2005 مركز دراسات الوحدة العربية
|
ندوة "مستقبل العراق" 25 – 28 تموز/يوليو 2005 بيروت – لبنان |
|
الإعـلام فـي العـراق
المسيـرة.. الواقـع.. وإعـادة
البنـاء
الدكتور صباح ياسين
معاون مدير عام مركز دراسات الوحدة العربية
________________________
* إن الآراء الواردة في
هذه الدراسة تمثل وجهة نظر المؤلف، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز دراسات
الوحدة العربية.
** جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز إعادة نشر هذه الدراسة، كلاً أو جزءاً، بدون موافقة تحريرية مسبّقة من
مركز دراسات الوحدة العربية.
*** يحظر على المشاركين
تسريب هذه الدراسة إلى أية جهة إعلامية، كلاً أو جزءاً.
المحتويـات
مقدمـة 2
الإعلام
وبناء الدولة العراقية 4
الحصار
وتأثيره على الإعلام العراقي 8
تفكيك
الإعلام العراقي 10
الإعلام العراقي بعد التحرير
إعادة
البناء 18
المجلس
الأعلى للإعلام والاتصال 20
الإعلام
والمواطنة 22
الوكالة
الوطنية للأنباء 24
الهيئة
الوطنية للإذاعة والتلفزيون 26
نظام
الاستثمار في البث وإعادة البث الإذاعي والتلفزيوني 28
إصدار
الصحف والدوريات 30
الطباعة
والنشر والتوزيع 32
حرية
الإعلام وتدفق المعرفة 34
ميثاق
العمل الإعلامي وميثاق الشرف الصحفي 36
حقوق
الملكية الفكرية الأدبية والفنية 38
الإعلام
والثقافة 40
رؤية
استراتيجية 42
مقدمـة
يعود تأسيس العراق الحديث، بمفهومه الجيو-سياسي، إلى نتائج عملية التوحيد
السياسي والاقتصادي للولايات العثمانية الثلاث، بغداد والموصل والبصرة والتي بدأت
بشكل واضح بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية وتراجعها عن أرض العراق خلال وعقب
الحرب العالمية الأولى، وبسط القوات البريطانية سيطرتها على بغداد(1) وباقي أنحاء العراق.
ومع تنامي الشعور الوطني لدى أقطار المشرق العربي، والتوجه نحو الاستقلال
والتحرر من السيطرة الأجنبية، شهد العراق مخاضاً وطنياً للخلاص من السيطرة
البريطانية تمثل بشكل رئيسي في تصاعد المقاومة الشعبية والتي قادت إلى تفجير ثورة
العشرين (30 حزيران 1920) الشعبية الوطنية والذي كان من نتائجها اعتراف بريطانيا
بحق العراقيين في نيلهم الاستقلال الوطني، والإعلان عام 1920 عن تشكيل أول حكومة
عراقية وطنية، والذي كان بداية الطريق نحو استكمال الاستقلال الوطني. ورغم أن
الإعلان عن تأسيس الحكومة العراقية في عام 1920(2) وما تبعه من تقسيم العراق إلى
وحدات إدارية(3) والإعلان عن تأسيس جيش عراقي وطني (6 كانون الثاني
1921)، إلا أن مسيرة بناء الدولة الحديثة كانت تواجه تحديات مختلفة بعضها داخلية
وأخرى خارجية، وبشكل خاص من دول الجوار، حيث أثارت تركيا مشكلة الموصل، كما أن
إيران قدمت إدعاءات بأحقيتها في أراضٍ عراقية، مما أجل اعتراف الدولتين بالكيان
السياسي العراقي الحديث إلى سنوات لاحقة. هذا بالإضافة إلى الاضطرابات والمشاكل
الناجمة عن تمردات العشائر التي كانت ترفض الولاء والطاعة للحكومة المركزية في
بغداد.
ومع المراحل الأولى لتأسيس الحكومة الوطنية العراقية وحاجة القوى السياسية
والاجتماعية إلى منابر فكرية وسياسية للتعبير عن مواقفها المناهضة للاحتلال
والانتداب، اتسع تأثير الصحافة العراقية من خلال زيادة عدد الصحف والدوريات التي
كانت تطبع في بغداد والموصل والبصرة ومختلف المدن الأخرى(4). فقد عبرت الصحافة العراقية وفي وقت مبكر عن تنامي الوعي بالحرية
والرغبة في التحديث والبناء، وكان الإرث الوطني للصحافة العراقية عاملاً مساعداً
في تزايد الوعي بأهمية استخدام منابر الإعلام (الصحافة) للتعبير عن الرأي. وإذا
كان الاحتلال البريطاني للعراق قد واجه معارضة فكرية وسياسية جماهيرية واسعة، فإن
قوى المعارضة قد وجدت من الصحافة الوطنية منبراً وطريقاً لحمل أفكارها ودعواتها
التحررية إلى عموم الشعب، وإلى المحيط القومي، وظهر ذلك واضحاً في التزايد المطرد
لإصدار الصحف والمجلات السياسية والأدبية والاجتماعية وبروز كتاب الأعمدة
والمقالات كقادة للرأي ومحرضين في إطار المطالب الوطنية للحرية والاستقلال.
وبالمقابل فقد شددت قوات الاحتلال في إجراءاتها القمعية ضد الصحافة الوطنية
العراقية ووقفت ضد إصدار الصحف الوطنية، إلا أن مطالب العراقيين، وبشكل خاص
المثقفين والمتعلمين منهم، تزايدت في إطلاق حرية التعبير، إذ أكد منشور بعنوان
(هذا بلاغ للناس) باسم جمعية الدفاع المقدس السرية الذي وزع في بغداد يوم 29 آذار
1917 على ضرورة إعطاء الحريات للمطبوعات.. وتوالت الاحتجاجات على منع الكتاب من
إنشاء صحف سياسية واجتماعية، والتي أثمرت عن صدور أول جريدة عراقية وطنية مستقلة
هي جريدة (الاستقلال) في 28 أيلول/سبتمبر 1920، وجاء في عمودها الافتتاحي (بأنها
منشور يومي عربي حر يخدم أفكار العرب عامة والعراقيين خاصة يدافع كما يدافعون ولا
يتكلم إلا كما يطابق أفكار الشعب)(5).
وفي الوقت الذي كانت فيه الصحافة العراقية (الجرائد والمجلات والدوريات) هي
المعبر عن (الإعلام الوطني) في مفهوم المعاصر، فقد لعبت الصحافة الوطنية دوراً
كبيراً في تحشيد الرأي العام ضد الاحتلال(6)، وكانت بعض الصحف تصدر ليوم واحد
ثم تغلق من قبل سلطات الاحتلال بسبب ما تحمله من بيانات سياسية تحريضية ضده، ثم
تعود إلى الصدور بعد فترة أخرى، أو تحت مسمى جديد بذات الموقف السياسي ليعاد غلقها
ومصادرة أعدادها المطبوعة مرة أخرى وهكذا. وكانت قرارات الغلق والتعطيل تتم بموجب
قرارات الحاكم الإداري أو بالاستناد إلى قانون الجمعيات الصادر في 2 تموز/يوليو
1922، واستمر هذا الحال تحت سلطة الحاكم الإداري حتى صدور قانون المطبوعات رقم
(57) لسنة 1933 والمعدل بقانون تعديل قانون المطبوعات رقم (33) لسنة 1934 والذي
نظم في مواده سلطة إصدار الصحف وكافة المطبوعات أو المخالفات والعقوبات والتعطيل
والإلغاء وخول ذلك إلى وزير الداخلية.
الإعلام
وبناء الدولة العراقية
إن رصد وتحليل مسيرة تشكل الدولة العراقية الحديثة مطلع القرن الماضي، تكشف
بالضرورة عن الدور الإيجابي الذي مارسته الصحافة العراقية في عملية التحديث
والتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونستطيع القول إن الصحافة كانت واحدة
من أسس السيادة الوطنية المعبرة عن هوية المجتمع العراقي وتطوره، فبالإضافة إلى
أنها كانت تمثل سجلاً لوقائع الحياة اليومية، الرسمية والشعبية، ومنبراً للآراء
والأفكار، فإنها في الوقت ذاته جسدت الموقف الإيجابي والصحيح لدور العراق على
المستوى القومي والإنساني، وعززت من ذلك الدور على مختلف الصعد، إذ مع تنامي
واتساع حركة التعلم، وتطور إمكانات أجهزة التعليم في العراق عبر إنشاء المدارس(7)، والاهتمام بالبعثات الدراسية خارج العراق(8)، فقد ازداد عدد المتعلمين، وبالتالي المتفاعلين مع ما تنتجه
الصحافة من رأي أو مواقف ذات اهتمامات بالشأن الداخلي الاقتصادي والاجتماعي، أو
بالشأن الخارجي باتجاه بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار، واستكمال مقومات
الاستقلال والسيادة الوطنية عبر تفعيل دور الدولة العراقية الحديثة في المحافل
السياسية الدولية. وبالمقابل فقد كسبت الصحافة باعتبارها منبراً مفتوحاً لكل
الآراء والمواقف السياسية والفكرية أقلاماً أسهمت في تطور الأداء الإعلامي واتساع
تأثيره من خلال تناوله مختلف الموضوعات التي تهم حركة المجتمع وتطور الحياة.
وشهد منتصف العقد الثالث من القرن الماضي في العراق انطلاقة وسيلة إعلامية
ذات تأثير كبير في العمل الإعلامي على مختلف الصعد وهي الإذاعة. فقد كان العراق من
أوائل الدول في المشرق العربي التي أقدمت على تأسيس إذاعة وطنية، إذ أعلن في شهر
حزيران من عام 1936 عن تأسيس محطة الإذاعة اللاسلكية، وسميت بعد ذلك دار الإذاعة
العراقية، ثم إذاعة بغداد، وهكذا، وكانت أولى خطواتها في البث لمدة ثلاث ساعات
يومياً، ثم تطورت إلى عشرة ساعات يومياً باللغة العربية، بالإضافة إلى ثلاث ساعات
باللغة الكردية وساعة باللغة الإنكليزية. واعتمدت في مرحلة تأسيسها ولفترة لاحقة
البث من خلال الموجة المتوسطة التي تغطي مدينة بغداد ووسط العراق، واستكملت بثها
عبر الموجة القصيرة، بعد إكمال إنشاء منظومة مراسلات (أبو غريب) اللاسلكية عام
1951(9) لتغطي العراق والدول المجاورة.
وكذلك فقد أنجز العراق إنشاء أول محطة تلفزيونية وطنية عام 1956(10) وبدأ (تلفزيون بغداد) بالبث لمدة أربع ساعات يومياً، وبإرسال يغطي
مدينة بغداد وضواحيها، ثم تطورت ساعات البث إلى ست ساعات يومياً، وتم بناء منظومة
معيدات إرسال تلفزيونية لإيصال البث إلى مدن العراق الرئيسة الأخرى. وبذلك استكمل
العراق في العقد الخامس من القرن الماضي مقومات ما يعرف اليوم بالإعلام بوسائله
الثلاث الرئيسة المقروءة والمسموعة والمرئية.
إن تطور بناء مؤسسات الإعلام الوطنية في بدايات القرن الماضي وحتى منتصفه
يعكس الحاجة إلى تأسيس المجتمع المدني – الحضري، إذ في الوقت الذي ازداد فيه عدد
الصحف اليومية والأسبوعية الصادرة في مختلف مدن العراق وتنوع المجالات المتخصصة،
وزيادة طبع الكتب وترجمتها من اللغات الأجنبية مع ازدياد عدد المطابع وتطور
إمكاناتها الفنية، كل ذلك عكس جانباً من الصراع الذي كان يشهده المجتمع العراقي
بين القوى التقليدية والأخرى التحديثية أو التجديدية(11)، وكان موضوع حرية المرأة،
وتحديداً قضية (الحجاب والسفور) إلى جانب قضايا تعليم البنات وغيرها (على سبيل
المثال) تمثل جانباً أساسياً من اهتمام الصحافة عبر المناقشات والحوارات،
وبالإضافة إلى بدء الحياة البرلمانية، وتشكيل الجمعيات والنوادي الفكرية وفي كل
ذلك كان وفي كل ذلك موقف الصحافة، بين مؤيد ومعارض، معبراً تماماً عن موقف مختلف
القوى والنخب في الحياة السياسية العراقية آنذاك.
وفي ذات الوقت شهد موضوع حرية الرأي والتعبير جدلاً مستمراً بين اتجاهين،
الأول يدعو إلى الحرية الكاملة تحت سقف المسؤولية الأخلاقية للأداء الصحفي، والآخر
يتحصن بأحقية الدفاع عن القيم والمثل الاجتماعية والمصالح الوطنية العليا حتى
بالاضطرار إلى استخدام سلطة القمع من خلال استخدام الدولة لقوة القوانين المنظمة
للمطبوعات والسلطات الإدارية الممنوحة للرقيب والتي قد تصل إلى اشتراط الحصول على
الموافقة المسبقة على المقالات السياسية والافتتاحية للصحف والمجلات قبل طبعها
ونشرها، وقد تصل العقوبات المحددة بالقانون إلى السجن وإغلاق المطبوع ومصادرته
والحكم عليه بالغرامات المالية.
ومع أن المناخ السياسي آنذاك كان يتجه نحو التوسع بإصدار الصحف لتكون منابر
للآراء المختلفة سياسياً واجتماعياً، فقد عاد بمكاسب نسبية على مستوى حرية التعبير
وتطور الأداء الإعلامي، وازداد اقتراب الخطاب الإعلامي من جوهر مشاكل المجتمع
العراقي وقضاياه السياسية الرئيسة، وأضحت الصحافة بشكل أساس ميداناً لنمو الأفكار
والآراء الحديثة، بل إنها أصبحت في الواقع الجسر الموصل بين الآمال الوطنية وإرادة
التغيير... وكل ذلك كان يتم عبر مواجهات وتضحيات للدفاع عن حرية الكلمة، مما شكل
قاعدة أساسية للمستوى المتطور والدور المؤثر للإعلام العراقي وهو يدخل النصف
الثاني من القرن الماضي بمهمات جديدة.
إن تتبع المسار الذي تطور فيه الإعلام العراقي بعد ثورة 14 تموز 1958 يكشف
أن التحول الأساسي كان في إصدار صحف وطنية حكومية رسمية لأول مرة، فقد كان تأسيس
جريدة "الجمهورية" لتكون ناطقاً رسمياً باسم الدولة العراقية يشكل حدثاً
جديداً لم تعرفه الصحافة العراقية قبل ذلك، هذا بالإضافة إلى ما أقدمت عليه السلطة
الجديدة من إلغاء جميع امتيازات الصحف والمطبوعات والدوريات(12)، وإصدار موافقات بامتيازات جديدة وفق شروط وضوابط سياسية تتماشى
مع الأهداف والغايات السياسية للنظام الجديد.
وفي ذات الوقت تم تشريع قانون جديد للمطبوعات تم فيه وللمرة الأولى التوسع
في حرية الصحافة وحماية حقوق الصحفيين، وإلغاء مبدأ الإلغاء القسري، كما تم تشريع
قانون مهني جديد للصحفيين، تم بموجبه تأسيس نقابة للصحفيين العراقيين، لتدافع عن
حقوقهم وتنظم أنشطتهم المهنية، وصدرت صحف ومجلات جديدة تعبر عن انتماءات سياسية
كانت محظورة في السابق، وأعطت الدولة دعماً لإنشاء مطابع حديثة، وتحسن توزيع
الصحافة بين مدن العراق مع تحسن وتطور وسائل النقل والمواصلات.
ولقد أسهمت تقانة الاتصال وتطور مفهوم الاتصال الجماهيري، والتقدم العلمي
في ميدان إنتاج المعلومات وتداولها، إلى تعزيز القدرة على صناعة الخبر وتوزيعه،
وقد دُعّم ذلك بإنشاء وكالة وطنية رسمية للأنباء عرفت بـ (وكالة الأنباء العراقية)
التي استطاعت أن تبني لها شبكة من المراسلين المحليين في المدن الرئيسة وخارج
الحدود الوطنية، وأدى ذلك إلى خروج الصحافة العراقية من محليتها، وتحولها تدريجياً
من صحافة ذات اهتمامات وطنية وإقليمية إلى صحافة معنية بدائرة أوسع من الاهتمامات
السياسية العربية والدولية. وبذلك تعزز موقف الصحافة وطنياً وتطور أداؤها وازدادت
قدراتها إزاء التحدي الذي تواجهه من الوسائل الإعلامية الأخرى، وبشكل خاص من
الإذاعة والتلفزيون.
وشهدت تلك الفترة أيضاً انتعاشاً نسبياً في تطور الصحافة الثقافية والعلمية
والمتخصصة، فلم تعد الصحافة الرئيسة مشغولة بقضايا السياسة، إذ أعطت جزءاً من
اهتماماتها للقضايا الثقافية والعلمية، كما أن المطبوعات المتخصصة وجدت طريقها نحو
المتلقي، وكل ذلك عزز من مفهوم ثقافة الاتصال، وأشاع نظرياً مقدمات في مفاهيم حق
الاتصال وحق المعرفة وارتباطها بالحقوق الأساسية للمواطن. وكان تأسيس النقابات
والجمعيات المهنية والاجتماعية، وإصدار تلك المنظمات لمطبوعاتها الدورية الخاصة
عاملاً إضافياً لزيادة حجم وتأثير الصحافة في هموم تلك الشرائح من المجتمع وفي الحياة السياسية والاجتماعية
والاقتصادية بشكل عام.
وكانت الفترة الممتدة بين عامي 1958 و1968 تشهد انجذابات متنوعة على مستوى
فرض الرقابة والسيطرة الحكومية على وسائل الإعلام، وبشكل خاص الصحافة تبعاً للظروف
السياسية آنذاك، إلا أنه يمكن القول إن الفترة بين الأعوام (65، 66، 67) شهدت
مناخاً إيجابياً على مستوى حرية التعبير والرأي. وقد ترافق ذلك بشكل خاص مع
الأجواء السياسية التي تشكلت جراء تطور المواجهة في إطار الصراع العربي الصهيوني
وإفرازات نكسة الخامس من حزيران 1967 على المناخ السياسي في العراق والوطن العربي
عموماً، والذي شهد اتساع دور وتأثير الحركات الجماهيرية في الحياة السياسية
الرسمية والشعبية.
وقد شهدت تلك السنوات أيضاً تأسيس نمط جديد من السيطرة الحكومية على وسائل
الإعلام، وذلك بتأسيس المؤسسة العامة للصحافة عام 1967 في إطار دخول الدولة في
ميدان امتلاك وسائل الإعلام وكانت بدايتها وكانت صحيفة يومية سياسية، وأخرى يومية
سياسية باللغة الإنكليزية، وثالثة باللغة الكردية، وإصدار أول مجلة أسبوعية رسمية
سياسية عامة هي مجلة (ألف باء) والتي استمرت بالصدور حتى عام 2003، وإطلاق إذاعة
حكومية أخرى هي إذاعة القوات المسلحة تبث ضمن منظومة الإذاعات الرسمية من دائرة
الإذاعة والتلفزيون. وقد تم ذلك وفق توجهات مركزية تضع في اعتبارها الأول أن يتحول
قطاع الإعلام في العراق إلى قطاع عام، مع وجود قطاع خاص بشكل محدود، وعلى مستوى
إصدار الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات الأدبية والعلمية وعلى نطاق محدود.
ولقد شهد الجهاز الإعلامي بعد عام 1968 تغيرات جذرية في الهيكلية وأسلوب
الأداء باتجاه تعزيز السيطرة المركزية على مساحة الأداء الإعلامي من خلال إصدار
سلسلة من التعديلات على قانون المطبوعات(13)، وقد ترافق ذلك مع التوسع في
إنشاء المؤسسات الإعلامية الرسمية. إذ تم استحداث العديد من دور الطباعة والنشر
والمرافق المعنية بالأنشطة الإعلامية والثقافية وزيادة وتحسين القدرات الطباعية،
بإدخال طباعة (الأوفست) في إصدار الصحف والمجلات، كذلك في إدخال منظومات جديدة
للبث الإذاعي والتلفزيوني لتغطية مناطق العراق المختلفة ودول الجوار والوطن العربي(14).
وقد شهدت السنوات بين عامي 1968 و1975 صدور عدد من الصحف الحزبية في العراق(15)، إلى جانب صدور عدد كبير من الصحف والمجلات المتخصصة عن النقابات
والمنظمات الشعبية والمهنية، والجمعيات العلمية، مثل مجلة (المرأة) ومجلة (وعي
العمل) وجريدة (صوت الفلاح)، وجريدة (صوت الطلبة) ومجلة (الشباب)، بالإضافة إلى
العشرات من الدوريات، وفي ذات الوقت صدرت العديد من الصحف الأسبوعية في عدد من
محافظات العراق مثل صحيفة (الحدباء) في مدينة الموصل وصحيفة (البصرة) في مدينة
البصرة.
وقد أدى هذا التنوع إلى ازدهار نسبي في حجم المطبوع في العراق وإلى التنوع
في إصدار الكتب والترجمة من اللغات الأجنبية الحية، وبالمقابل تم تعزيز دور الدولة
في رسم السياسات العامة للمطبوعات الصادرة بشكل عام، وبذات الوقت تطورت وتنوعت
المؤسسات الثقافية في العراق، مع إنشاء مؤسسات ثقافية متخصصة، مثل دار الشؤون
الثقافية ودائرة ثقافة الأطفال، ودار المأمون للترجمة والنشر، التي اختصت بالترجمة
وإصدار صحيفة باللغة الإنكليزية ومجلة باللغة الفرنسية، ومركز الفنون، ودائرة
الفنون والموسيقى وغيرها، وكان التنسيق والتعاون بين الفعالية الإعلامية والنشاط
الثقافي يتم من قبل وزارة واحدة هي وزارة الإعلام، قبل أن تنفصل إلى وزارتين هما
وزارة الإعلام، ووزارة الثقافة(16).
الحصار
وتأثيره على الإعلام العراقي
لقد كان فرض الحصار الاقتصادي الشامل على العراق بموجب قرار مجلس الأمن
الدولي الرقم 606 في 8/8/1990، بداية لسلسة من التداعيات السلبية على واقع وأداء
الإعلام في العراق، مضافاً إليه ما تعرض الإعلام ومؤسساته من النتائج السلبية
للظروف المترتبة عن حرب استمرت ثمان سنوات(17) (الحرب العراقية الإيرانية
1980-1988). ووفقاً لإجراءات مجلس الأمن الدولي فقد منع العراق من استيراد أية
مواد ومعدات ووسائل داخلة في الإنتاج الإعلامي والثقافي، وبشكل خاص ورق الصحف
والمجلات والأحبار ومعدات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي والإذاعي(18) وقطع غيار المكائن والمعدات الطباعية وأجهزة الإرسال الإذاعي
والتلفزيوني. وتعدى نطاق الحصار ليشمل منع حصول العراق على الكتب العلمية
والدوريات المتخصصة، كذلك أصباغ التلوين لرسم اللوحات والفراشي المستخدمة فيها.
ومن جانب آخر أدى النقص في العملات الأجنبية إلى اضطرار الدولة إلى غلق مكاتب
وكالة الأنباء العراقية في العديد من العواصم العالمية والعربية، كذلك إلغاء عقود
المراسلين الصحفيين للمطبوعات العراقية. وبسبب ذلك انخفض وبشكل حاد عدد المطبوع من
النسخ للصحف اليومية، وعلى سبيل المثال تراجع معدل طباعة جريدة (الجمهورية) من
(200) ألف نسخة يومياً إلى حدود (40) ألف نسخة يومياً، كما وضعت سياسة مركزية
صارمة للسيطرة على خزين الورق الحكومي، وتوقفت طباعة الكتب المدرسية، والكتب
الثقافية العامة، كما توقف صدور المطبوعات الناطقة باسم النقابات والمنظمات
والجمعيات، أو فرضت عليها إعادة جدولة صدورها أسبوعياً بدل يومياً، وشهرياً بدل
أسبوعياً، وتقلص حجم صفحاتها إلى الحد الأدنى. وفي ذات الوقت أصاب الحصار بالشلل
الكامل أنشطة الإنتاج السينمائي في العراق، وهو النشاط الذي تقوم به المؤسسة
العامة للسينما والمسرح الرسمية بشكل أساسي بسبب شحة الحصول على الرقوق السينمائية
الخام وعلى المواد الكيماوية التي تدخل في تحميض الأفلام وطباعتها.
كما أدت القطيعة، وظروف العدوان الأمريكي على العراق عام 1991 إلى عزل
الأنشطة الثقافية العراقية عن العالم، وتوقف إرسال الفرق الفنية والمسرحية
للمشاركة في المهرجانات العالمية، وفي ذات الوقت توقفت أيضاً الزيارات التي تقوم
بها الفرق الفنية والمسرحية العربية والأجنبية إلى العراق.
ولقد أدى العدوان الأمريكي على العراق والتدمير الشامل الذي أصاب المؤسسات
الثقافية والإعلامية، وبشكل خاص محطات الإرسال الإذاعي والتلفزيوني ووسائط نقل
الإشارات اللاسلكية ومنظومة (المايكروف) التي تستخدم للمكالمات الهاتفية إلى تراجع
كبير في أداء الإعلام الوطني، حيث انخفضت نسبة التغطية الإذاعية والتلفزيونية في
الفترة الأولى التي رافقت وأعقبت العدوان إلى حدود 80% من الطاقة المتوفرة قبل
العدوان. كما أدى تدمير الجسور إلى قطع المواصلات بين محافظات العراق، وبالتالي
عدم وصول الصحف اليومية إلى محافظات العراق التي استمرت بالصدور طيلة فترة الحرب
(17 كانون الثاني لغاية 28 شباط 1991)، وأدى تدمير محطات الكهرباء إلى عدم تمكن
عدد كبير من العراقيين من استلام البث التلفزيوني الوطني أو الاستماع إلى الإذاعة
الرسمية إلا بصعوبة بالغة.
ورغم الجهود الوطنية التي بذلت لإعادة إعمار ما تدمر أو تضرر جراء القصف
الجوي، فإن طاقة البث والإرسال لم تعد إلى ما كانت عليه قبل عام 1991، هذا
بالإضافة إلى تأثيرات الحصار في تأمين قطع الغيار والمعدات والأجهزة الفنية،
والصمامات (وهي حلقة أساسية في عمل المرسلات الإذاعية والتلفزيونية ولها عمر زمني
محدد في العمل).
وفي ذات الوقت أدى الحصار وضمن آثاره الاقتصادية، إلى هجرة الكثير من
الكفاءات الإعلامية إلى خارج العراق، أو تركهم للعمل في المؤسسات الإعلامية إلى
ميادين أخرى تحقق لهم مردوداً مالياً أوفر، وبالمقابل أدى انخفاض الدخل القومي
بشكل عام، ودخول الأفراد، إلى تدني نسبة حركة الإعلان التجاري الذي يعد مغذياً
أساسياً للجانب المالي في إصدار الصحف والمطبوعات، مقابل عزوف المواطنين عن اقتناء
الصحيفة اليومية لأسباب اقتصادية أيضاً.
إن الحصار الذي استمر حوالى (13) عاماً قد أصاب المؤسسات الإعلامية بالعطب
الشامل، وقد تخلفت (على سبيل المثال) الطباعة، وعاد الطبع إلى مراحل تسبق استخدام
الأوفست، وأضحى إصدار أي مطبوع جديد مغامرة غير محسوبة النتائج، وفي الواقع فقد
تقلص دور الصحيفة بسبب محدودية انتشارها وقلة الأعداد المطبوعة منها، كما أن
الانقطاع في التيار الكهربائي قد غيب إلى حد كبير كذلك الاستفادة من وسيلة
التلفزيون كأداة للتأثير والتواصل مع المجتمع.
تفكيك
الإعلام العراقي
تثير مفردة (تفكيك) إشكالية لغوية من حيث استعارتها من حيز المعنى المادي
الميكانيكي حصراً إلى تطبيقها عملياً على آليات وبناء مؤسسات الإعلام المتسمة
بالتداخل والتعقيد، وقد ترافق هذا المصطلح مع الاحتلال الأمريكي للعراق، حيث
استخدم للمرة الأولى في إطار القرار الأمريكي لتفكيك الجيش العراقي، استناداً إلى
الدراسة التي أعدها البنتاغون، والتي خلصت إلى أن مؤسسة الجيش العراقي، هي مؤسسة
عراقية وطنية وقومية شكلت العمود الفقري للدولة العراقية الحديثة، وارتبط نشوؤها
وتطورها وتاريخها الوطني مع أحداث ووقائع يرى المحتل أنها تشكل عاملاً للوحدة
الوطنية وجامعة للذاكرة الشعبية المرتبطة بالبطولة والمجد. وكذلك الأمر بالنسبة
للإعلام، فقد وجدت إدارة الاحتلال أن وزارة الإعلام ومؤسساتها هي جزء من قوة
الدولة العراقية ومن قوة النظام السابق، وإحدى أدواته السياسية والفكرية، وأن
اعتمادها لأغراض لاحقة لن يؤدي إلى الهدف المطلوب، ولذلك فإن حلها أو إلغاءها هو
القرار الذي يحسم مرحلة الانتقال نحو آليات ومنهج جديد للإعلام في ظل الاحتلال،
وكان ذلك من أولى القرارات التي اتخذها الحاكم الأمريكي في العراق بعد الاحتلال
مباشرة.
وبموجب الصلاحيات المنوطة لمدير سلطة التحالف المؤقتة ك. بول بريمر في 17
حزيران 2003 لإدارة سلطات الحكومة المؤقتة (من أجل إدارة شؤون العراق بفعالية خلال
فترة الإدارة الانتقالية)(19)، وعلى أساس هذه السلطة المطلقة
للتصرف بشؤون العراق، فقد صدر ما يسمى (ملحق أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم
"2" تحت عنوا ن(حل كيانات عراقية) أمر حل كل من:
- وزارة الدفاع
- وزارة الإعلام
- وزارة الدولة للشؤون العسكرية
جهاز المخابرات العامة
- مكتب الأمن القومي
- مديرية الأمن العام
- جهاز الأمن الخاص
وجاء كذلك في هامش الأمر: تُحل كذلك جميع المنظمات التابعة للكيانات
المنحلة.
وعلى هذا الأساس تم حل وتصفية جميع الدوائر والمؤسسات التابعة لوزارة
الإعلام وهي:
1-
وكالة الأنباء
العراقية
2-
دائرة الإعلام
3-
الهيئة الهندسية
الفنية
4-
دائرة الشؤون
الإدارية
5-
دار الحرية
للطباعة
6-
دار الجماهير
للصحافة
7-
مجلة (ألف باء)
8-
دار القادسية
للنشر
9-
مجلة (هاو كاري)
10-
جريدة (بغداد
أوبزرفر)
11-
مركز أم المعارك
للبحوث والمعلومات
12-
دائرة الإذاعة
والتلفزيون
13-
دائرة تلفزيون
بغداد الدولي (قناة بغداد)
14-
دائرة الرافدين
الفضائية
وعملياً فقد سبق قرار حل وزارة الإعلام (التفكيك) تدمير شامل لمؤسسات وزارة
الإعلام، فقد تم قصف وتدمير مبنى دائرة الإذاعة والتفزيون في بغداد (الصالحية)
ومبنى دائرة تلفزيون بغداد الدولي (قناة بغداد) في بغداد (الأعظمية)، أما مبنى
وزارة الإعلام ودار الحرية ودار الجماهير للصحافة ودار القادسية للنشر، فقد تم نهب
موجوداتها من مكاتب ومعدات وتم حرقها بالكامل(20).
وقد أدى قرار حل وزارة الإعلام إلى إلغاء مؤسسة كانت قائمة ويتصل عمرها مع
عمر الدولة الحديثة المؤسسة عام 1921، وإلى تصفية وتدمير موجودات ومعدات أجهزة
تخصيصية تم استيرادها بمليارات الدولارات. وبالمقابل فقد تم تسريح أكثر من أربعة
آلاف موظف وعامل كانوا يعملون في تلك الوزارة.
وما إن تم احتلال العراق ودمرت مؤسسات الإعلام، ثم صدور أمر الحاكم المدني
الأمريكي بول بريمر بحل وزارة الإعلام، حتى انطلقت حالة من فوضى الشاملة على مستوى
إصدار الصحف اليومية والأسبوعية، وشهدت العاصمة بغداد، وباقي مدن العراق الرئيسة
حالة غير مسبوقة في عدد الصحف التي صدرت تحت مختلف المسميات والدواعي، حتى بلغ عدد
الصحف اليومية الصادرة في بغداد وحدها منتصف عام 2003 بحدود (126) صحيفة يومية، إذ
لا يستدعي صدور صحيفة يومية أو أي مطبوع دوري الحصول على أية موافقة رسمية على
امتياز المطبوع، ويكفي أن يتم شراء كمية من الورق والاتفاق مع مطبعة تجارية وتحرير
صفحات المطبوع لتخرج إلى القارئ جريدة بأي عنوان كان(21)، حتى لو كان مسمى لمصنع للحلويات
أو باسم قبيلة وهكذا.
وكان من أولى إنجازات الاحتلال على طريق (تعزيز حرية الرأي وحق المعرفة
والاتصال) هو قتل الصحفيين والمراسلين الصحفيين(22) والذي بدأ بقتل مراسل قناة
الجزيرة الفضائية(23)، واتخاذ إجراءات لتحديد حرية تحرك
مراسلي المحطات التلفزيونية الفضائية لنقل وقائع الاحتلال إلى العالم. ثم اتخذت
إجراءات لغلق صحيفة (الحوزة) الناطقة باسم التيار الصدري لمدة (60 يوماً) بتاريخ
27/3/2004 تحت ذريعة (التحريض على العنف)، كذلك إغلاق صحيفة (المستقلة) بتاريخ
13/7/2003 واعتقال مديرها. وقد أصدر الحاكم العسكري آنذاك قرار (حذر فيه الصحف من
نشر معلومات عن عمليات المقاومة) وفرضت على العاملين في الإعلام (مدونة سلوك العمل
في وسائل الإعلام) والزام رؤساء التحرير بالتوقيع عليها، وأشار إلى أنه سيتم ليس
فقط حظر الوسيلة الإعلامية بل مصادرة ممتلكاتها عند أية مخالفة. وهذه سابقة لم
تتضمنها أية قوانين مطبوعات عراقية سابقة(24). كما تم إغلاق مكتب قناة الجزيرة(25) في بغداد لمدة شهر، وتم تمديد الإغلاق لفترات لاحقة، كذلك تم
إغلاق قناة العربية لمدة شهر واحد.
وفي ذات الوقت استولت قوات الاحتلال الأمريكي على إحدى المطابع الحكومية
التابعة لوزارة الإعلام، والتي سلمت نسبياً من عمليات النهب والتدمير، وأصدرت
صحيفة يومية سياسية، هي صحيفة (الصباح) وعدت الناطقة باسم (قوات التحالف) تحت مسمى
(شبكة الإعلام العراقي)، وأصبحت هي الصحيفة الوحيدة التي تنشر بيانات الحكومة
الأمريكية أو الحاكم العسكري الأمريكي أو الحاكم المدني الأمريكي للعراق، وتم حصر
نشر الإعلانات الحكومية بهذه الصحيفة، مما أثر على الصحف الأخرى التي ترى في حق
نشر الإعلانات الحكومية مورداً لتمويلها وحقاً مشروعاً وعادلاً، كما هو الأمر في
السابق حيث توزع الإعلانات الحكومية على جميع الصحف اليومية والأسبوعية بطريقة
منصفة.
وجاء قرار حل وزارة الإعلام والتي ترتبط بها المؤسسات الإعلامية المختلفة
وفي مقدمتها دائرة الإذاعة والتلفزيون، والتي تشرف على عمل العديد من الإذاعات
المحلية (إذاعة بغداد، إذاعة صوت الجماهير، إذاعة القرآن الكريم) والإذاعة الكردية
والإذاعة السريانية، وكذلك القناة التلفزيونية المحلية (القناة العامة) وتلفزيون
بغداد الدولي (قناة بغداد) ودائرة الرافدين الفضائية (القناة الثقافية المنوعة)،
وكذلك شمل القرار حل إذاعة وتلفزيون الشباب التابعة للجنة الوطنية الأولمبية
العراقية(26)، وهيئة الإرسال المسؤولة عن محطات البث وإعادة البث
الإذاعي والتلفزيوني في أنحاء العراق. وكذلك توقف إصدار الصحف اليومية وبضمنها
جريدة (الجمهورية) الرسمية والصحف الأسبوعية ومجلة (ألف باء)، وتعطلت جميع الأنشطة
الإعلامية والثقافية في العراق، وتم نهب مخازن دار الحرية للطباعة والتي تضم
الخزين المركزي للورق في ظروف الحصار. كل ذلك أدى إلى فراغ كبير وغياب لمؤسسات
الإعلام لفترة من الزمن، حيث عاودت الصحف اليومية الصدور بعد قرابة الأسبوعين من
الاحتلال (9 نيسان 2003)، دون أية إجراءات قانونية تؤطرها ودون الحصول على
الموافقات والإجراءات المعتمدة في مثل تلك الحالات، وذلك لغياب الدولة ومؤسساتها.
فصدرت على التوالي صحف خاصة بلغ عددها أكثر من (126) صحيفة يومية وأسبوعية في
بغداد وباقي محافظات العراق كما انطلقت إذاعات محلية تبث على موجة الـ FM أو المتوسطة، بلغ عددها أكثر من (20)(27) محطة بالإضافة إلى إعادة بث عملي
بواسطة الـ FM لإذاعات أجنبية ناطقة بالعربية في بغداد، وبعض المدن
الرئيسة الأخرى في العراق مثل البصرة والموصل. كذلك انطلقت قنوات تلفزيونية محلية
في بغداد وباقي المدن العراقية(28)، ويغطي بثها جزءاً من العراق، هذا
إلى جانب تأسيس محطات تلفزيونية فضائية عراقية تبث عبر سواتل (العرب سات، والنايل
سات، والهوت بيرد). وكإجراء تنظيمي مؤقت أقدمت سلطات الاحتلال الأمريكي على إصدار
الأمر رقم (65) بإنشاء (المفوضية العراقية للاتصالات والإعلام)، وقد استند الحاكم
العسكري، بصفته (المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة) و(بموجب القوانين
والأعراف المتبعة في حالة الحرب) على سلطاته الاستثنائية لإصدار ذلك الأمر الذي تضمن
تسعة أقسام تناولت تنظيم شؤون الاتصالات
السلكية واللاسلكية وإعطاء الترخيص بشأن ذلك، بالإضافة إلى وضع القواعد واللوائح
التنظيمية اللازمة. وعلى ضوء ذلك صدرت أوامر من الحاكم العسكري منظمة لتأسيس شركات
البث الإذاعي والتلفزيوني والحصول على إجازات بث مؤقتة تتوافق مع الأنظمة الموضوعة
من قبل (سلطة الائتلاف المؤقتة بموجب الأمر رقم "11").
وقد صدر عن المفوضية العراقية للاتصالات والإعلام تعليمات أو ما يسمى بـ
(توجهات عامة حول الدقة والتوازن في الأخبار) تناولت ما يشبه الأوامر لكل وسائل
الاتصال والإعلام بضرورة التزام بالتوجيهات المبلغة لهم من قبل (المفوضية)، مع
الإشارة إلى (فرض العقوبات المناسبة) بغية تأمين (الانصياع لشروط الترخيص وأحكامه
ونصوص مدونة الممارسات المهنية ونصوص القواعد واللوائح الأخرى)(29).
وبموجب ذلك القانون، ولغرض احكام السيطرة ليس على إصدار الصحف والمطبوعات
فحسب، بل وعلى تأسيس الإذاعات ومحطات التلفزيون، فقد تم إنشاء شبكة الإعلام
العراقي (IMN) والتي (تتولى تقديم خدمات الإذاعة العامة والبث
والإرسال عبر الأراضي العراقية، وتكون الهيئة العامة للبث والإرسال مؤسسة مستقلة
مكلفة بنشر المعلومات وفقاً لهذا الأمر ولشروط وأحكام ترخيص التشغيل الصادر لها).
والذي جرى في الواقع هو غير ذلك، فاستمر صدور الصحف والمجلات دون تقديم
طلبات إلى تلك المفوضية للحصول على تراخيص الإصدار، كما أن الأشخاص والشركات أسسوا
لمصلحتهم مواقع للبث الإذاعي والتفزيوني، وتم عقد اتفاقات منفردة بين محطات
التلفزيون المحلية (داخل العراق) وبين الشركات والمؤسسات المالكة للأقمار الصناعية
للحصول على قنوات للبث في حدود التغطيات التي توفرها تلك الأقمار ضمن مدارها
الفضائي، دون الرجوع إلى تلك المفوضية أو إلى أي من الإدارات العراقية.
وفي المقابل وفي إطار ما يسمى بتعليمات (توجهات عامة حول الدقة والتوازن في
الأخبار) مورست ضد الصحفيين ووسائل الإعلام العراقية، والعربية العاملة في العراق،
إجراءات رقابية وقمعية وصلت إلى حد اعتقال العاملين في أجهزة الإعلام وإغلاق الصحف(30) وعدد من مكاتب المحطات التلفزيونية العربية(31)، وتجديد ذلك الإغلاق لفترات لاحقة، وإجبار العاملين في وسائل
الإعلام التوقيع والالتزام بـ (مدونة سلوك العمل في وسائل الإعلام) وهي سابقة لم
يشهد لها العالم مثيلاً، وتمثل نمطاً من الرقابة المسبقة، والتهديد المسبق لكل
العاملين في الإعلام من أية مخالفة لأنظمة وسياسة المحتل وإجراءاته.
الإعلام العراقي بعد التحرير
يمثل الإعلام، واحداً من ركائز السيادة الوطنية، وبالمقدار الذي يتحقق فيه
للإعلام الحرية والالتزام في إطار قوانين منظمة وشاملة وراعية ومدافعة عن دوره
وأهميته في الحياة السياسية والفكرية، فإنه يتمكن من ممارسة دوره الإيجابي في
تعزيز الحياة الديمقراطية والدفاع عن حرية الفرد وقيم المجتمع ومؤسساته، ويسهم في
تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وقد تطور أداء الإعلام وتنوعت وسائله وأساليبه مع تطور الحياة الإنسانية،
وأسهمت التحولات الجذرية في ميدان الاتصال والمعلومات وفي العصر الحديث بتعزيز دور
الإعلام، وبحكم تواجده في محيط الحياة اليومي، أضحى عاملاً أساسياً في تكوين الرأي
العام، ومعبراً عن حقوق المواطن ودور
الجماعات في بناء المجتمع المدني الحر والمستقل، ومساهماً في تسريع عمليات التنمية
البشرية والإنسانية، وشريكاً في كل ما تحقق من إنجازات وبشكل خاص في ميدان حماية
الحريات الأساسية وتعزيز الدور الخلاق والمبدع للإنسان.
ومن هنا فإن الإعلام لا يأخذ دوره ومداه وتأثيره، إلا في بيئة حرة، وفي
إطار من القوانين ومن المواثيق التي تحمي الحريات وتدافع عنها، وعبر التفاعل
الإيجابي الخلاق الذي يفجر الطاقات وينظم تدفقها في الأطر الصحيحة الهادفة إلى
سعادة البشرية وارتقائها.
إن بناء مؤسسات إعلامية كفوءة وقادرة على التعبير عن الهوية الوطنية
والقومية يستلزم إعداد القيادات والكفاءات المؤمنة بذلك، وهذا يقتضي تبني ميثاق
عمل إعلامي شامل، يؤمن ممارسة حرية الرأي والفكر والنشر والحق في الاتصال، والحق
في الحصول على المعلومة الصحيحة، وممارسة الرقابة الشعبية من خلال الرأي والنقد في
إطار الدستور وضمن القانون وبحدود احترام المقومات الأساسية للمجتمع وحقوق وحريات
الآخرين.
وتستدعي معالجة حالة الفوضى السائدة في الإعلام العراقي والتي صنعها وكرسها
واقع الاحتلال، النظر مجدداً في دور وأداء المؤسسات الإعلامية، عبر التأكيد على
مبدأ حرية الإعلام وتنوع منافذه، مع وجود الدولة – المؤسسات – الراعية له والداعمة
لأنشطته، وفي هذا الإطار لا بد من تاكيد المبادئ والقيم الأساسية التالية:
أولاً: إن الإعلام نشاط إنساني خلاق ومبدع، ولذا فإنه يرتبط بحركة التطور
والتحديث ويعبر عنهما، ويلتزم بالقيم والمبادئ الإنسانية التي تؤمن بحرية الإنسان
وقدراته على بناء مستقبله المنشود.
ثانياً: الإعلام يجسد في نشاطه ما حققته البشرية من إنجازات على مستوى
احترام حرية الفرد(32)، وفي إطار مبادئ حقوق الإنسان
الأساسية، ويعكس قيم التبادل الحر للأفكار والمعلومات، واحترام المعتقدات والقيم
الشخصية والجماعية، وقيم العمل والإبداع.
ثالثاً: إن الإعلام يضمن بالتالي حق الإنسان في المعرفة.. وحق المعرفة
يرتبط بالقدرة على استخدام المعلومات وتنميتها بشكل إيجابي وخلاق لخدمة الإنسان
والإنسانية، وبالتالي تعزيز حرية الوصول إلى مواقع وخزائن ومصادر المعرفة بشكل
يسير وكفوء، ويتبع ذلك أيضاً القدرة على التحليل والتركيب والاستنباط، ومواجهة كل
أنواع الحجب القسري والقصدي والإلغاء أو الإخفاء من قبل الهيئات والحكومات
والأفراد.
رابعاً: إن الإعلام شريك أساسي في بناء مسار ومفهوم التنمية الإنسانية
الشامل، وفي هذا الإطار ومن أجل مواجهة تدني الاهتمام بالفكر التنموي، وتطوير
المفاهيم الأساسية، لا بد من بناء قاعدة فكرية تتطور من خلالها مفاهيم المسؤولية
التضامنية والشعور بالمسؤولية الجماعية لمواجهة مستلزمات التطور والتحديث،
وبمشاركة فاعلة عبر أطر المجتمع المدني.
خامساً: وتبعاً لذلك لا بد أن يعزز العمل الإعلامي في ميدان التنمية بناء
نظام اتصال فعال كوعاء لخلق جو ملائم للنشاط التنموي، عبر التمسك بالقيم والمفاهيم
الأساسية مثل احترام العمل وإعطائه بعده القيمي والاجتماعي، وتنمية ثقافة المشاركة
الجماعية، وتطور كفاءة الأداء لدى كل قطاعات المجتمع، وتعزيز القيم والسلوكيات
الخلاقة في هذا الميدان.
سادساً: يحمي الإعلام ويطور قيم المجتمع الإيجابية، ويقف سداً أمام النزعات
العصبوية والطائفية والاستبدادية، وينمي الشعور بالحق في المساهمة في البناء
السياسي والاجتماعي عبر الممارسة الديمقراطية الفاعلة.
سابعاً: وبالتالي فإن الإعلام يعبر عن مفهوم السيادة الوطنية بكل أبعادها،
ويجسد المصالح الوطنية العليا، ويدافع عن القضايا الأساسية المتفق عليها، ويدفع
بروح التفاؤل والإيمان بالمستقبل.
ثامناً: وبهذا الإطار يؤكد الإعلام كل ما من شأنه تمتين وتقوية أواصر
الوحدة الوطنية، ويقف سداً منيعاً بوجه قيم التخلف والارتداد وبشكل خاص التعصب
والشوفينية، وضد الطائفية بكل أشكالها، وضد كل أشكال التمييز العنصري والاثني.
تاسعاً: ويدافع الإعلام عن الحقوق المشروعة لشرائح المجتمع، وبشكل خاص حق
الطفولة في حياة حرية سعيدة، ومع تأمين حقوق ذوي الحاجات الخاصة ورعاية كبار السن،
والعمل على تطوير التأمين الاجتماعي للأسرة ضد الفقر والعوز.
عاشراً: يعبر الإعلام عن حق الحرية الثقافية عبر توسيع الخيارات الفردية
والجماعية، وإشاعة روح التجدد والإبداع، ويشجع على الابتكار الفكري والمادي، وبناء
منظومة ثقافية شفافة تستوعب التنوع وتسهم في التفاعل بين مختلف الخصوصيات، واعتبار
الثقافة ظاهرة اجتماعية تؤمن للفرد حق الشعور بالانتماء الحر، وفي ذات الوقت
بالانتساب إلى جماعة بذاتها، والولاء إلى منظومة من القيم والتقاليد والموروث الذي
يسهم في تحقيق الحرية والعدالة.
حادي عشر: وفي وطننا العربي، فإن الإعلام يجسد إرادة الأمة في نضالها
التحرري من أجل الوحدة القومية، وتأكيد الدور الإيجابي في الإطار الإنساني، ويحمل
راية العمل في سبيل رعاية مصالح الأمة التاريخية والدفاع عن حقوقها المشروعة في
الحرية والتقدم.
إعادة
البناء
تواجه عملية إعادة بناء أجهزة الإعلام صعوبات متعددة الأبعاد، إذ في الوقت
الذي تم فيه تفكيك وتدمير مؤسسات إعلامية متخصصة بأنشطة الإعلام المختلفة، فإن
الاحتلال قد عوم العمل الإعلامي مع احتفاظه بالحصة الأساس، وفي الذات تشتت الكادر
الإعلامي الفكري والفني، وتعطل عن العمل جزء آخر منه، أو وجد له فرص أخرى بعيدة عن
ميدان تخصصه، أو خارج العراق.
وإرادة إعادة البناء لا تقف على أطلال تجربة ماضية حسب، بل إنها يجب أن
تواجه مسؤولياتها في معالجة حالة الانفلات و الفوضى الراهنة، وأن تعيد، وقبل كل
شيء، رسم الأطر القانونية الضابطة، والقادرة على تحديد الأدوار والمسؤوليات، وأن
تضع استراتيجية وفق متطلبات التنمية الإنسانية ومواجهة مسؤولية الدفاع عن الوطن
وسيادته، وتتطلب هذه المهمة تحديد مفهوم السيادة الإعلامية للدولة، ومدى تدخلها،
وحدود إشرافها، وإمكانيات دعمها ورعايتها للأنشطة الإعلامية والثقافية المختلفة.
وفي إطار المنافسة في ميدان الإعلام، يمكن أن تلعب مبادئ حقوق الإنسان وحرية
تدفق المعلومات، وفي حدود حق المعرفة وضمن ضوابط شاملة لضمان العمل على قاعدة
إلغاء الاحتكار، وفي ذات الوقت تؤدي إلى التنوع في مضامين العمل الإعلامي والتوسع
في دعم الأنشطة المعرفية المرتبطة بالحاجات الأساسية للبناء والمجتمع. وبذلك لا
يتحقق تطور نوعي في أداء الإعلام فحسب، وإنما تتشكل بيئة اجتماعية متراضية
ومتوافقة مع الإعلام، عبر الإدراك والوعي بالحاجة إلى الفعل الإعلامي المتنوع في
إثراء الحياة السياسية والفكرية والمساهمة ببناء مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق
الديمقراطية الحقة.
إن مبادئ مثل الحرية والكرامة والعدالة، والحق في العمل والانتقال الحر
وغيرها، هي أسمى ما يمكن أن يتطلع إليه أي مجتمع، مضافاً إلى ذلك التوجه نحو تكثيف
المعرفة وتحقيق تراكمها الميداني، وهذه القضايا هي من صلب عمل الإعلام، بالإضافة
إلى عنصر التسلية والترفيه الذي لا يمكن إنكار الحاجة إليه، والعلاقة التفاعلية
بين تطور أداء الإعلام ومؤسساته بشكل عام، وبين تطور المجتمع وتوجهه نحو التقدم
والتطور، هي علاقة تفاعلية مستمرة. وتقدم لنا الوقائع الراهنة أن الإعلام أضحى
حاجة أساسية في غذاء المواطن اليومي، لا يمكن الحياة دونه، وهذه الحاجة لا تتوقف
عملية صيرورتها، ولا تتحدد الحاجة إليها. ولذلك يتصاعد في الوقت ذاته النقد الموجه
إلى الإعلام، وتزداد الاتهامات بقدرته على التضليل والتشويه وإخفاء المعلومات
والحقائق. في الوقت ذاته أيضاً فإن بعض البنى السياسية أو حتى الاجتماعية تتعامل
مع الإعلام باعتباره منافساً لها، أو محرضاً سلبياً على أدوارها، أو حتى فاضحاً
لأخطارها وسلبياتها.
إن المسؤولية الجديدة للإعلام العراقي لا تتحدد في استعادة الوضع القانوني
لمواجهة حالة الفوضى، أو إعادة بناء المؤسسات وتجميع كوادرها الفكرية والفنية، بل
في إعادة صياغة مضمون الرسالة الإعلامية وتجديد محتواها المعرفي والإنساني، وتنظيم
أولويات النشاط الإعلامي في الصحافة والإذاعة والتلفزيون بشكل أساسي، والأنشطة
الداعمة الأخرى. فالتدفق الهائل في الحزم الاتصالية عبر الأقمار الصناعية يمثل
تحدياً كبيراً لكل إعلام وطني، وفي العراق بشكل خاص، وإذ لم تحقق طفرة نوعية
وجذرية في هيكلية مؤسسات الإعلام الرسمي والخاص، وفي طبيعة رسائله وأدائه، وتعامله
مع المتلقي، وتلبية الحاجات الوطنية المعرفية والإبداعية والتنموية، فإن كل حديث
عن إصلاح الإعلام العراقي أو إعادة بنائه تدخل في قناة مفتوحة يتبدد فيها الصوت
دون جدوى.
وكذلك يجب أن تكون البداية تأشير دور موضوعي وتنظيمي للدولة، وعلى أقل
تقدير في المرحلة الأولى بعد التحرير، لاستعادة المبادرة وتأكيد المبادئ القانونية
الأساسية الحاكمة للنشاط الإعلامي ومؤسساته، وتجميع أطره وكوادره الأساسية، وتحديد
دور القطاع الرسمي والخاص في مختلف أوجه النشاط الإعلامي، ووضع الأسس الأخلاقية
والمبدئية ومبادئ حقوق الملكية موضع التطبيق العملي.
إن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، ولكنها يجب أن تكون خطوة واثقة
ومؤمنة بالمسيرة وأهدافها.
المجلس
الأعلى للإعلام والاتصال
مع تطور وسائل الإعلام وتسارع إمكانيات الاتصال، وتنامي إمكانيات بناء
إعلام مستقل، غير حكومي، أضحت الأطر التقليدية والمحددة في إطار سلطة الدولة، غير
كافية، وغير معبرة عن المساحة الواسعة من التنوع والإبداع الذي يحظى بها الإعلام
في علاقته بالمجتمع وتطور الحياة السياسية وبالتنمية الفكرية والمادية. ولذا فإن
العديد من التجارب تقود إلى أهمية إنشاء هيئات وطنية مستقلة لتؤطر السياسات العامة
للإعلام والاتصال، والتي تجمع بين إمكانات الدولة وآليات النشاط الخاص في هذا
الميدان.
وفي هذا الإطار، وعلى اختلاف المسميات، تستدعي الحاجة إلى تأسيس هيئة، أو
مجلس أعلى لشؤون الإعلام والاتصال يتولى رسم السياسات العامة للاتصال والأداء
الإعلامي في إطار تمكين المواطن من حقه المشروع في إعلام حر ومتنوع المصادر ومعبر
عن الغايات والأهداف الوطنية والقومية والإنسانية. وينهض المجلس بمهمة وضع
التشريعات والقوانين التي تكفل تطور الإعلام، وميدان الاتصال، ويساعد على تنمية
البنى الأساسية وتطويرها وتحسينها.
ويتألف المجلس الأعلى من شخصيات ذات كفاءة معترف بها في ميدان الإعلام
والثقافة والاتصال، ويحدد له نظام داخلي يتضمن آليات اجتماعاته وأسلوب متابعة
تنفيذ قراراته وتوصياته، ويحق للمجلس الاستعانة بالخبرات الوطنية والأجنبية في
ميدان اختصاصه.
إن صيغة المجلس الأعلى للإعلام والاتصال تحقق مزايا في مقدمتها:
أولاً: إيجاد هيئة وطنية مستقلة، لا تخضع
للسلطة المركزية، إلا من خلال الدستور والقوانين المنظمة للحياة العامة وأداء
المؤسسات الوطنية المختلفة.
ثانياً: تتمتع الهيئة بإمكانات اقتراح
وصياغة القوانين والتشريعات التي تسهم في تطوير أداء الإعلامي وتنوعه ورعاية
المبدعين فيه، بالإضافة إلى تعزيز قدرات الاتصال على المستوى الوطني.
ثالثاً: تمارس الهيئة مسؤولية رعاية
العاملين في ميدان الإعلام والاتصال وتطوير إمكاناتهم المهنية والإبداعية، ووضع
الأسس للتمييز في الأداء ووسائله.
رابعاً: تركز الهيئة على أسس ومواثيق العمل
الإعلامي، وكذلك (ميثاق الشرف الصحفي) وكل ما من شأنه وضع الضوابط المنسجمة مع
القيم الوطنية والأعراف والمبادئ الأخلاقية في إطار المسؤولية المشتركة تجاه الفرد
والمجتمع ومؤسساته.
خامساً: تتولى الهيئة توفير إمكانات الدعم
للتطور العلمي والتقني في ميدان الإعلام، وتعزيز القدرات الفنية الحديثة في إطار
الاتصال، وفي هذا الإطار تتولى الهيئة دعم المؤسسات الخاصة في إطار القوانين
المنظمة للاستثمار في ميدان الإعلام والاتصال.
سادساً: تسهم الهيئة في رفد وسائل الإعلام
والاتصال بالمعطيات المتعلقة بالأنشطة المختلفة للدولة ومنظمات المجتمع المدني
ووضعها في قاعدة بيانات معتمدة وقابلة للاستخدام لأغراض البحث العلمي والنشر
العلني.
سابعاً: الموافقة على منح رخص إصدار الصحف في
إطار القوانين النافذة والضوابط المعتمدة، وكذلك تنظيم ترددات البث الإذاعي
والتلفزيوني ووسائل استخدام السواتل للبث الفضائي، والموافقة على تأسيس مشاريع
البث الإذاعي والتلفزيوني، وكل مرافق الخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات.
ثامناً: ترعى الهيئة كل ما من شأنه رعاية
وصيانة حقوق الملكية الأدبية والفنية وما يشمل حق التأليف لكل مصنف مبتكر أدبياً
كان أو علمياً أو فنياً مهما كانت قيمته، والوجهة التي هو معد لها والطريقة أو
الصيغة المستعملة في التعبير عنه. ويشمل ذلك المصنفات الكتابية المطبوعة والمصنفات
المبتكرة للمسرح أو للإذاعة والقطع الموسيقية، ومصنفات التصوير الفوتوغرافي
والمصنفات السيمنائية والصور الزيتية والنحت، وكل ما يتبع ذلك ويؤطر في معنى الحق
في الإبداع ورعايته وحمايته.
إن الإعلام سلطة وطنية من خلال إدراك محتوى رسالته الوطنية والمحكومة في
إطار تأمين ممارسة حرية الرأي والفكر والتعبير، والالتزام بحق المواطن في المعرفة
الحقة والوصل إليها واستخدامها دون قيد لأغراض إيجابية، وكذلك الحق في الاتصال
والتواصل والحصول على المعلومات الصحيحة ونشرها وتداولها، بالإضافة إلى ما يجب أن
ينهض فيه الإعلام بنشر الفكر القومي القديم والثقافة والعلوم والدفاع عن الثوابت
الوطنية في مواجهة أشكال التهديد الخارجي.
والإعلام في إطار دوره البناء مسؤول عن ممارسة الرقابة والنقد والرصد
والمتابعة على مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، من خلال الشفافية في النقد
والأداء مع المحافظة على الحقوق العامة واحترام المقومات والأعراف الأساسية للدولة
والمجتمع.
وفي هذا الإطار فإن المجلس الأعلى للإعلام والاتصال يرعى مواثيق العمل
الإعلامي ويشكل الإطار القيمي والملتزم به بشكل فعال من قبل المؤسسات والأفراد على
حد سواء، وتحكمه ثوابت أساسية معبرة عن حرية الرأي والتعبير لكل مواطن والمكفولة
بالدستور والقوانين، وللمواطن أن يعبر عن رأيه بكل الوسائل المتاحة.. وحرية الرأي
تتصل بحرية وسهولة الوصول إلى مصادر المعلومات بعيداً عن الحجب أو الانتقائية، إلا
فيما يتعلق بالقضايا الوطنية العليا والتي تعتبر من مصادر قوة الدولة ومؤسسات
المجتمع المدني.
وفي هذا الإطار فإن المجلس الأعلى للإعلام والاتصال هو جهة إشرافية
وتنسيقية بين المؤسسات الإعلامية وهو عقد بين الدولة، باعتبارها المؤسسة العليا في
المجتمع، والأفراد، سواء الذين يعملون في وسائل الإعلام والاتصال، أو عموم المجتمع
ومؤسساته.. وهذا العقد يرتب التزاماً أخلاقياً متبادلاً، بعدم استغلال الإعلام لأي
أغراض منحرفة عن مبادئه السامية، ولا يوظف لأغراض نشر الكراهية والعنف والتعصب وكل
ما من شأنه أن يحط من قيمة الإنسان ودوره في الحياة، وبالتالي يخدم أهداف الدولة
والمجتمع معاً.
الإعلام
والمواطنة
يبدو الحديث عن الإعلام والمواطنة حديثاً بديهياً يصنف في باب المسلمات
التي تحظى بفهم وقبول من المجتمع، والمقاربة تحدد في محتوى العلاقة المتواصلة عبر
التدفق والتفاعل بين المواطن والرسائل الإعلامية، التي أضحت تهطل من كل جانب،
وبشكل خاص من خلال تطور تقنيات البث التلفزيوني والمباشرة في التغطيات الفورية
لمواقع الحدث والأخبار.
ولكن الإشكالية واللبس يتمحوران في فكرة المواطنة ذاتها.. أي القيم والسلوك
المعبر عنهما بالعلاقة المباشرة القائمة التي تربط الفرد بالدولة والمؤسسات
التشريعية والتنفيذية والقضائية ذات الصلة الدائمة بوجوده، ومصالحه وآماله.
المواطنة التي تتعرض دوماً للتشويه والاحتواء بهدف إضعاف مدلولاتها الإنسانية
والحضارية التي تتشكل عبر الممارسة الديمقراطية المسؤولة التي تضع الفرد – المواطن
في مسار البناء المؤسسي، والمشاركة الفعالة في الدفاع عن القانون وعن الدولة في
ذات الوقت.
والإعلام بذلك شريك في صناعة مرجعية وطنية جامعة وشاملة، يعبر عنها بمفهوم
المواطنة.. تلك المواطنة التي تنازعها مرجعيات أخرى لعل أخطرها، وهو ما يواجهه
العراق، هو ضعف الإحساس بالانتماء للوطن، البيت الكبير والعادل للجميع.. الوطن
الذي يقدم لأفراده الأمن والصحة والتعليم والفرص المتكافئة والحق في المعرفة
والمشاركة في صنع القرار، في مواجهة ما تسعى له القوى الخارجية من إضعاف وتهميش
لمحتوى المواطنة، بنزع عامل التوحد وعامل الإحساس بالحرية والسيادة، واستبدالهما
بخنوع واستسلام لقدر الاحتلال والاحتواء والمصادرة.
ولقد نفذ الاحتلال الأمريكي برنامجه لإضعاف المواطنة إلى أقصى مستويات
التدني والتراجع، وذلك عندما أطلق بعد دخوله بغداد العناصر العميلة التي اصطحبها
من خارج الحدود لإشاعة مفهوم تدمير و حرق مرافق الدولة كافة، وبشكل خاص تلك
المؤسسات التي تعني ذاكرة وضمير الحياة الوطنية، وهي المتحف الوطني والمكتبة
الوطنية وغيرها من المؤسسات ذات الصلة بوجود الهوية الوطنية والمعبرة عن معنى
الانتساب المادي والمعنوي للوطن الواحد.. وقد عزز الاحتلال ذلك المنهج بإجراءات
قسرية وقمعية أخرى تصب في غاية تدمير روح المواطنة وهي قراراته بحل مؤسسة الوطن،
ومصنع الرجال، القوات المسلحة العراقية وقوى الأمن الداخلي المعنية بحفظ الأمن
وصيانة حقوق المواطن والمواطنة، كذلك حل وزارة الإعلام ومؤسساتها. وأوجد مؤسسات
إعلامية بديلة تبشر بمنهجه وتدافع عن سياسته وتواصل تحريض المواطن ضد مفهوم الدولة،
تحت مختلف الأسباب والذرائع، في الوقت الذي أقدمت فيه على إحلال الطائفية
ومحاصصتها التقسيمية والتفكيكية في البناء السياسي والاجتماعي، وحتى الفكري
والثقافي، وكرست مفهوم (الطائفة) بدل مفهوم (الوطنية).
إن استعادة الموقف الصحيح لدور الإعلام في تعزيز المواطنة وأبعادها القيمية
– الأخلاقية – والمبدئية الخلاقة في الانتماء للوطن والمشاركة في بنائه والدفاع
عنه، هذه الاستعادة لن تتحقق في الظروف الاستثنائية للاحتلال أو القوى العميلة له،
ذات الصلة المنقطعة والمنعزلة عن مفهوم المواطنة والمتوارية خلال شعارات مستوردة
متناغمة مع ما يدعو إليه الاحتلال من دعوات مشبوهة ومخربة. لذلك لا بد من ترافق
مفهوم مقاومة المحتل مع قيم المواطنة الحقة، وعبر هذه الصلة، وهي صلة موضوعية
وفاعلة، يمكن أن يعاد صياغة الموقف الصحيح تجاه مفهوم المواطنة، من أجل تعزيز ذلك
المفهوم وتحويله إلى قاعدة واسعة ومستقرة لضمان الأمن الجماعي الداخلي والخارجي
ولإعادة بناء الوطن وإطلاق طاقة المشاركة بمفهومها الديمقراطي والإنساني التي تجمع
جهود كل أبناء الوطن على طريق التقدم والبناء.
ومن هنا فإن دور الإعلام في هذه العملية لا ينحصر في المفاهيم التقليدية عن
دور الإعلام في الحياة السياسية والتنمية، بل يتعدى ذلك إلى فاعلية إعادة تأسيس
مفهوم المواطنة، وعندما نقول إعادة التأسيس لا نلغي الإرث الوطني في هذا المجال،
بل من أجل مواجهة استحقاقات عملية دفن إرث مرحلة الاحتلال وإفرازاتها السمية في
الحياة السياسية والاجتماعية. وهذه عملية يشترك فيها قادة الرأي من أصحاب الراية
التنويرية، وفي المقدمة رجال الحركة الوطنية العراقية والمدافعون عن حرية وسيادة
العراق ورجال الدين وقادة الرأي والنخب المثقفة والمتعلمة.. إنها حملة وطنية شاملة
تؤسس مفاهيم جديدة في بيئة ديمقراطية وآفاق من المشاركة الشعبية الواسعة.
إن الإعلام بما يملك من وسائل مؤثرة ونافذة وخطاب مباشر، يستطيع أن يحمل
شعار إعادة بناء مفهوم المواطنة في العراق على قاعدة العمل لإطلاق حريات الرأي
والتعبير وبناء المواطن الصالح والحكم الصالح معاً.. ذلك أن نظام القهر لا ينتج
إلا إعلاماً مقهوراً وخطاباً مستسلماً قدرياً متراجعاً عن معنى الالتزام بالثوابت
الوطنية، أما أعلام الحرية والمعرفة فإنه الأكثر قدرة على إنتاج حقوق مواطنة ذات
مفاهيم قيمية شاملة تمثل جوهر السيادة والحرية.
وعبر الإعلام الملتزم تتوافق غايات أخرى مساندة لصياغة معنى المواطنة، وفي
المقدمة من ذلك استقرار القاعدة القانونية التي تمثل الضمانة الأساسية للحريات
والضابط الشمولي لمعادلة الحقوق والواجبات، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع
القرار ابتداءً من إطلاق حرية تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات وفق معيار
الانتساب للوطن والدفاع عنه والمساهمة في بنائه وتقدمه.
وبإعلام وطني (وليس
بنماذج مستوردة خارجية مشوهة أو يتم فرضها وتسويقها)، وعبر الانفتاح الواعي على
الخارج، واستيعاب مقتدر تجاه التحولات والمتغيرات التي يبشر بها الإعلام،
وبالاستناد إلى الكفاءة الوطنية وإرث التجارب الخلاقة، يمكن أن يساهم الإعلام عبر
مختلف وسائله وأساليبه في إعادة استقرار مفهوم المواطنة، وبالمقابل ومن خلال ثبات
قيم المواطنة، وتعزيز دور المواطن في النقد والمراقبة والمتابعة، يمكن أن نضمن
وجود مرجعية إعلامية كفوءة وضامنة لبناء الحياة الديمقراطية وتعزيز مؤسسات المجتمع
المدني.
الوكالة
الوطنية للأنباء
يعد وجود وكالة وطنية رسمية للأنباء عنصراً مهماً في إطار منظومة السيادة
الوطنية، للتعريف بالسياسة العامة للدولة، وتعزيز الحضور الإعلامي الوطني داخل
البلاد وخارجها.
والوكالة الوطنية للأنباء مؤسسة عامة وتتمتع بالشخصية المستقلة إدارياً
ومالياً وذات أهداف غير نفعية، ويمكن أن تضع في أهدافها تحقيق أعمال ربحية لتعزيز
استقلالها المالي. وهي تعمل تحت إشراف وزارة الإعلام أو (المجلس الأعلى للإعلام
والاتصال)، ولها مجلس إدارة يتشكل من رئيس المجلس والمدير العام وعدد من الأعضاء
(7-9) يضم ممثلين عن وزارات الخارجية والثقافة والمواصلات وهيئة الإذاعة
والتلفزيون وعدد من القطاعات المعنية من ذوي الاختصاص(33). ويعين رئيس ومجلس الإدارة من قبل
رئيس (المجلس الأعلى للإعلام والاتصال) أو (وزير الإعلام)، ويتولى المجلس المهمات
التالية:
1) وضع الخطوط العامة لتوجهات عمل الوكالة، وأنشطتها الداخلية والخارجية.
2) العمل على تغطية أنشطة الدولة الرسمية، والقطاعات الأخرى، وإيصالها إلى
المستفيدين من خدماتها في داخل البلاد وخارجها.
3) إنشاء وتعزيز بناء منظومة من المكاتب الإعلامية للوكالة في المحافظات
داخل البلاد، وكذلك تأسيس مكاتب إعلام واتصال خارجية.
4) إنشاء مكتبة وثائقية (سمعية – بصرية) للأنشطة الرسمية السيادية
والفعاليات الوطنية الأخرى، تكون مرجعاً للتوثيق والبحث العلمي.
5) دعم وتطوير أنشطة المكاتب الإعلامية في الوزارات والمؤسسات الرسمية
الأخرى، وتقديم الدعم الإعلامي للفعاليات المماثلة في المجتمع المدني.
6) تتولى الوكالة إعداد نشرة إخبارية يومية متواصلة، وتقدم خدماتها (مجانية
أو حسب ثمن) إلى المشتركين في القطاع الحكومي والخاص، ولها أن تعقد اتفاقات ثنائية
مع الوكالات الأخرى، الوطنية والأجنبية، في إطار تبادل الخدمات المشتركة، أو
القيام بأعمال ذات طابع ربحي.
7) وتشرف الوكالة على منظومة مكاتبها الإعلامية الخارجية، وتقوم بالتنسيق
مع الجهات الأخرى بشأن الأنشطة الإعلامية الوطنية التي تنظم خارج الحدود الوطنية.
إن وكالة الأنباء الوطنية هي الناطق الرسمي باسم الدولة العراقية، ويمكن أن
تكون مصدراً أساسياً للأنباء للهيئات السيادية، كما أنها تتعاون مع مثيلاتها من
المؤسسات الإعلامية من أجل تنظيم الفعاليات الإعلامية والترويج لها.
وتخضع الوكالة لإشراف مالي ورقابي حكومي، ويخضع العاملون فيها من الإداريين
لضمان قانون التقاعد الحكومي، أما الصحفيين من غير الموظفين فإن انتسابهم سيكون
إلى قانون تقاعد الصحفيين. ويعتبر الانتساب إلى نقابة الصحفيين شرطاً أساسياً
لتعيين العاملين المختصين في قضايا الإعلام وصناعة الأخبار في الوكالة.
الهيئة
الوطنية للإذاعة والتلفزيون
تؤسس هيئة وطنية للإذاعة والتلفزيون بموجب قانون رسمي، وتتمتع بالشخصية
المستقلة إدارياً ومالياً وذات أهداف غير نفعية، وبإشراف من المجلس الأعلى للإعلام
والاتصال أو (وزارة الإعلام)، ويكون لها مجلس إدارة يتشكل من رئيس المجلس والمدير
العام وممثلين عن وزارات الخارجية والثقافة والمواصلات، والوكالة الوطنية للأنباء،
والجريدة الرسمية الناطقة باسم الحكومة، وممثلين عن عدد من القطاعات المعنية(34) وذوي الاختصاص.
وتتولى الهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون ما يلي:
1) إعادة تأسيس وإطلاق الاذاعة الوطنية العراقية... إذاعة جمهورية العراق،
والإذاعات الأخرى التي كانت تبث قبل الاحتلال (9/4/2003).
2) إعادة إنشاء منظومة شبكات الإرسال وإعادة البث البرامجية (اللاسلكية)
وعبر منظومة الاتصالات الهاتفية الوطنية (المايكرويف) وعبر السواتل (الأقمار
الصناعية).
3) تأسيس وحدات الإنتاج البرامجي السمعي – البصري وما يتبع ذلك من وحدات
إنتاجية من استديوهات ومستلزماتها، ومنظومات التصوير والنقل الخارجي.
4) إعادة تأسيس وتأهيل المكتبة الوطنية البرامجية الإذاعية والتلفزيونية
وتقديم الخدمات للجهات الأخرى في هذا الميدان.
5) إعادة تأسيس وحدة التدريب والتأهيل الإذاعي والتلفزيوني ووضع برامج الدورات
المحلية والخارجية لهذا الشأن، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والإعلامية ومراكز
الإعداد المماثلة الأخرى.
6) مراقبة وحماية نوعية ومستوى البث والاتصال الإذاعي والتلفزيوني ووضع
الضوابط الفنية لمستوى وشروط الإرسال والإنتاج الإذاعي والتلفزيوني.
7) القيام بالبحوث والدراسات المتعلقة بتطوير وسائل الإنتاج الإذاعي
والتلفزيوني وتحديث معدات وأساليب وتقنيات الإرسال الإذاعي والتلفزيوني، والتأكد
من المواصفات القياسية والشروط الفنية لذلك.
8) تشجيع الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني والمسرحي بالتعاون مع المؤسسات
الوطنية المماثلة، وتقديم الخدمات الفنية والاستشارية وتأمين المعدات الفنية
والكوادر اللازمة لذلك.
9) العمل على تسويق الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني وبشكل خاص الأفلام
التلفزيونية القصيرة والأعمال الدرامية، والبرامج الوثائقية ومحتوى الأرشيف الوطني
السمعي – البصري.
10) شراء وتبادل حقوق الإنتاج قصد بثها أو بيعها أو الاحتفاظ بها ضمن
الأرشيف الوطني السمعي – البصري.
11) تقديم الخدمات البرامجية لمختلف مؤسسات الدولة والمجتمع. ويقرر مجلس
الإدارة الخدمات المجانية (البرامج العامة الإرشادية والتنموية) أو الخدمات
المدفوعة الثمن من الجهات الأخرى.
12) تضع الهيئة الضوابط العامة لصناعة الإعلان بالتعاون مع الجهات الرسمية
وغيرها، وتعمل على صناعته وإشهاره (حقوق الملكية) وبثه وتسويقه، ويعد الإعلان
جزءاً من فعالية المهنة الإنتاجية لتدعيم مواردها الربحية.
13) تنسيق هيئة الإذاعة والتلفزيون مع الهيئة الوطنية للإرسال بشأن تنظيم
ترددات البث الإذاعي والتلفزيوني، واستكمال شروط مواصفات الجودة في استخدام شبكة
الإرسال التابعة للهيئة الوطنية أو عبر وزارة المواصلات.
14) تتولى الهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون إعادة تأهيل مراكز الإنتاج
والبث الإذاعي والتلفزيوني في المحافظات، وتأسيس مراكز إنتاج أو وحدات بث حيث
تقتضي الحاجة إلى ذلك.
15) تعقد الهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون الاتفاقات وعقود الشراكة في
العمل الإنتاجي الإخباري والبرامجي والوثائقي مع الجهات الوطنية ذات العلاقة (خدمة
الغير) كما تعقد الاتفاقات مع الجهات الأجنبية (خدمات مختلفة) في إطار اختصاصها.
نظام
الاستثمار في البث وإعادة البث
الإذاعي
والتلفزيوني
بعد التطور الواسع في الإعلام المرئي و المسموع، واتساع إنشاء مؤسسات أو
شركات استثمارية خاصة (غير حكومية) تقوم بأعمال إنشاء منظومات للبث الإذاعي أو
التلفزيوني أو كليهما، وما يترتب على ذلك من تعاقدات والتزامات مع الجهات الحكومية
وغيرها، أضحى من الضروري إيجاد آليات محكومة بقانون شامل ينظم تلك الأعمال ويحقق
الهدف من وراء إنشائها.. وعلى أساس ذلك يحظر على أي شخص أو جهة ممارسة إنشاء
مؤسسات البث أو إعادة البث دون الحصول على موافقة مسبقة وفقاً للشروط والأحكام
المنصوص عليها قانوناً.
ويحصر تعريف البث الإذاعي والتلفزيوني بأنه بث الأعمال والبرامج الإذاعية
التلفزيونية بالموجهات الكهرومغناطيسية أو شبكات الألياف الضوئية أو أية وسيلة
أخرى تمكن الجمهور من استقبالها.
ويحدد النظام أو القانون أن تمنح الإجازة أو الرخصة للأعمال التالية:
أ) بث البرامج الإذاعية أو التلفزيونية وبضمنها البرامج السياسية
والإخبارية في حدود مساحة القطر.
ب) بث البرامج الإذاعية والتلفزيونية بواسطة الأقمار الاصطناعية (السواتل).
ج) بث البرامج التلفزيونية بواسطة محطة متنقلة (S. N. G.)
عبر الأقمار الاصطناعية، وكذلك باستخدام وصلة ميكروية واحدة أو أكثر بين موقعين.
د) بث البرامج التلفزيونية باستخدام أي من أنظمة التوزيع المتعدد القنوات
والنقاط التي تستخدم أنظمة الترددات الميكروية والتي لا يمكن متابعة برامجها إلا
من قبل مشتركين مجهزين تقنياً لهذه الغاية.
هـ) بث المواد الإخبارية التلفزيونية باستخدام أنظمة الهاتف المرئي (VIDEOPHONE) عبر الأقمار الاصطناعية.
و) بث البرامج الإذاعية بواسطة وحدة إذاعية متنقلة عبر الأقمار الاصطناعية
من أجل الاستخدام المؤقت، كذلك بث البرامج الإذاعية باستخدام أقنية فنية لغايات
الربط الإذاعي بين الاستديو ومحطة الإرسال سواء عبر البث بموجات (AM) أو (FM).
ز) ومع التطور الحاصل في ميدان الاتصال، فإن القانون يشمل النظر في أية
أعمال أخرى للبث أو إعادة البث الإذاعي أو التلفزيوني، وحسب الأحكام الأساسية.
ويستلزم الحصول على موافقات إنشاء مؤسسات البث أو إعادة البث التلفزيوني
والإذاعي، جملة من الإجراءات في مقدمتها بيان رأسمال المؤسسة أو الشركة المسجل
والمدفوع، مع كشف بالخطط البرامجية، وكشف تفصيلي بالتقنيات والأجهزة الفنية المستخدمة.
وعلى هذا الأساس تتضمن موافقة البث أو إعادة البث المعلومات الأساسية
التالية والتي يمكن أن تنظم بتعليمات لاحقة بعد إقرار القانون الأساس:
أ) البرامج المسموح ببثها ومضمونها.
ب) التردد المخصص من مؤسسة (هيئة) الاتصالات ونطاق التغطية الجغرافي.
ج) مدة موافقة البث وآليات إعادة تجديدها.
د) مقدار الرسوم المالية المقرر استيفاؤها.
هـ) نوع الأجهزة والتقنيات المستخدمة في
أعمال جهة البث أو إعادة البث.
وتلتزم الجهة المعنية بعد حصولها على الموافقات الأصولية بكل القوانين
والتشريعات النافذة في العراق والتي تنظم الحياة العامة، وفي المقدمة من ذلك كل ما
من شأنه أن يمس وحدة العراق وسيادته وأمنه والمعتقدات الدينية وقيم الأمة وتراثها
ووحدة الأمة العربية وعلاقاتها مع دول الجوار وكل دول وشعوب العالم.
كما أن الجهة المرخص لها بالعمل تلتزم بكل أحكام القوانين والتشريعات
النافذة في العراق بشأن آليات الإنتاج البرامجي الإذاعي والتلفزيوني (السمعي –
البصري) وبشكل خاص التشريعات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية (الأدبية والفنية).
وينظم القانون كذلك الجوانب الإدارية والمالية المنظمة لعمل المؤسسة وتحديد
الرسوم المستوفاة من كل الأنشطة الأساسية أو الثانوية التي تقوم بها لاحقاً، بما
لا يتقاطع مع القوانين المالية النافذة.
كما أن المشاريع الاستثمارية الموازية والمساندة لذلك مثل (شركات الإنتاج
البرامجي) والتي تنحصر برامجها في الإنتاج وليس البث يمكن أن تخضع لقانون مماثل
لما ورد أعلاه.
وينظم
القانون كذلك الرقابة على الموازنات المالية حسب القوانين المعتمدة في الاستثمار
الوطني أو عمل الشركات وغير ذلك بما فيه شروط التصفية وغيرها.
إصدار الصحف والدوريات
يعد حق إصدار الصحف
والدوريات حقاً مشروعاً، متصلاً ومعبراً عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وفي
مقدمتها حرية التعبير وحرية النشر، أما إجراءات إشهار الصحف وإصدارها فإنه يعتمد
على جملة من الإجراءات المسبقة والتي تخضع لشروط تتوافق مع الدساتير النافذة
والقوانين المنظمة لحرية الصحافة والأحزاب والرأي وغيرها.
ويعتمد العالم اليوم
نظاماً شفافاً في آليات الحصول على حقوق إصدار الصحف والدوريات، ويستند ذلك النظام
إلى حرية إصدار الصحف دون شروط مسبقة، وذلك عبر الإخطار الذي يقدم للسلطات الرسمية
والذي يتضمن المعلومات التفصيلية عن الناشر ورئيس التحرير المسؤول والمؤسسة
الناشرة وطبيعة حجم ودورية المطبوع، على أن يعطى السلطات حق الاعتراض، إذا ما وجدت
في المتطلبات المقدمة ما يحول دون تطابقها مع القوانين النافذة، وذلك خلال شهر
واحد من الإبلاغ أو ما يتفق عليه قانوناً.
وإذا كانت حرية الرأي
والتعبير مكفولة لكل مواطن، وله أن يعبر عن رأيه ومواقفه بكافة الوسائل وبضمن ذلك
استخدام وسيلة الصحافة، فإن ذلك يجب أن يعزز بالحق في الوصول إلى المعلومات من
مصادرها والاستفادة منها وتداولها في إطار ما يسمح به القانون للحفاظ على الأمن
القومي ومتطلباته وعلى قيم المجتمع وأخلاقه وأعرافه، وعلى المصالح المشتركة
للمجتمع.
ويثير موضوع الرقابة
المسبقة أو اللاحقة على الصحف والدوريات جدلاً متواصلاً، إذ في الوقت الذي تتضمن
فيه أغلب قوانين الصحافة والنشر في الوطن العربي مواد قانونية تعطي السلطة حق
مصادرة المطبوع أو غلقه أو إحالته إلى المحاكم المختصة ضمن الشخصية المسؤولة عن
المطبوع (الناشر أو رئيس التحرير المسؤول)، فإن أغلب دول العالم تتجه إلى تفكيك
وسائل الرقابة التقليدية. وتتحول الرقابة إلى المسؤولية الأدبية إزاء ما ينشره
المطبوع تجاه الدولة والمجتمع والأفراد، ليكون القضاء والمحاكم هي المراقب والفصل
في المنازعات التي قد تنشأ عن النشر، وعن ما يترتب من خلاله النشر من أضرار على
الأطراف المختلفة.
ومن هنا تتحول الرقابة
اللاحقة إلى نوع من السلطة الأدبية الضابطة لاتجاهات النشر وحدود حرية التعبير
والرأي بما لا يتقاطع مع احترام الدستور والقوانين ومبادئ ومواثيق الشرف الإعلامي
التي تقضي بالصدقية والحيادية والمحافظة على قيم المجتمع ومثله العليا، وبما لا
ينتهك حق المواطن أو يمس حريته.
ولإعادة تأسيس نظام
جديد لإصدار المطبوعات بشكل عام في العراق لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار المبادئ
التالية:
أولاً: اعتماد مبدأ أن الصحافة سلطة ديمقراطية وطنية تنهض برسالة مقدسة وتتمتع
بحريتها واستقلاليتها من أجل تأمين ممارسة حرية الرأي والفكر والتعبير والحق في
الحصول على المعلومات الصحيحة ونشرها وتداولها.
ثانياً: إن حرية الرأي والتعبير مكفولة في الدستور لكل مواطن، وله أن يعبر عن رأيه
عبر الصحافة والمطبوعات.
ثالثاً: اعتماد حق إصدار الصحف من قبل الأفراد والأحزاب والجميعات والمنظمات وحسب
القانون.
رابعاً:
إعداد قانون جديد يسمى (قانون المطبوعات والنشر) يشمل
تنظيم إصدار المطبوعة الصحفية والمتخصصة بكل أنواعها والتي تصدر في فترات منتظمة
والتي تشمل:
أ- المطبوعة اليومية:
المطبوعة التي تصدر يومياً بصورة مستمرة باسم معين وأرقام متتابعة وتكون معدة
للتوزيع على الجمهور.
ب- المطبوعة غير
اليومية: المطبوعة التي تصدر بصورة منتظمة مرة في الأسبوع أو على فترات أطول وتكون
معدة للتوزيع على الجمهور.
ج-
المطبوعة المتخصصة: المطبوعة التي تختص بموضوع أو أكثر في مجالات معينة على وجه التحديد
وتكون معدة للتوزيع على المعنيين بها أو على الجمهور.
خامساً:
تحدد مواد القانون على ضوء ما جاء في الدستور بشأن كفالة
حرية الرأي وحق المعرفة، وبما يسهم في تقديم الأخبار ويسهم في نشر الفكر والثقافة
والعلوم.
سادساً: يحدد القانون الإطار العام للحفاظ على الحريات والحقوق والواجبات العامة
واحترام حرية الحياة الخاصة للآخرين وحرقها.
سابعاً: يؤطر القانون واجبات العاملين على إصدار المطبوع في حدود:
أ-
يلتزم المطبوع بالامتناع عن نشر كل ما يتعارض مع مبادئ وقيم الحرية وحقوق الإنسان
والتزام الحقيقة والدفاع عنها، واحترام قيم الأمة العربية والإسلامية.
ب-
يلتزم العاملون من الصحفيين بمواثيق عمل المهنة (ميثاق الشرف الصحفي) بكل جوانبه،
كذلك الامتناع عن نشر كل ما من شأنه أن يسيء إلى الوحدة الوطنية ويدعو إلى
العنصرية والتعصب والطائفية، وما يسيء إلى الأديان وشعائرها.
ثامناً: تتحدد المسؤولية الأدبية والإدارية للمطبوع بشخص رئيس تحريرها، كما يعتبر
مالك المطبوعة (صاحب الامتياز) وكاتب المقال الذي نشر فيها مسؤولين عما ورد فيه.
تاسعاً: يحدد القانون شخصية رئيس التحرير المسؤول ويشترط فيه:
أ- أن يكون عراقياً.
ب- غير محكوم عليه
بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأخلاق العامة.
ج- أن يكون حاصلاً على
مؤهل علمي (شهادة جامعية أولية).
عاشراً: يحدد القانون الشروط الواجب توفرها في الحزب السياسي أو الجمعية أو المنظمة
لإصدار صحيفة أو مطبوع دوري.
حادي
عشر: يحدد القانون الشروط المالية للمطبوعة الصحفية اليومية
ومقدار رأسمالها، ويستثنى من ذلك الصحيفة اليومية والدورية التي تصدرها الأحزاب
والجمعيات والمنظمات.
ثاني عشر: ينظر القانون المدني في جرائم المطبوعات وإصدار القرارات بشأنها.
إن
قانون الصحافة المقترح يجب أن يتوافق مع القوانين الأخرى المتعلقة بالحريات العامة،
مثل حق التظاهر والاعتصام، وأن يعبر عن إمكانية التطور بما يتناسب مع مقومات بناء
المجتمع المدني.
الطباعة
والنشر والتوزيع
يحتاج قطاع الطباعة الحكومي إلى إعادة تأهيل جذرية، إذ بالرغم من التطور
الذي شهده هذا القطاع في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي بإدخال تقنيات
الحاسوب وطباعة الأوفست وتطور استخدام الألوان، إلا أن مسافة كبيرة اتسعت بين ما
يشهده العالم اليوم وبين القدرات والمستوى الفني لطباعة الصحف والمجلات والكتب في
العراق، ولم تعد الوسائل المعتمدة في الطباعة الآن تتوافق مع التقنيات المتسارعة
في هذا الميدان، وانعكس ذلك سلباً على الشكل الفني للصحافة العراقية، والتي ما زال
جزء كبير منها يطبع الآن بوسائل يزيد عمرها على نصف قرن وأكثر.
ولا شك في أن عملية إعادة التأهيل يجب أن تأخذ أكثر من مستوى، يبدأ من
الجانب القانوني لشكل وطبيعة المؤسسات أو الشركات الاستثمارية التي توظف الأموال
للدخول في هذا الميدان، ومدى الدعم والمساندة التي يمكن أن تقدمها الدولة عبر
التسهيلات المصرفية وغيرها لإنشاء تلك المشاريع، كذلك بشمول تلك المشاريع بالإعفاء
الكمركي أو الضريبة لتمكنها من الدخول في دورة الإنتاج الاقتصادية في قطاع يعاني
من مشكلات كبيرة وبشكل خاص في الجانب المالي.
ويتسع قطاع طباعة الصحف والدوريات ليشمل طباعة الكتاب الثقافي، إذ إن
مؤسسات الدولة الرسمية تملك العديد من المطابع الحكومية التي تعنى بطباعة الكتاب
الثقافي، مثل مؤسسة الشؤون الثقافية التي تصدر أكثر من مجلة ودورية، إلى جانب
إصدارها المئات من الكتب في مختلف الاختصاصات. وهذه المؤسسات تحتاج إلى إعادة
تأهيل جذرية تبدأ من إدخال تقنيات الحاسوب في جميع مراحل أعمالها وصولاً إلى
المراحل النهائية للطباعة والتغليف، وسوف ينعكس ذلك لاحقاً على إمكانيات طباعة
الكتاب المدرسي داخل العراق، وعودة الكتاب المدرسي للطباعة داخل العراق(35). وليس الجانب التقني وحده هو العامل الحاسم في تطوير قطاع
الطباعة، فالكادر البشري العامل في هذا القطاع توقف في أغلبه عند حدود التقنيات
المستخدمة قبل ربع قرن، ويتطلب إعادة تأهيل الكوادر المتخصصة في جميع مراحل
التصميم والإخراج والطباعة وغيرها إلى أكثر من ثلاث سنوات على أقل تقدير، وبمساعدة
خارجية ذات خبرة تخصصية في هذا الميدان، ويمكن اختصار هذه المدة بأن تتولى المعاهد
الفنية، وأغلبها يضم في أقسامه تخصصات مشابهة لحاجات الطباعة، أن تسهم بشكل مباشر
في دراسة الحاجات المحلية، وتكييف برامجها ودوراتها للإسراع في هذه العملية.
إن الموارد البشرية العالية التأهيل والكفاءة والخبرة من أهم مدخلات العمل
في ميدان الطباعة، وهنالك علاقة متواصلة بين زيادة التأهيل والكفاءة وبين مخرجات
العمل ونتائجه. والاستثمار في هذا الميدان قد لا يعطي نتائج سريعة ومردودات عاجلة،
ولكن الثمار الأكبر تأتي بعد سنوات قليلة من الصبر والمواظبة، وليس هناك من قطاع
يتسع وتزداد إليه الحاجة بشكل مطرد بقدر قطاع الطباعة لارتباطه بعدة عوامل، في
مقدمتها انتشار التعليم وزيادة اختصاصاته، والتطور الحاصل في ميدان الإعلام بشكل
عام، ومنه الصحافة والدوريات والنشر الثقافي والعلمي بشكل عام.
إن الاستثمار الواسع في ميدان الطباعة في العراق، وتنمية قدراتها، سوف يسهم
في تطوير عدة صناعات فرعية أخرى، منها صناعة الورق والأحبار والتغليف وغيرها
وانعكاس ذلك على إنتاج المطبوعات بشكل عام، والكتاب على وجه التحديد، وبالتالي
يزداد إنتاج المعرفة عموماً. ولا يمكن أن نغفل ما حققته المطبعة التي حملها
نابليون بونابرت إلى مصر من آثار إيجابية على نهوض مصر وتطورها اللاحق، وكذلك
الأمر في إحداث نقلة جذرية ونوعية في هذا الميدان في العراق، فإنها ستسهم في عودة
العراق إلى عصر ازدهار جديد في ميدان الإعلام والطباعة والمعرفة.
أما في ميدان نشر وتوزيع المطبوعة في العراق، فقد عانى هذا القطاع من تدني
الإمكانات وتراجع الاستثمار فيه، مما أدى إلى تكريس عزلة داخلية وانقطاع بين مركز
الإصدار ونقاط الاستهلاك الفرعية، إذ على الرغم من أن حركة النشر والتوزيع قد شهدت
في العالم عموماً، وفي الوطن العربي أيضاً، زيادة ملموسة خلال العقود الثلاثة
الماضية، إلا أن العراق توقف عند معدلات دنيا بل متراجعة بالقياس إلى حجم المؤسسات
الإعلامية والعلمية وعدد السكان فيه. وإذا كانت عملية النشر ترتبط بعوامل عديدة
تتعلق بالتوجه نحو البحث والتأليف وتشجيع الترجمة، إلا أن التوزيع يرتبط بعوامل
مادية بحق، تدخل في إطار السوق والعرض والطلب والربحية المباشرة، وهذا القطاع لا
يمكن أن تنهض به الدولة عبر مصالح ومؤسسات
رسمية، بل إن أغلب تجارب العالم الناجحة في ميدان التوزيع تعود إلى وجود مؤسسات
كفوءة متخصصة وبنية تحتية للمواصلات عبر مختلف الوسائل، الطائرة والقطار والسيارة،
حتى الشبكات الفرعية داخل المدن والقرى التي تستخدم وسائل مثل الدراجات البخارية
والهوائية وغيرها.
إن تعاوناً وثيقاً بين الأجهزة الحكومية في قطاع المواصلات، وبين منظومة
الناشرين والموزعين، لإيجاد آليات تعاون وتنسيق، وتوفير إمكانات فاعلة لإنشاء شبكة
نشطة تشمل العراق لتسويق المطبوع إلى المستهلك، هو الحل الأمثل في صيغة منظمة قابل
للتطور، إذ بالقدر الذي تكون فيه هذه الشبكة عملية وقادرة على الوصول إلى أبعد
نقطة جغرافية في العراق، فإن عملية الطباعة والنشر سوف تتطور وتنشط لتلبية حاجة
السوق ولتسهم في تعميم وإشاعة حق المعرفة لكل مواطن، وبإمكانات وطنية وخبرة خارجية
واستثمارات مالية داعمة يمكن أن يعاد بناء قدرات الطباعة والنشر والتوزيع، وهي
مواقع إنتاج مترابطة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن بعضها، وبتشغيلها بشكل فاعل تعود
نتائجها على المطبوع من جهة، من حيث تطوره شكلاً ومضموناً، وعلى المواطن باعتباره
المستهلك والمنتفع في الحلقة النهائية لإنتاج الثقافة والمعرفة.
ولإدامة زخم هذه
المشاريع لا بد من إعادة النظر جذرياً بقانون المطبوعات والنشر والتوزيع في
العراق، وصياغة قوانين مرنة تعطي القطاع الخاص دورة في هذه العملية، وتحافظ على
دور الدولة باعتبارها مركز التخطيط والدعم والتشجيع.
حرية
الإعلام وتدفق المعرفة
يثير موضوع حرية الإعلام الكثير من الجدل وتتعدد حوله الآراء، وغالباً ما
ينسب موضوع حرية الإعلام مرتبطاً بمدى الحريات العامة في إطار الدستور أو القوانين
السائدة.. ولكن حرية الإعلام في الجانب الآخر تبدو مقيدة بما هو أوسع وأشمل مدى في
قضية القوانين، ذلك هو المقدار الذي تستطيع فيه وسائل الإعلام الوصول إلى منابع
المعرفة ومواقع المعلومات، إذ لا حرية حقيقية دون التمكن من توظيف ما حققته
البشرية من إنجازات على الصعيد المعرفي وتبادل المعلومات وإتاحتها لكل الذين يسعون
إلى استخدامها وتوظيفها لمصلحة الإنسانية.
إن دول العالم الثالث بشكل عام، والعراق بضمن ذلك، تعاني من تحصن الأنظمة السياسية
خلف جدار وهمي من التذرع بالخصوصية و(الأسرار الرسمية العليا) أو (المعلومات التي
تمس الأمن القومي)، وتتسع المحظورات حتى يبدو الإعلام محاصراً في متابعة الأخبار
اليومية الاعتيادية أو (الرياضية والفنية)، هذا إلى جانب أن قائمة المحظورات تتسع
بمقدار ما يشعر النظام السياسي بخطر داخلي أو خارجي إلى جانب عدم وجود مصادر
مستقلة تتمتع بمصداقية مقبولة أو محايدة. وأضحت المصادر الأجنبية، هي في الغالب
المصدر الأساسي للمعلومات عن الوضع الداخلي لأي بلد من بلدان العالم الثالث، بل إن
أغلب الإحصائيات والبيانات تحجب تحت ذرائع مختلفة، في الوقت الذي توفر فيه لمؤسسات
دولية أخرى، وبشكل خاص منظمات الأمم المتحدة، وبذلك تصبح مصادر المعلومات خارجية
وليست داخلية.
إن تحدي المعرفة يمثل معركة قاسية وبعيدة المدى أمام الإعلام العراقي، إذ
إنه في الوقت الذي يعاني فيه الإعلام العراقي من اختلالات بنيوية، فهو يعاني أيضاً
من انخفاض توتر التعامل الشعبي مع الإعلام، بسبب الشك أو عدم المصداقية وغيرها،
وما حدث بعد الاحتلال من التفكيك والتشظي المتوالي والذي أدى إلى عزلة وتردي في
الأداء الإعلامي... كل ذلك أدى إلى افتراق بين مفهوم حرية الإعلام ومجتمع المعرفة،
إذ إن المعادلة الصائبة تحدد طرفي المعادلة باتجاه أن حرية الإعلام تتسع وتتعمق
بالقدر الذي يسود فيه إنتاج وبناء المعرفة وتراكمها في الحياة السياسية
والاجتماعية والثقافية، والعكس كذلك.
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم اتساع النشاط البحثي المؤسسي في كل ميادين
المعرفة، قام الاحتلال في العراق وتحت ذرائع مختلفة بغلق وتصفية مراكز البحوث في
المؤسسات العلمية والجامعية وغيرها، وبالتالي تم تحجيم الجهد البحثي الذي يستند
إلى إرادة سياسية وإلى دعم مالي ومعنوي، وكل ذلك أدى إلى شلل في هيكلية صناعة
المعرفة أو تطويرها وفي الحاجات الوطنية، وانعكس ذلك بالمقابل على تدفق المعلومات
والتي هي المصدر الأساس لفعاليات الإعلام في كل ميادين الحياة.
أن الأرقام التي تتحدث عنها الإحصائيات الدولية بشأن التواصل بين الفرد
ومصادر المعلومات، وقدرة الفرد على الاستفادة من النشاط الإعلامي – المعرفي، تشير
إلى اتساع الهوة وتصاعد المشاكل في ميدان بيئة الإعلام وبيئة المجتمع المستهلك
للمادة الإعلامية، هذا إلى أن طبيعة التأزمات السياسية، وسيادة الصراعات المسلحة،
وبشكل خاص ما نشاهده في العراق، قد أدى إلى تردي الاهتمام بالعمل المعرفي على حساب
النشاط الإخباري لتغطية الأحداث الساخنة في تواتر يومي متسارع وعاجل في الغالب.
وفي ذات الوقت سادت البرامج الإعلامية الترفيهية الخالية من أي مضمون معرفي
حقيقي، وبعيدة حتى من القيم والأعراف الاجتماعية، إلى جانب سيادة البرامج
الإعلامية التي تثير في المواطن نزعة الثراء السريع عبر المراهنات في برامج غير
هادفة للمسابقات أو التي تستغفل حس المواطن ورغبته في المشاركة عبر الاستفادة من
دقائق الاتصال الهاتفي لمصلحة اتفاقات مسبقة بين الشبكات الإذاعية والتلفزيونية
وشركات الهاتف المحمول (الخلوي) والتي تحقق للطرفين موارد مالية غير منظورة.
إن التحدي المعرفي أمام وسائل الإعلام لا يتصل فقط بالحاجة إلى توصيل
المعرفة من مصادرها إلى المستهلك، بل إن المعرفة هي حق إنساني وهذا الحق يفرض
متطلباته ومستلزماته، ومن ذلك أن ترتبط المعرفة بالمحتوى الإنساني التقدمي، وأن
تكرس لخدمة الأمن والسلام، بعيداً عن العدوان والتعصب وإلغاء الذات والاعتداء على
الحريات الأساسية المنصوص عليها في الشرائع الدولية أو القوانين المحلية والأعراف
الاجتماعية، لذا فإن الإعلام شريك في صناعة المعرفة وليس طرفاً محايداً في
العملية.
ومن هنا فإن مسؤولية المؤسسات الإعلامية والعاملين في وسائل الإعلام في
العراق، في الظروف القاسية التي تولدت عن حالة الاحتلال، وبعد زوال الاحتلال،
تقتضي أن تنشط في إعادة بناء بيئة مناسبة لحرية التعبير وتعزيز حق المعرفة واحترام
الرأي العام، والرأي الآخر، والتوسع في تنمية قاعدة المعلومات عبر تفعيل مسار المعلوماتية
من مصادرها إلى مواقع استهلاكها وتنميتها عبر التفاعل المستمر.
وفي هذا الإطار فإن
بناء مؤسسات إعلامية خاصة – غير حكومية – في العراق بعد زوال الاحتلال وبناء حكومة
وطنية لا يتعارض مع مبدأ حق المعرفة وحرية الاتصال، بل يسهم في تعزيزها ويلتقي مع
رغبة التنوع وإثراء مصادر المعلومات والرأي، والتوسع في دائرة المشاركة الشعبية،
وتعزيز الديمقراطية وبناء المجتمع المدني. وتخلق حالة المنافسة نمطاً من التنوع
والإبداع، وتفتح أكثر من نافذة للتواصل والتبادل وتوسيع دائرة الرأي والرأي الآخر.
ميثاق
العمل الإعلامي
وميثاق
الشرف الصحفي
يتصل مفهوم حرية الإعلام وحرية الصحافة بمبادئ ميثاق العمل الإعلامي وميثاق
الشرف الصحفي، وإذا كان الحق في الاتصال يعبر بصورة وثيقة عن جوهر مبادئ حقوق
الإنسان، إلا أنه في ذات الوقت يعبر عن
الطريقة التي تمارس بها تلك الحرية وحدودها وآفاقها، فهو ليس تجريد نظري، بل يتصل
بالمسؤولية الجماعية، وبالعلاقات وتشكلها بين الأفراد من جهة وبين المجتمع والسلطة
من جهة أخرى.
ومن هنا فإن وعي وإدراك أسلوب تطبيق حق الاتصال عبر الصلة الوثيقة بمبادئ
حقوق الإنسان، إنما يعتمد على قدرة وسائل الاتصال والإعلام في التعبير عن حاجات
المجتمع في إطار التنمية الإنسانية، وبالتالي في القدرة على صناعة وتسويق واستهلاك
المعلومات سواء عبر الطرق التقليدية أو باستخدام الشبكات الالكترونية الرقمية.
ويتواصل مع هذا الموضوع بشكل وثيق، الصيغة التي يرتبط فيها منظور التنمية
الإنسانية وبناء مجتمع المعرفة مع الإطار العام لوعي مفهوم حرية الصحافة، واستخدام
وتوظيف تلك الحرية في إطار المصالح المشتركة، إذ إن العلاقة التفاعلية بين الإطار
النظري لمفهوم حرية الاتصال والإعلام، والقدرة على الالتزام بتلك الحرية، إنما
تعتمد على منظومة متكاملة وتعاهدية وملتزم بها اتفق على تسميتها بمواثيق الشرف
المهني (ميثاق الشرف الإعلامي وميثاق الشرف الصحفي).
إن هذه المواثيق لا تنظم فقط المعايير المتبعة في الأداء المهني ومدى تطابق
تلك المعايير في الأعراف والأخلاق العامة فحسب، بل في الوقوف بوجه سيادة وهيمنة
جملة من العوامل الداخلية في صياغة الخطاب الإعلامي، وفي المقدمة منها الانحياز
والانتقائية والقصدية، وتغييب الآخر.
وإذا كان الأداء الإعلامي العربي بشكل عام يخضع لعوامل مماثلة لما ورد
ذكره، فإنه بالإضافة إلى ذلك يخضع لسيطرة السلطة وفرضها لخطابها المقيد بتوجهات
(مركزية) ومفردات معينة، وفي الوقت ذاته مصاب بداء المبالغة والتهويل، والحجب
والتستر، والسقوط في الجزئيات على حساب التعمق في الحدث والشمولية والجرأة في
المصارحة والنقد والتقويم.
كما أن مفهوم الرقيب قد تقمص صيغة أخرى معدلة، إذ لم يعد الرقيب على الأداء
الإعلامي ينحصر في (مقص الرقيب) وقوة قوانين الاستثناء والطوارئ، بل تعدى ذلك إلى
أساليب أكثر تأثيراً على حرية الإعلام، وبذات الوقت قادرة على الاختفاء وراء
مسميات أخرى، وعلى سبيل المثال، فإن المضايقات والتعديات التي تستهدف حياة
الإعلاميين لقمعهم ومنعهم من الوصول إلى مواقع الحدث، وتغطيته، ونقل تفاصيله
مباشرة، كل ذلك يتم تحت ذريعة (ظروف الطوارئ)، وأحياناً يصل الأمر إلى قتل
الإعلاميين خلال تواجدهم في ساحة الحدث بذريعة وقوعهم تحت تأثير (نيران صديقة) كما
يحدث في فلسطين والعراق.
وقد تأثرت بشكل كبير مبادئ العمل الإعلامي في العراق بعد الاحتلال، إذ حدث
اختلال كبير بسبب إجراءات وقوانين الاحتلال التعسفية، مما أثر بشكل مباشر على
طبيعة الأداء وقدرته على الموازنة والحيادية ونقل الصورة الحقيقية عن الواقع. فقد
وقع الأداء الإعلامي بأسره تحت إرهاب مباشر، في الوقت الذي صنع فيه الاحتلال
إعلامه الدعائي الخاص ليمرر عبره رسائله وقراراته وتصوراته. ومن هنا فإن الدعوة
إلى تشديد العمل بمبادئ وقيم ومواثيق الشرف الإعلامي لا تستهدف فقط صيانة الأداء
وتطهيره من عوامل الإساءة أو التخريب القيمي والأخلاقي، بل إلى تعزيز القدرة
الإبداعية وصيانة الأمانة والموضوعية.
إن التزام الإعلامي بكل مقتضيات الشرف والأمانة والصدق في واجباته، إنما يتصل بالالتزام الوطني، بما يحفظ للمجتمع
مثله وقيمه، وبما يحفظ الحقوق المشتركة، ويصون الحريات العامة، بعيداً عن أي تعصب
وانحياز غير موضوعي ودون أية إثارة للتطرف الفكري والسياسي والمذهبي، وكل ما من
شأنه أن يحط من الإنسان ويعادي حقه في الحياة الحرة الآمنة والكريمة.
إن الإعلام في العراق بعد الاحتلال قد شهد حالة من التفكك والتشرذم، وسادت
خلاله لغة القهر والتهديد، وانتشرت فيه أقلام مأزومة حاقدة على انتماء العراق
للأمة العربية، تحاول أن تشوه تاريخه وتزرع الفرقة العنصرية والطائفية فيه، وتكريس
كل ما من شأنه أن يعزل العراق عن محيطه القومي والإسلامي. وهي بذلك تكرس ما يسعى
إليه الاحتلال لإضعاف النسيج الاجتماعي في العراق، وبالتالي إدامة حالة الصراع
وصولاً إلى الاقتتال، وبالتالي تطبيق هدف الاحتلال في تقسيم العراق ضمن مخطط إعادة
رسم خريطة المنطقة بأسرها.
ولذا فإن الالتزام بمبادئ (ميثاق العمل الإعلامي) وتطبيق (ميثاق الشرف
الصحفي) المعد من قبل اتحاد الصحفيين العرب، والمعتمد من قبل نقابة الصحفيين
العراقيين، يُعد أساساً لممارسة العمل الإعلامي وتصويب اتجاهاته، ويقف سداً
وحائلاً أمام كل محاولات توظيف مهنة الإعلام لضرب الوحدة الوطنية وخرق حق المعرفة
وحق الاتصال وحق التعبير الحر والخلاق.
حقوق
الملكية الفكرية الأدبية والفنية
استناداً إلى مبادئ حقوق الإنسان الأساسية
وتعزيزاً لمفاهيم حق الاتصال وحق المعرفة، وتطبيقاً للقوانين والأعراف والمواثيق
والدولية لحماية الملكية الفكرية الأدبية، وصيانتها، والدفاع عنها، وفي إطار
القوانين العراقية النافذة، فإن الحاجة تستدعي أن يشرع ما من شأنه تحديد أشكال
الملكية الفكرية، الأدبية والفنية والتي تشمل ما يلي:
أولاً: المصنفات الكتابية والمطبوعة.
ثانياً: المصنفات المعتمدة في العمل
المسرحي أو الإذاعي والتلفزيوني وكل ما يدخل في الإنتاج وأساليب ترويجه.
ثالثاً: القطع الموسيقية الناطقة وغير
الناطقة.
رابعاً: مصنفات التصوير الشمسي، وكل ما
يرتبط بها من فنون.
خامساً: الرفوف السينمائية والغددية وكل ما
يتصل بها في إطار التعبير البصري.
سادساً: فنون النحت بكل أشكاله وفنونه.
سابعاً: الخرائط والرسوم التشكيلية والصور
ذات الصبغة العلمية والفنية.
ثامناً: البرامج المعلوماتية والترجمات
المتخصصة.
ويحدد القانون ما يشمل من ابتكارات
بالإضافة إلى ما ورد في الفقرات السابقة، ويحدد مفاهيم عامة لأبعاد وصفات حق
الملكية الفكرية. وفي هذا الإطار يحدد حق التأليف بأنه (الحق الذي ينفرد به صاحب
المصنف دون سواه في استغلال مصنفه أو الترخيص للغير في استغلاله بالطرق المناسبة).
ومن أجل إعداد قانون شامل يعبر عن مبادئ
وغايات العمل المنظم لحماية حقوق الملكية الفكرية، لا بد من إيجاد هيئة وطنية تضم
مختلف الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني المعنية، مثل اتحاد الكتاب والأدباء
ونقابة الفنانين ونقابة الصحفيين... وهكذا. وتقوم هذه (الهيئة أو اللجنة أو
الجمعية.. إلخ) برعاية حقوق الملكية الفكرية بكل أشكالها والدفاع عن المصالح
المادية والمعنوية لأصحابها.
وكذلك العمل على تمثيل أعضائها في التعامل
مع الجمعيات المماثلة الخارجية، العربية والأجنبية، وأخيراً في تحديث وتطوير
وإشاعة مفهوم حقوق الملكية الفكرية وتحديد الأوصاف الفنية والعلمية لكل الأصناف
التي يرعاها القانون، وتنظيم الإجراءات والعقوبات لتطبيق القانون.
إن الحماية القانونية لحقوق المؤلف تتوافق مع التطور التقني الواسع
والمتسارع الذي يعيشه العالم اليوم، وأضحى مبدأ حماية حق المبدع حجر الزاوية في
البناء الحضاري، بعد أن أسهمت وسائل الاتصال في نشر وتعميم الإنتاج من دائرة ضيقة
إلى رحاب واسعة، في الوقت الذي يتزايد فيه تأثير قيمة الإنتاج الفكري في حصيلة
الإنتاج الاقتصادي العالمي، وقد تعزز ذلك في معاهدات دولية من أهمها اتفاقية برن(36) (لحماية المصنفات الأدبية والفنية) والاتفاقية العالمية لحقوق
المؤلف والتعاون عليها بمصطلح (حقوق المؤلف) أو حقوق الملكية الأدبية والفنية،
ومنهما تستمد التشريعات الإقليمية والوطنية.
وفي العراق، والذي صادق في عام 1982 على الاتفاقية العربية لحماية حق
المؤلف(37)، فإن تطور قانون حماية الملكية الفكرية ما زال يسير
ببطء شديد، بل إن الأوضاع الاستثنائية الطويلة الأمد في العراق قد علقت أو أغفلت
مسألة وجود الأطر القانونية والتطبيقية لصيانة حقوق المعرفة والإبداع، كما أن
الضغط على الحريات بدعوى (المحافظة على الأمن) أو عدم الالتزام والأخلاق
(بالتقاليد والأعراف والأخلاق والنظام العام) يحول دون الإبداع والابتكار. هذا إلى
جانب الظروف الاستثنائية التي تولدت خلال فترة الحصار من عام 1990 لغاية 2003 عام
الاحتلال، وما تبع ذلك، قد أدى إلى استباحة مطلقة لكل حدود ومحرمات صيانة الإرث
الفكري والتقاني وبضمنه الإنتاج الأدبي والفني، ولم تعد هنالك أية ضوابط تحول دون
الاعتداء على تلك الحقوق أو سرقتها أو تزويرها، أو تغيير محتواها، فليس هناك من
مساءلة أو حماية قانونية. كما أن تشديد الرقابة على الإنتاج الأدبي والفني من شأنه
أيضاً أن يعطل آلية الإبداع، وبالتالي تقلص مساحة التفاعل الفكري الذي تكون
مخرجاته حقوق والتزامات تعاقدية، وتبدو قوانين حماية الملكية المعرفية والفكرية
نوعاً من الترف والمبالغة في التوجس والخوف على الإبداع والمبدعين.
إن العراق اليوم، بأمس الحاجة إلى تأكيد التزاماته الإقليمية والدولية بشأن
حماية الإبداع والمبدعين وتعزيز دور القانون في الدفاع عن الإرث الفكري والثقافي
وغلق الأبواب أمام القرصنة والاستحواذ غير المشروع على إبداع الغير دون مبرر.
ومن أجل أن تتحول الحرية إلى معرفة وإلى حقوق يحميها القانون، لا بد من
تكريس عوامل مختلفة، لعل أولها تكريس الإنسان كقيمة محورية جوهرية، غير
قابلة للمساس بها، وثانيها هو إعلاء مكانة الفكر(38). وحرية الإنسان في العراق وفي ظروف الاحتلال معطلة ومهدورة، ولا
بد من تحرير العراق أولاً، وبالتالي تحرير طاقاته في إطار برنامج تنموي شامل يكون
فيه الإبداع، والدفاع عن الإبداع، وحماية المبدعين والمتميزين جوهر العملية
وغايتها.
الإعلام
والثقافة
يتداخل العمل الإعلامي مع إنتاج الثقافة في التجربة السابقة في العراق، ومن
ضمن مؤسسات الإعلام ودوائره تشكلت وزارة مستقلة للثقافة في منتصف العقد الأخير من
القرن الماضي، إلا أن الواقع الفعلي يشير إلى الترابط الوثيق والتداخل المستمر
واعتماد النشاط الثقافي على دور الإعلام ومؤسساته في صناعته والترويج له وتوسيع
دائرة المتلقين والمستفيدين منه، وبالتالي يقود إلى ضرورة النهوض معاً بكل من
قطاعي الإعلام والثقافة لترابط بنيتهما التحتية، ولتواصل آليات إنتاجهما في أكثر
من ميدان.
ودون شك، وكما يشير إلى ذلك تقرير التنمية البشرية لعام (2003)، فإن إنتاج
المعرفة يتطلب بشكل مباشر نشوء طلب مجتمعي ومطرد على المعرفة، وتبلور إرادة سياسة
ماضية تعمل على تأمين الموارد اللازمة لنشاط منظومة معرفة حيوية وقادرة بما في ذلك
رأس المال البشري، الراقي النوعية، وبيئة من السياسات والبنى المؤسسية المؤاتية
لفعالية نشاطها.
ومن هنا فإن مصطلح (الثقافة) والذي يشير إلى كل ما أنتجه البشر من أفكار
وتصورات وعادات ونظم اجتماعية وسياسية ومدلولات اقتصادية وفعاليات أدبية وفنية، هو
في الواقع وثيق الصلة بفعل التواصل بين الأفراد، وبين الجماعات المختلفة، إذ إن
الإعلام ليس فقط أداة للتوصيل والترويج، بل إنه شريك حقيقي في تكوين الأدوات
الفكرية والمفاهيم والمنظومات والقيم الفاعلة في إطار الثقافة وانتشارها، بل إن
الإعلام يمكن أن يكون مساهماً فاعلاً في توليد الثقافة وتعميق المفاهيم، وإدخالها
ضمن آليات الوعي لصالح التغيير وإنتاج التقدم الحضاري.
ولا يشترك الإعلام، كوسيلة وأداة، في ميدان واحد مع النشاط الفكري
والثقافي، إذ ليس إنتاج الكتاب والترويج له (على سبيل المثال) هو المعبر عن هذا
الترابط، بل إننا يمكن أن نتطلع إلى النشاط المسرحي والسينمائي، والفن التشكيلي،
والموسيقى وغيرها، لنجد أن الوعاء الواحد الذي يجمع كل تلك الفعالية يتوافق مع
وعاء الإعلام من حيث أدوات الإنتاج ووسائلها. وقد أثبتت التجارب أن حرية التعبير
والرأي وتطوير حق المعرفة من حق اكتسابها وتداولها إلى حق صناعتها وبنائها، يسهمان
في تطور أداء الإعلام ذاته، فلم تعد الصحيفة اليومية التي تصدر في أي مكان في
العالم، كما هي عليه قبل قرن أو نصف قرن من اليوم، إذ زحف الإنتاج الثقافي والفكري
ليحتل جزءاً واسعاً من صفحات الجريدة، وكذلك المجلة. وتتوازن مساحة الأخبار
والتقارير والمقالات السياسية مع مساحة ما يخصص للإنتاج المعرفي والثقافي، بل إن
قراء الصحف اليومية ينقسمون ضمن إطار مركز اهتمامهم بالصحيفة إلى ثلاثة أقسام،
الأول يهتم بالفكر وبالسياسة، والثاني بالمجتمع والاقتصاد والرياضة، والثالث
بالثقافة وما يرتبط بها من فنون.
إن ازدهار الحياة السياسية وتوطد الاستقرار قاعدة أساسية لنمو النشاط
الثقافي، ويشكل الإعلام في هذه الحالة الحاضنة لنمو واتساع معطيات الإنتاج الفكري
والثقافي. وإذا كانت المعرفة عنصر جوهري من عناصر الإنتاج الثقافي، فإن العنصر
الآخر المكمل هو الإعلام، إذ إن تخلف وسيلة الإعلام من التعبير عن النشاط الثقافي
المتزايد لا يقود إلا إلى نشوء بؤر ثقافية في جزر معزولة عن المجتمع، تحول دون
اكتساب المعرفة إنتاجاً ونشراً. إذ ما هي قيمة الإنتاج الوفير من الكتب الثقافية،
وفي حين يبقى تداول هذه الكتب في حدود العاصمة والمدن الرئيسة من البلاد؟ وفي
الوقت الذي لا يستطيع فيه المبدعون والمنتجون للأفكار والثقافة أن يوصلوا بضاعتهم
إلى مركز الطباعة أو الترجمة والنشر، لذلك فإن مفهوم مجتمع المعرفة بذاتها يبقى
ناقصاً ومحدوداً وغير فاعل إلا في إطار ضيق.
إن نشر المعرفة بحد ذاته إنتاج استثماري بعيد المدى، كما أنه لا يمكن تحقيق
تنمية ثقافية دون توظيف ناجح للوسائل المساعدة في تحقيق شروط الانتشار العادل
للثقافة في عموم المجتمع، وقد أسهم النشاط الإعلامي في العراق في احتضان النشاط
الثقافي والترويج له وتطويره وتحقيق انتشاره. وستبقى الثقافة، ولحين ما تستكمل
أدواتها ووسائلها، بحاجة إلى دور الإعلام ومساندته لها، فإذا كان الإعلام شريكاً
في أية تنمية سياسية أو اقتصادية، فإن الثقافة هي المحور الأساس الذي تقف عليه أسس
تلك التنمية، وهي القاعدة للتطور المستقبلي للحياة في البلاد.
ومن هنا فإن التخطيط لإحداث نقلة نوعية، بالجانب القانوني التشريعي،
وبتوفير الأطر والملاكات العاملة، أو بإيجاد الاستثمارات المالية المساندة، لا بد
من أن يضع في الاعتبار تنمية مشتركة لقطاعي الإعلام والثقافة، مع الأخذ بنظر
الاعتبار تطورهما اللاحق، إذ يمكن أن يحقق قطاع الإعلام الاكتفاء الذاتي لتمويل
أنشطته، أما قطاع الثقافة فإنه سيبقى ولفترات زمنية قادمة، قد تطول أو تقصر، بحاجة
إلى دعم ورعاية الدولة، ذلك لأن خدمات (الثقافة) إذا صح التعبير هي استثمار وطني
بعيد المدى مثل الاستثمار في قطاع التربية والتعليم والصحة والنقل... وهكذا.
إن العراق يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى بناء مرتكزات المؤسسات
الثقافية، وبشكل خاص في ميدان الإنتاج الفكري والنشر، وتأسيس سينما عراقية متواصلة
مع تراثها، وكذلك تطوير أداء المسرح، والموسيقى، والفنون التشكيلية، وكل ما من
شأنه أن يعبر عن الموروث الفكري والثقافي الموغل في القدم في حضارات وادي
الرافدين، والمعبر عن شخصية العراق القومية والإنسانية، ودون ذلك فإن الإنجازات
المادية – الصناعية والزراعية تبقى مجرد أرقام ومخرجات فارغة من محتواها الإنساني
والقيمي.
رؤية
استراتيجية
إن الاجتهاد لصياغة رؤية استراتيجية لبناء إعلام عراقي جديد لا يمكن أن
يتوفر دون الاستناد إلى معطيات الواقع السياسي، بعد تحرير العراق، وإعادة بناء
الدولة العراقية بكل مؤسساتها، وبشكل خاص تلك المؤسسات التي استهدفها الاحتلال
والتي كانت تمثل جانباً وركناً أساسياً من أركان السيادة الوطنية، ومنها على وجه
التخصيص أجهزة الإعلام ومؤسسات الثقافة الوطنية.
ومما لا شك فيه أن عملية البناء لا تعتمد على توفر الإمكانات المالية، على
الرغم من أهمية هذا الجانب وضروراته، ولكن القاعدة الأساسية هو بناء حالة وطنية
شاملة ومؤمنة بأهمية تأسيس النموذج الوطني المعبر عن الخصوصية والهوية القومية
والإنسانية.
ومن هنا لا بد ابتداءً من الاستناد إلى العوامل التالية:
أولاً: تأكيد المبادئ الأساسية في حرية
التعبير والرأي وفي إطار مبادئ حقوق الإنسان.
ثانياً: تنمية حق المعرفة والاتصال وتكريسه
في الواقع العملي، وتفعيل دوره في بناء المجتمع وتطوره.
ثالثاً: تعميق قيم الديمقراطية والمشاركة
السياسية والمساهمة في صنع القرار، وبناء مؤسسات المجتمع المدني.
رابعاً: إعداد الخطط والبرامج اللازمة
وتوفير الدعم المالي والتقني للنهوض بالقطاع الإعلامي وأدوات الاتصال ومرتكزات نمو
وتطور الثقافة الوطنية.
خامساً: الاهتمام ببناء أدوات التحول
الأساسية، وهي الأطر البشرية، وإعادة تأهيلها وتدريبها، والاستفادة من التجارب
الإنسانية في هذا الميدان.
سادساً: الانفتاح والتفاعل مع التجارب
العالمية في ميدان الإعلام، وتأسيس نموذج إعلامي وطني ذي خصوصية محلية، وبهوية
قومية، وبتفاعل إيجابي على المستوى الإنساني.
سابعاً: الاعتماد على التنوع والإثراء
والتفاعل الخلاق مع كل العطاء الإنساني، واستعادة دور بغداد الحضاري في ميدان
الثقافة والفكر والنشر والفنون.
إن الإعلام لا ينطلق من فراغ وإنما يعتمد على مبادئ أساسية مرتبطة قبل كل
شيء بالإطار القانوني الذي يشكل المحتوى الإنساني والأخلاقي، ومن ذلك دستور البلاد
وقوانينه، وأعراف المجتمع وتقاليده، إلى جانب ضرورات التنمية الإنسانية والبشرية
ومتطلبات التطور الحضاري، وهو أيضاً – أي الإعلام – لا ينمو في بيئة مغلقة أو
مفرغة من عوامل الإبداع، إنما يستند إلى الحرية، وهي العامل الحاسم والأساسي
لتوفير قدرة الإنتاج والابتكار.. الحرية المرتبطة بالتعبير عن مبادئ حقوق الإنسان،
وعن حق الاتصال وثوابته، ثم حق المعرفة، وحق الاستفادة من تراكم المعرفة، وكل تلك
العوامل تشكل بيئة أساسية لإمكانات إحداث تحول جذري في بنية الإعلام العراقي
وتطوره اللاحق.
أن تبني خطط ذات طابع اقتصادي وتقني في ميدان الإعلام يجب أن تتوافق مع
تطورات ثورة الاتصال والتسارع الدائم التي تقدم وباستمرار معطيات جديدة تقنية
داخلة في منظومة الإعلام، ولذلك يجب أن تتميز هذه الخطط بمرونة عالية وقدرة على
الاستجابة الفورية للتحولات في البنى الأساسية. فقد أضحى التسارع في ميدان استخدام
وسائل الاتصال عبر تقنيات الألياف الضوئية يفرض إمكانات غير محدودة تفرض شروطاً
عالية من أجل التجاوب معها، وبشكل خاص في إطار توفير الخبرات وإتاحة فرص التأهيل
والتدريب، والابتكار في إيجاد الحلول والبدائل التي قد تنشأ مع كل خطوة في هذا
الطريق.
ويحتاج الإعلام العراقي إلى وضع خطط وبرامج طموحة لإعادة تأهيل العاملين في
قيادة مؤسساته وفي المفاصل الإدارية والتنفيذية، والقضاء على البطالة المقنعة،
وإدخال قاعدة من المعلومات المنظمة والمبوبة لاختيار العاملين وفق معيار المعرفة
والكفاءة والقدرة على التطور، إذ إن توصيف العمل الإعلامي وتحديد أطره، سوف يسهم
في تقليص الهدر وضمان توفر العناصر الكفوءة في المواقع المناسبة.
وبالمقابل فإن تشجيع استثمار القطاع الخاص في النشاط الإعلامي، وفق قوانين
جديدة، وبدعم ومساندة من الدولة مع رقابة قيمية وأخلاقية، سوف يسهم في تحقيق مبدأ
الشفافية، وتوسيع دائرة الرأي ويعطي مبدأ حق المعرفة أفقه العملي، وينمي ويشجع
الكفاءات، ويعزز قدرة الإبداع والابتكار، ويوسع قاعدة النشاط الإعلامي ليغطي مختلف
جوانبه.
إن حالة الفوضى السائدة بسبب التدخل الجائر لقوات الاحتلال، التي حاولت أن
تشيع نوعاً من الانفلات والتجاوز على القواعد القانونية والأعراف السائدة في إصدار
الصحف والدوريات أو إطلاق قنوات التلفزيون والترددات الإذاعية.. تلك الحالة قد
خلقت نوعاً من التداخل والتقاطع بين معنى الحرية وبين معنى الالتزام بقضايا الوطن
والأمة، وقادت إلى فوضى شاملة ذات آثار سلبية على أداء الإعلام، وعلى المواطن في
ذات الوقت.
وإذ يصعب من زاوية الرؤية الاستراتيجية الشمولية لبناء (الإعلام في العراق
بعد التحرير) تقديم وصفة جاهزة وحلول قاطعة بسبب الفوضى الشاملة، فإن البديل هو
صياغة خطة إنقاذ وتصويب لمسار الإعلام العراقي، وإبعاد كل عوامل التأثير الخارجية
السلبية في بناء المنظومة والخطاب الداخلي، والتي ازدادت تأثيراً، بل وتخريباً بعد
حالة الانفلات السياسي والتنظيمي والأمني في ظروف الاحتلال القاهرة، والعمل الجدي
على ضوء تصور شمولي ورسم مسار جديد للنهوض بهذا القطاع بالتوافق مع قطاع التعليم
والثقافة والمواصلات، باعتبارهما من أكثر القطاعات تأثراً وتأثيراً في مسار النشاط
الإعلامي والاتصالي بشكل عام.
ولذلك فإن إعادة بناء قاعدة إعلامية يتطلب إعادة بناء مجتمع المعلومات
ذاته، وتطوير العمل المعرفي، وإشاعة مناخ الحرية الحقيقي، وليس ذلك المناخ الذي
كرسه الاحتلال عبر المحاصصة العنصرية والطائفية التي تهدف إلى تشرذم المجتمع
وتفككه وإضعافه، فإعلام العراق الموحد هو هوية الوطن وعنوان سيادته، وليس نمط
المحاصصة الذي يمزق النسيج ويقود الإعلام إلى زوايا بعيدة عن الأهداف الاستراتيجية
له.
إن هذه الرؤية لا تتعارض مع الجهود الوطنية التي تتكامل في إطار عملية
إنقاذ العراق وتحرره وإعادة بناء دولته القوية الموحدة، بل هي واحدة من أدوات
إعادة الاصطفاف الوطني لكل أبناء الشعب العراقي، وصياغة البرنامج الإصلاحي الوطني
الشامل. وسوف يقف الإعلام في المقدمة ليبشر بالطريق نحو التحرير الكامل، وإعادة
بناء وتأسيس صورة المستقبل المشرق للعراق المستقل الموحد الناهض.
(1) يعتبر يوم 11 آذار 1917م يوم دخول القوات
البريطانية إلى بغداد نهاية السيطرة العثمانية، وبداية فترة الاحتلال البريطاني
للعراق.
(2) إعلان الانتداب البريطاني في 3 مارس 1920 والذي
تم فرضه بموجب مقررات مؤتمر (سان ريمو).
(3) تم تقسيم العراق بموجب مشروع التقسيم الإداري
للعراق في 12 كانون الأول 1920 إلى عشرة ألوية وخمسة وثلاثين قضاء وخمس وثمانين
ناحية، وفي كانون الثاني 1922 أصبح عدد الألوية أحد عشر بإضافة الكوت، وفي 10
كانون الثاني 1921، أصدر مجلس وزراء الحكومة العراقية المؤقتة عدداً من التعيينات
التي أحالتها له وزارة الداخلية، ثم قسم لاحقاً إلى أربعة عشر لواء.
(4) أ- بلغ عدد المجلات التي صدرت في العراق قبل الحرب العالمية
الأولى
(20) مجلة.
ب- بلغ عدد
المجلات التي صدرت في العراق بعد الحرب العالمية الأولى حتى عام 1933 (73) مجلة.
ج- بلغ مجموع
الصحف التي صدرت في العراق قبل الحرب العالمية الأولى وفي أثناءها (69) جريدة بين
أدبية وسياسية وهزيلة.
د- بلغ عدد
الصحف السياسية التي صدرت في العراق بعد الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1933 (61)
جريدة.
هـ- بلغ عدد
الصحف الأدبية التي صدرت في العراق بعد الحرب العالمية الأولى ونهاية عام 1933
(86) جريدة.
و- بلغ عدد
المجلات والصحف (السياسية والأدبية) التي صدرت في العراق بين عهدي مدحت باشا وعام
1933 (309) جريدة ومجلة موزعة على المدينة بغداد ومدن العراق الأخرى.
للمزيد أنظر:
تاريخ الصحافة العراقية – الجزء الأول – عبد الرزاق الحسيني – مطبعة العرفان –
صيدا – لبنان 1971.
(5) المفصل في تاريخ العراق المعاصر – مجموعة من
الباحثين – مقالة – الصحافة العراقية والانتداب البريطاني على العراق – د. رشيد
حسين الشمري – بغداد – بيت الحكمة – 2002، ص 791.
(6) في مقابل تنامي الشعور الوطني بالحرية
والاستقلال وتعاظم تأثير الصحف الوطنية وانتشارها أقدمت قوات الاحتلال البريطاني
على مواجهة ذلك المد الشعبي وتأثير صحافته الوطنية بالقيام بحملة دعاية واسعة
(لإقناع الشعب العراقي بأنها جاءت من أجل تغيير أوضاع الشعب العراقي نحو الأفضل)،
فقامت بإصدار مجموعة من الصحف في بغداد وبعض المدن العراقية (الألوية).. فأنشأت في
بغداد جريدة (العرب) (4 تموز/يوليو 1917) والتي استمر صدورها حتى (31 أيار/مايو
1920) وكذلك أصدرت جريدة (العراق) بديلاً عنها.. كما أصدر الاحتلال صحفاً مماثلة
في الموصل والبصرة للدفاع عن السياسة البريطانية في العراق.. في الوقت الذي استمرت
فيه بسياسة الغاء أو تعطيل الصحف الوطنية وملاحقة كتابها النشطين سياسياً.
للمزيد انظر:
المفصل في تاريخ العراق المعاصر – مصدر سابق.
(7) خلال السنوات الأولى من تأسيس الحكومة العراقية
1920-1932 بلغ عدد المدارس الأولية في العراق (85) مدرسة للبنين و(5) مدارس للبنات
تضم كلها (6182) طالباً وطالبة، أ ي نسبة مدرسة واحدة لكل (462) مواطناً من السكان
البالغ عددهم بموجب إحصاء عام 1919 (2890000) أما عدد المعلمين فبلغ عددهم (363)
معلماً.
(8) تم إ رسال أول بعثة علمية عراقية للدراسة خارج
العراق عام 1921 في اختصاص الرياضيات والطب والعلوم والتربية والزراعة، وكان عدد
الطلاب المبعوثين عشرة.
(9)
(10) يعتبر العراق أول دولة
عربية انشأت محطة تلفزيونية وطنية.
(11) The Making of Iraq – Capital Power and Ideology – Samira Haj – State
University of NewYork Press – 1963 – p. 5-6.
(12) إن قرار إلغاء امتيازات الصحف والمطبوعات كافة،
حالة تكرر في سجل الصحافة العراقية، وذلك لاعتبارات سياسية، وبشكل خاص خلال الفترة
الممتدة من عام 1921 و1958، وكانت تحدث مع كل تغير جذري في السلطة الحاكمة في
العراق.
(13) صدر في عام 1968 قانون جديد للمطبوعات في العراق
وحمل الرقم (206)، وقد أجريت العديد من التعديلات على مواد هذا القانون، وعلى
التوالي:
التعديل الأول في 5/1/1969، التعديل الثاني برقم 199 في
1970، التعديل الثالث برقم 113 في 1971، التعديل الرابع برقم 138 في 1983، مع
العلم أن عدد قوانين المطبوعات التي صدرت منذ تأسيس الدولة العراقية حتى الاحتلال
الأمريكي عام 2003 بلغت 12 قانوناً.
(14) تم إنشاء سلسلة من المرسلات الإذاعية في عموم
العراق لتقوية بث الموجهة المتوسطة والقصيرة، ومنها محطة محطة الإرسال في الحرية
(سلمان باك) بطاقة 300 كيلو – واط، ومحطة الناصرية 300 كيلو-واط، والموصل 300
كيلو-واط، والسليمانية 1000 كيلو-واط، والكحلاء 1000 كيلو-واط، والبصرة (الرهيمية)
300 كيلو-واط، هذا إلى جانب إنشاء محطات بث كبيرة الطاقة موجهة إلى خارج الحدود
الوطنية مثل محطة (التنف) بقوة 1000 كيلو-واط ومحطة العمارة بقوة 1000 كيلو-واط،
هذا إلى جانب سلسلة من محطات البث المساندة بقوة 20 كيلو-واط، والتي كانت تستخدم
لأغراض الحماية الالكترونية (التشويش على محطات إذاعية معادية). وبذات الوقت تم
توسيع محطات التقوية للبث التلفزيوني الوطني لنقل الإشارة التلفزيونية للقناتين
الرسميتين، الأول قناة رقم 9 والثانية قناة رقم 7 إلى جانب العديد من مرسلات البث
على موجة الـ FM بقوة 10 كيلو-واط و20 كيلو-واط.
(15) في عام 1968 تم تأسيس دار الثورة للطباعة والنشر
والتي صدرت عنها جريدة الثورة اليومية الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي،
والتي استمرت بالصدور حتى عام 2003، كذلك تحولت المؤسسة العامة للصحافة إلى دار
الجماهير للصحافة والنشر لتواصل إصدار صحيفة (الجمهورية) اليومية ومجلة (ألف باء)
السياسية الأسبوعية، وكذلك جريدة (التآخي) اليومية التي تحولت إلى جريدة (العراق)
وهي الصحيفة الصادرة باللغة العربية والناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وصحيفة
(طريق الشعب) اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي والتي توقفت عن الصدور
بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية التي كان قائماً بين حزب البعث العربي الاشتراكي
الحاكم والحزب الشيوعي العراقي.
(16) قبل الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، كانت مؤسسات
الإعلام والثقافة في العراق تتبع وزارتين وكالآتي:
وزارة
الإعلام وتتبعها المؤسسات التالية: 1) وكالة الأنباء العراقية،
2) دائرة الإعلام، 3) الهيئة الهندسية الفنية، 4) دائرة الشؤون الإدارية، 5) دار
الحرية للطباعة، 6) دار الجماهير للصحافة، 7) مجلة (ألف باء)، 8) دار القادسية
للنشر، 9) مجلة هاو كاري (باللغة الكردية)،
10) جريدة (بغداد اوبزرفر)، 11) مركز أم المعارك للبحوث والمعلومات، 12)
دائرة الإذاعة والتلفزيون، 13) دائرة تلفزيون بغداد الدولي (قناة بغداد)، 14)
دائرة الرافدين الفضائية.
أما
وزارة الثقافة فترتبط بها المؤسسات التالية: 1) دائرة قصر المؤتمرات،
2) دائرة الفنون التشكيلية، 3) دائرة الشؤون الثقافية العامة، 4) دائرة الشؤون
الإدارية، 5) دار الأزياء العراقية، 6) الهيئة العامة للآثار، 7) هيئة السياحة، 8)
دار الكتب والوثائق، 9) دار المأمون للترجمة والنشر، 10) دار ثقافة الأطفال، 11)
دائرة السينما والمسرح، 12) دائرة العلاقات الثقافية، 13) دائرة الشؤون الموسيقية،
14) دار الثقافة والنشر الكردية.
(17) على الرغم من حالة الحرب، فقد برزت الحاجة إلى
بناء مؤسسات إعلامية لأغراض التعبئة والدعاية ومواجهة الإعلام الإيراني، فقد شهد
الإعلام العراقي نمواً نسبياً في الإمكانات وبشكل خاص في ميدان البث الإذاعي
والتلفزيوني.
(18) شمل الحصار مستلزمات تفصيلية مثل أشرطة الفيديو
والرقوق السينمائية والكاميرات والأفلام للصور الفوتوغرافية... إلخ.
(19) جاء في نظام سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (1) المنشور في جريدة
(الوقائع العراقية) العدد (3977) بتاريخ 17 حزيران 2003 والموقع من قبل مدير سلطة
الائتلاف المؤقتة ما يلي: تمارس السلطة الائتلافية المؤقتة سلطات الحكومة مؤقتاً
من أجل إدارة شؤون العراق بفعالية خلال الفترة الانتقالية بغية استعادة أوضاع
الأمن والاستقرار وإيجاد الظروف التي تمكن شعب العراق من تحديد مستقبله السياسي
بحرية، كما تقوم بتحسين وتعزيز الجهود المبذولة لإعادة بناء وتأسيس المؤسسات
الوطنية والمحلية الرامية لتمثيل فئات الشعب وتسهيل الجهود المبذولة لإنعاش النظام
الاقتصادي وإعادة البناء وتحقيق التنمية
القابلة للاستمرار... وفي القسم الثالث في النظام جاء: سوف يبادر مدير سلطة
الاحتلال المؤقتة بإصدار الأنظمة والأوامر كلما دعت الحاجة لذلك في إطار قيامه
بتنفيذ السلطات والمسؤوليات المعهودة للسلطة الائتلافية المؤقتة. تكون الأنظمة هي
الأداة المستخدمة لتحديد مؤسسات وسلطات السلطة الائتلافية المؤقتة والتعريف بها،
أما الأوامر الصادرة عن السلطة الائتلافية المؤقتة فهي تعليمات ملزمة، وتبقى
الأنظمة والأوامر الصادرة عن السلطة الائتلافية المؤقتة سارية المفعول حتى يقوم
مدير سلطة الائتلاف المؤقتة بإلغائها أو حتى تلغيها وتحل محلها التشريعات الصادرة
عن المؤسسات الديمقراطية في العراق.
(20) وشمل الحرق والتدمير مرافق إعلامية وثقافية أخرى
تابعة لوزارة الثقافة مثل الهيئة العامة للآثار، متحف بغداد، والمتاحف الأخرى في
المحافظات ودار الكتب والوثائق ودار الأزياء العراقية ودار المأمون للترجمة والنشر
ودار ثقافة الأطفال ودائرة السينما والمسرح ودائرة الشؤون الموسيقية ودار الثقافة
والنشر الكردية.
(21) من الصحف التي صدرت في بغداد بعد الاحتلال،
صحيفة يومية عن أحد صانعي الحلويات المشهورين في بغداد، وقد كانت افتتاحية العدد
الأول تحت عنوان (بالدهن – الزيت – الحر) وهي إشارة إلى جودة صناعته من الحلويات
التي تعتمد على الزيت الطبيعي وليس المصنع.
(22) حسب ما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية
الذي أعلن في العاصمة الأردنية عمان في آذار 2005، أن 12 مراسلاً صحفياً قد قتلوا
في العراق خلال الفترة الماضية منهم خمسة على أيدي قوات الاحتلال بقيادة الولايات
المتحدة الأمريكية.
(23) في قصف بدا متعمداً لمكتب قناة الجزيرة الفضائية
في منطقة (كرادة مريم) في بغداد من دبابة أمريكية كانت تقف في منتصف جسر الجمهورية
على نهر دجلة، استشهد المراسل الصحفي طارق أيوب.
(24) خضعت الصحافة العراقية منذ تأسيس الدولة
العراقية مطلع القرن الماضي وحتى الاحتلال الأمريكي لـ (12) قانوناً للمطبوعات،
وليس في أي قانون منها مادة أو نص يشير إلى مصادرة الممتلكات العائدة للصحيفة عند
إيقافها أو مصادرتها أو إلغاء امتيازها.
(25) تم توجيه تهمة (التحريض على العنف) والوقوف ضد
(حملة إعمار العراق)، والترويج للشائعات التي تضر (بالشعب العراقي) لنشاط قناة
الجزيرة الفضائية.
(26) أصدر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر القرار
رقم (2) والقاضي بحل اللجنة الوطنية الأولمبية العراقية مع غيرها من الكيانات العراقية
الحكومية.
(27) تبث في العراق اليوم إذاعات مختلفة بعضها
عراقية، وأخرى أجنبية يعاد بثها بواسطة منظومة إرسال الـ FM..
أو عبر الموجة المتوسطة.
ومن الإذاعات
التي تبث على موجة الـ FM: إذاعة سوا (إعادة بث)، إذاعة
مونت كارلو (إعادة بث)، إذاعة BBC باللغة العربية (إعادة بث)، إذاعة
MBC بانوروما (إعادة بث)، إذاعة العراق الحر من براغ (إعادة بث)،
إذاعة آشور، إذاعة دجلة، إذاعة الرشيد، إذاعة المشرق، إذاعة اور، إذاعة سومر،
إذاعة شط العرب، إذاعة الحرية، إذاعة ديالى، إذاعة بابل، إذاعة كردستان، إذاعة دار
السلام.
(28) بلغ عدد محطات التلفزيون الأرضية والفضائية (22)
محطة وكما يلي:
المحطات
الأرضية: قناة النهرين، قناة العراقية، قناة آشور، قناة الحرية،
قناة كردستان، قناة الرشيد، قناة المشرق، قناة ديالى، قناة تركمان ستان، قناة
الحرة عراق.
أما المحطات
التلفزيونية الفضائية فهي: قناة الشرقية، قناة العراقية، قناة السومرية، قناة
الديار، قناة سبورت العراق، قناة الأنوار، قناة الفيحاء، قناة الفرات، قناة تركمان
ستان، قناة كردستان، قناة النخيل.
(29) ضمن سلسلة العقوبات، وما ورد في (و) من القسم
(9) هو مصادرة التجهيزات التي يُتاح بموجبها الوصول إلى مقر عمليات صاحب الترخيص..
ولأجل تطبيق ذلك تنص الفقرة (2) من القسم (9) على استخدام القوة من قبل جهاز
الشرطة العراقية، أو من قبل قوات الائتلاف (..يجوز للمفوضية أن تطلب من السلطات
العراقية التي تتولى تطبيق القانون تقديم الدعم والمساعدة لها، وعلى هذه السلطات
الاستجابة لطلب تقديم المساعدة بدون تأخير، وعليها تقديم المساعدة بصورة مهنية
ومسؤولة، وفي حالة تعذر الحصول على الدعم والمساندة من جهاز الشرطة العراقي، يجوز
للمفوضية، علاوة على ذلك، أن تطلب من قوات الائتلاف مساندة جهود التطبيق، ويراعى
في ذلك تماشي الطلب مع مقتضيات العمليات العسكرية لتلك القوات).
ومن هذه الفقرة
تظهر (الهراوة) التي سلطت على مؤسسات الإعلام العراقي التي تعمل في ظل الاحتلال.
وتكشف عن أسلوب (القمع) المسلط على حرية الصحافة... إذ إنه من المفترض أن يستند القانون بشأن مخالفة
بنوده وأقسامه إلى سلطة القضاء أولاً وليس إلى قوات الاحتلال.
(30) تم إغلاق صحيفة (المستقلة) واعتقال مديرها
بتاريخ 13/7/2003، كما تم إغلاق صحيفة (الحوزة) لمدة (60) يوماً بتاريخ 27/3/2004،
والتهمة هي واحدة (التحريض على العنف، والوقوف ضد حملة إعادة الإعمار!!).
(31) تم إغلاق مكتب قناة الجزيرة الفضائية في بغداد
لمدة ثلاثة أشهر جرى تمديدها لفترات لاحقة، كذلك إغلاق مكتب قناة العربية الفضائية
لمدة شهر... وقد وصل الأمر إلى أن يصدر، موظف إداري، وهو نائب معاون محافظ النجف
أمراً بمنع قناة الحرة الإخبارية الأمريكية من العمل في محافظته لمدة شهر بحجة
نشرها لأخبار غير حقيقية عن الفساد المالي والإداري (جريدة (القدس العربي)/لندن/في
9/6/2005).
(32) جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام
1948 المادة التاسعة عشرة (إن لكل فرد الحق في إبداء آرائه دون تدخل، وإن لكل فرد
الحق في حرية التعبير، بما في ذلك حرية استقاء المعلومات أو الأفكار من أي نوع،
وتلقيها، ونقلها بغض النظر عن الحدود).. وقد أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة
تأكيد هذه الحقوق ووسعتها مع بعض القيود في الاتفاقية الدولية حول الحقوق المدنية
والسياسية (كانون الأول/ديسمبر 1966) حيث نصت موادها، 18، 19، 20 على حق كل فرد في
حرية اعتناق الآراء والمعتقدات، وعلى حقه في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية
استقاء المعلومات والأفكار من كل نوع وتلقيها ونقلها، بغض النظر عن الحدود، سواء
أكان ذلك شفاهة أو كتابة أو طباعة أو في صيغة فنية، أو من خلال أية وسائل أخرى، من
اختياره.
(33) يمكن أن يكون ممثل نقابة
الصحفيين عضواً في مجلس إدارة الوكالة.
(34) يمكن أن يكون من ضمن مجلس
الإدارة ممثلون عن اتحاد الأدباء والكتاب ونقابة الصحفيين ونقابة الفنانين وهكذا.
(35) منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، والدولة
العراقية تطبع أكثر من 80% من احتياجاتها لأغراض الكتاب المدرسي لمختلف المراحل
الأولية ثم الجامعية في مطابع خارج العراق، ولو استثمرت كلف طباعة ذلك الكتاب في
تأسيس شركات ومؤسسات طباعية لتحول العراق إلى بلد يطبع للآخرين في هذا الميدان.
(36) هناك اتفاقيات دولية عديدة مثل (اتفاقية لاهاي)
المتعلقة بالإبداع الدولي للرسوم والنماذج الصناعية الصادرة بتاريخ 6/11/1925
واتفاقية لوكارنو الخاصة بالتصنيف الدولي للرسوم والنماذج الصناعي، وفي المجال
التجاري هناك اتفاقية "تريبس" وهي تدخل في الإطار العام المصطلح على تسميته
تقنياً بـ "حقوق الملكية الفكرية" والذي يتسع ليشمل "حقوق
المؤلف" والمرتبطة بها، وكذلك ما يمكن التعبير عنه بـ "الحقوق
الصناعية" مثل وفاق مدريد المتعلق بالتشديد على بيانات المصدر المزورة أو
المزيفة للمنتوجات، ومثل الاتفاقية الدولية لحماية الفنانين المعبرين أو المنفذين
ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات الإذاعة.
المصدر:
"تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003" برنامج الأمم المتحدة
الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.
(37) صادق وزراء الثقافة العرب في مؤتمرهم المنعقد
ببغداد في 5/11/1981 على الاتفاقية العربية لحماية حق المؤتمر، وهذه الاتفاقية لا
تعدو كونها مزيجاً من بعض الأحكام التشريعية الواردة في اتفاقية "برن"
وكذلك الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف: "المصدر السابق".
(38) من تقرير التنمية
الإنسانية العربية للعام 2003، ص 154.