ليس للشجاعة حدود، ولا للعمالة أيضاً

 

بقلم: ماجد مكي الجميل*

 

ها هي الذكرى السنوية الثالثة لاحتلال العراق تقترب، هل ينبغي أن تمرّ دون أن نُخلِّد أحد الرجال الشجعان؟

 

جوزيه بستاني، شخصية دبلوماسية فذّة لا أظن أن أحداً من العرب أو العراقيين قد سمع به أو التفت إليه بالرغم من خدماته الجليلة للقضية العراقية بشكل خاص. اختار، بكل شجاعة وإخلاص، الوقوف بوجه الولايات المتحدة، مع جلال سطوتها ونفوذها أثناء استعداداتها مع بريطانيا وإسرائيل لشن حربها العدوانية على العراق.

 

واجه بستاني الولايات المتحدة بشجاعة منقطعة النظير خلال عام 2002. كانت المواجهة سجالاً، تارة يهزمها وتارة تهزمه، حتى انتصرت عليه، أو هكذا خال لها، يوم 22 نيسان/أبريل 2002، بعد أيام من سقوط بغداد في براثن المحتلين وأزلام الاحتلال.

 

لكن المعركة بالنسبة لهذا الدبلوماسي لم تكن قد انتهت، فأخذ زمام المبادرة من جديد، وواجه بستاني الولايات المتحدة مرَّة ثانية لتكون الكلمة الأخيرة له بعد أن انتصر عليها في الجولة الحاسمة، في تموز/يوليو 2004.

 

هاكم ما أعرف عن هذا الرجل الشجاع الذي التقيته مرّة واحدة في جنيف، وتبادلت معه حوالي ست رسائل إلكترونية حتى انقطعت أخباره عني منذ أكثر من عام، ويا ليت يسمعني الآن ليعيد الاتصال من جديد.

 

جوزيه بستاني، مواطن برازيلي من أصل عربي، كما هو واضح من لقبه، شغل منصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة الكيميائية ومقرها لاهاي. لم يُعيَّن في هذا المنصب، بل أنتُخِبَ له من قبل الجمعية العامة للمنظمة بالإجماع عام 2001 لمدة أربع سنوات.

 

في بداية 2002، حيث مراحل الاستعداد الأولى للحرب على العراق تمضي بنشاطٍ محموم، رفض بستاني الإدلاء بتصريحات تدعم المزاعم الأمريكية حول امتلاك العراق أسلحة للدمار الشامل، أو الحديث عن شكوك تتعلق بخزين العراق من الأسلحة الكيميائية، بل على النقيض من ذلك أدلى بتصريح يتناقض مع المزاعم الأمريكية، قائلاً: "ليس للمنظمة من معلومات تدين العراق بإخفائه أسلحة كيميائية." لم يكتف بستاني بهذا فحسب، بل قال أيضاً: إذا أردتم أن تفرضوا تفتيشاً على أسلحة العراق فينبغي أولاً إجراء تفتيش على ما تملك إسرائيل من أسلحة كيميائية.

 

وكما يبدو، فقد اعتبرت الولايات المتحدة هذا التصريح بمثابة إعلان حرب من بستاني على خططها لغزو العراق، وأسلحة الدمار الشامل عمودها الأساسي، قبل أن تتحوّل النغمة، كما تعرفون، إلى: "إقامة الديمقراطية في العراق".

 

بعد تصريحات بستاني هذه، عجَّلت الولايات المتحدة من خُطَطِها للإطاحة بهذا الرجل. في الحقيقة لم يكن أحد يعرف كيف كانت "الإمبراطورية" تعمل، فنشاطاتها خلف الكواليس. لكننا سنفهم، بعد قليل، ماذا كان يجري من خلال بيان يصدره بستاني في وقت لاحق.

 

في ذلك البيان (22 نيسان/أبريل 2002) اتهم بستاني واشنطن بـ "خروجها عن الأعراف الدبلوماسية،" حسب تعبيره. وشرح قصته مع "الدولة العظمى،" مثلما كان ينعتها تهكماً، قائلاً: أنها طلبت منفردة من بلده البرازيل في شباط/فبراير 2002 إجباره على الاستقالة و"تعييني في موقع أخر،" وعندما فشلت المحاولة "اتصلت بيّ الولايات المتحدة مباشرة وأنذرتني بالتنحية طواعية." ولأنه لم يستجب، فرضت في آذار/مارس 2002 على المجلس التنفيذي للمنظمة اقتراعا بسحب الثقة من بستاني.

 

إثر إخفاق الخطوة بتصويت أغلبية كبيرة من أعضاء المجلس ألـ 41 لصالح بقاء بستاني في منصبه، دعت الولايات المتحدة الجمعية العامة للمنظمة للاجتماع في جلسة استثنائية على مدى ثلاثة أيام (21-23 نيسان/أبريل) بهدف طرد بستاني من منصبه بقرار من الجمعية العامة. في اليوم الثاني للاجتماع (22 نيسان/أبريل) نجحت "الإمبراطورية" بالفعل في إصدار قرار من الأعضاء بإقالة بستاني بتأييد 48 صوتا ومعارضة سبعة أصوات وامتناع 43 عن التصويت. وهنا خالَ للولايات المتحدة أنها انتصرت على الرجل.

 

أستطيع أن أقول أن الولايات المتحدة فرضت طوقاً إعلامياً على صراعها مع بستاني، وبخلاف تصريح وحيد للناطق باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر (آذار/مارس 2002) لم تتحدث عن الموضوع رسميّاً، وأن وسائل الإعلام العالمية، الأمريكية والبريطانية بشكل خاص، قد أحجمت عن تغطية هذا الصراع. وهكذا انسحب الأمر على الصحافة العربية (باستثناء صحيفة الوطن السعودية التي نشرت خبراً عن الموضوع على صفحتها الأولى بتاريخ 27 أغسطس 2004 ـ العدد 1428).

 

في تصريح باوتشر، قدمت واشنطن عدة اتهامات لتبرير موقفها من بستاني. فقال المتحدث باسم الخارجية أن الإدارة الأمريكية فقدت ثقتها في السفير بستاني بسبب "إساءته للتصرف،" و"عدم تعاونه،" و"مبادراته غير العقلانية،" و"إضعافه لمعنويات" العاملين الفنيين في المنظمة. كما اتهمته بأنه قام بتهديد خمس دول، بإجراء عمليات تفتيش ضدها للكشف عن ذخيرتها من الأسلحة الكيميائية "لتحقيق أغراض سياسية بحتة،" على حد تعبير الاتهام. لكن الولايات المتحدة لم تحدد هذه الدول، بالرغم من أن بستاني كان على الدوامِ صريحاً بأن إسرائيل تملك أكبر خزين من الأسلحة الكيماوية في المنطقة، وتأتي الأولى بعد الدول الكبرى من حيث حجم هذا الخزين.

 

ها هو بستاني قد طُرِدَ من منصبه، لكن هل انتصرت الولايات المتحدة؟ لا أظن، لسبب بسيط أن هذا الرجل الشجاع آثر أن يواصل تحديه "للقوة العظمى" حتى بعد أن أصبح وحيداً ومعزولاً. في الأسبوع التالي من قرار الجمعية العامة جاء إلى جنيف ليرفع دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة أمام المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية بجنيف. وهنا أتيح لي شرف الالتقاء به والتحدث معه وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة. وجدته في ذلك اللقاء مُصمِّماً على هزيمة "الإمبراطورية"، لكن ما أدهشني فيه أنه كان باسماً على الدوام وشجاعاً بكل ما في الكلمة من معنى. ذهب إلى محكمة العمل وهو يعرف، بحكم عمله الطويل في الأمم المتحدة، أن هذه المحكمة لم تُصدِر في تاريخها حكماً قضائياً واحداً لصالح دبلوماسي طُرِدَ من منصبه بإرادة أمريكية. سنرى بعد قليل كيف جرت الأمور.

 

في محكمة العمل الدولية يكشف لنا بستاني المزيد من التفاصيل المتعلقة بظروف طرده من منصبه. يمكن القول باختصار أنه جرَّد الإمبراطور من ملابسه.

 

في البدء علَّلَ بستاني إقدامه على رفع القضية بأن الجهة التي اتخذت قرار فصله (الجمعية العامة) ليست مخوَّلة قانوناً بذلك، وهي دُفِعَت إليه دفعاً بسبب ضغوط مارستها الولايات المتحدة وبريطانيا معها. وقال "أنا لم آت هنا من أجل التشبث بمنصبي، لكني برفضي الاستقالة أحافظ على حق كل دولة منكم حتى أصغرها بينكم،" فالمحكمة تضم ممثلين عن عدة دول.

 

فنّد بستاني أيضاً ما ورد في قرار الفصل من مبررات، مثل: "سوء الإدارة" و"فقدان الثقة"، وقال: هي تعبيرات "غير محددة ولم تقدّم الولايات المتحدة دليلاً واحداً"… ثم كيف يكون هناك فقدان ثقة والمجلس التنفيذي رفض فصلي بالرغم من الضغوط الأمريكية… وكيف تكون هناك عدم ثقة، والجمعية العامة جدّدت ثقتها بيَّ في مايو 2000 لتولي إدارة المنظمة حتى عام 2005."

 

أوضح سبب خلافه مع الولايات المتحدة بقوله أمام المحكمة بحضور ممثل عن السفارة الأمريكية ما يلي: "رفضت تقديم معلومات لبلد عضو عن نتائج عمليات التفتيش التي تقوم بها المنظَّمة في البلدان الأخرى… ورفضت الامتثال لضغوط سعت للتأثير في اختيار أعضاء فرق التفتيش". ثم تحدَّث بصراحة أمام المحكمة قائلاً: "السبب الرئيسي لتشويه الولايات المتحدة لسمعتي هو اقتراحي على العراق الانضمام إلى معاهدة الأسلحة الكيميائية مما يعني إخضاع منشآته لتفتيش المنظمة وهو موقف رأت فيه واشنطن إضعافا لموقفها حول أسلحة الدمار الشامل العراقية التي كانت تروج له كمبرّر لشن الحرب على العراق."
 

 المحكمة من جانبها أكدت على "الطابع الغامض لأسباب الفصل"، رغم أخذها بنظر الاعتبار تصويت البلدان الأعضاء في الجلسة الاستثنائية. كما رفضت قبول الاتهام بأن بقاء بستاني في منصبه "قد يهدد وضع المنظمة ككل." ويذهب قرار المحكمة إلى ابعد من قضية بستاني بالتأكيد على أن "استقلالية الموظفين الدوليين، ضمان أساسي للأداء الحسن سواء للموظف أو المنظمة التي يعمل بها،" وهذا ما قاله بستاني للمحكمة بالضبط.

 

بعد عامين وبضعة أشهر من المواجهات الإجرائية بين بستاني والولايات المتحدة، أصدرت المحكمة في أواخر تموز/يوليو 2004 حكماً أعتبر سابقة في تاريخ الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وذلك بإلغائها قرار إقالة بستاني، المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية من منصبه. كما قرَّرت المحكمة تقديم تعويض للسفير يشمل كافة رواتبه ومستحقاته القانونية للفترة من تاريخ فصله في 22 نيسان/أبريل 2002 حتى يوم 12 مايو 2005 الموعد المفترض لنهاية فترة خدمته، (وهو مبلغ يقدر بحوالي 560.000 دولار). وأقرَّت المحكمة أيضاً تعويضه مبلغا قدره 50 ألف يورو عن الأضرار النفسية، و5000 يورو عن نفقات التقاضي أمام المحكمة.


لم تتوقَّف شجاعة السفير بستاني بكسب المواجهة القانونية فحسب، بل سجَّل موقفا فريدا حينما أعلن عن تخصيص مبلغ التعويضات الذي أقرته المحكمة له لصالح صندوق يُعنى بالدول النامية تابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وقال بستاني في بيان يوم صدور الحكم جاء فيه ما نصّه: "من غير المعقول أن تتحكم دولة واحدة، مهما كانت عظمى، بعمل منظمة دولية… لقد عَرضَت عليّ هذه الدولة أن توفر لي خروجا مبجّلاً في حال تركي منصبي طواعية عندما كانت الأزمة في أوجها… قلت لها: لا أحتاج إلى رحيل الأبطال، لكني إذا خرجت فسأخرج بشرف
."

 

الآن، إذا كنتم توافقون بأن ليس للشجاعة حدود، فأظنّكم ستوافقوني الرأي بأن العمالة هي الأخرى لا تعرف الحدود. كيف؟

 

أقرَّت "الصفوة" من أزلام الاحتلال، وأقصد بهم الأعضاء الخمس والعشرين في مجلس الحكم المُنحل، يوم تدنيس القوات الأمريكية أرض بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003 "عيداً وطنياً" للعراق.

 

قامت بتسليم ثاني أكبر أرشيف تأريخي في العالم يملكه العراق عن اليهود واليهودية إلى إسرائيل (كان الأرشيف محفوظاً في سراديب المخابرات العامة).

 

قامت بتسليم بدلة طيار إسرائيلي أسَّرَهُ الجيش العراقي في المنطقة الغربية في حرب حزيران 1967 إلى إسرائيل (كانت البدلة محفوظة في قاعة تابعة للمتحف العسكري أسفل نصب الجندي المجهول، وقد شاهدتها بنفسي مع ولديَّ خلال زيارة للمتحف عام 1989).

 

استمر أحمد الجلبي لغاية نيسان/أبريل 2004، وهو كان ما يزال عضواً ورئيساً مناوباً لمجلس الحكم، يتلقى راتباً من وزارة الدفاع الأمريكية قدره 340,000 دولاراً شهرياً.

 

أياد علاوي، يردّ على اتهامات انتمائه لمخابرات دولة معيّنة بالقول أنه تعامل مع 15 مخابرات أجنبية.

 

عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية طالب خلال زيارة لطهران بصفته رئيساً لمجلس الحكم، أن يدفع العراق مائة مليار دولار لإيران كتعويضات عن الحرب العراقية ـ الإيرانية.

 

مثال الآلوسي ينقل ثلاث رسائل من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون لكل من رئيس الجمهورية غازي الياور، ورئيس الوزراء أياد علاوي، (آنذاك) ووزير الخارجية هوشيار زيباري، (مقابلة أجراها الآلوسي مع مراسل صحيفة هاآرتز، يوئاف شتيرن، في بيته ببغداد، وقد نشرت الصحيفة المقابلة في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2004).

 

الإسرائيلي (جاكي حُجّي سامي) وغيره المئات شاركوا في التصويت بالانتخابات العراقية في مركز انتخابي في عمّان (ثانوية خالدة) مستخدِماً هوية جدّه الذي هو من أصل عراقي (لاحظ انتخبَ بهوية جدّه وليس أبوه الذي لا يملك هوية عراقية… معنى هذا أن هوية الجد ستبقى وقفاً لتصويت أبناء الحفيد وأحفاد الحفيد).

 

الجنود الأمريكان يواصلون إهانتهم للمسؤولين الكبار في الدولة لحد الشتم، والجرّ، وتقييد اليدين، والحبس (حصل مع وزير الدولة السابق عدنان الجنابي، وأمر مماثل مع عز الدين سليم، عندما كان رئيساً لمجلس الحكم، وكذلك مع رئيس الحزب الإسلامي عبد الحميد، وغيرهم. وقد قال الأخير لقناة الجزيرة: بطحوني على أرض حديقة منزلي أنا وولديَّ، ووضع الجنود الأمريكان أحذيتهم على رأسي لمدة 15 دقيقة، ثم نقلوني بطائرة هيلكوبتر للتحقيق معي في مقر قيادة أمريكي).

 

رئيس الوزراء الحالي، إبراهيم الجعفري، يقول أن أي عمل عسكري ضد قوات التحالف يعتبر إرهاباً.

 

بيان جبر صولاغي، وزير الداخلية، مازال ينفذ خطة نيغروبونتي، السفير الأمريكي السابق في العراق ووزير الأمن القومي حاليا، بإطلاق العنان للميليشيات بالقتل على الهوية، وتسليح العشائر للقضاء على المقاومة العراقية.

 

السفارة الأمريكية ما تزال تقيم في القصر الجمهوري.

 

سكوت مُريب للسلطة عن قضية تفجير مرقد الإمامين في سامراء.

 

 فتأملوا الشجاعة والعمالة أيضاً!!

 

*كاتب عربي من العراق

عضو المؤتمر القومي العربي