http://www.alkader.net/shwaket/shwaket_hussen_050827.htm

 

محاورة بين شوكت خزندار و د. عبد الحسين شعبان

 

الأخ الدكتور عبدالحسين شعبان المحترم

تحية طيبة!

 

 لابد أن تتذكر أيام دمشق في اوائل الثمانينات من القرن الماضي، حيث كنا في حزب واحد، الحزب الشيوعي العراقي، كان الصراع في اشدّه، تحديداً مع القيادة المتخلفة، قيادة عزيزمحمد ومن يعاونه .

 

 كنتُ أنا أتولى إصدار جريدة حزبية تحت أسم ( التيار الثوري في الحزب الشيوعي العراقي ) .. عند ذاك كنت أنت ممثل الحزب في العلاقات الوطنية ومع السلطات السورية .

 

 لاحقاً أشتد الخلاف الفكري والسياسي بينك وبين تلك القيادة. وأعتقد انك تتذكر شدة الصراع حينذاك، وكنت مع عدد من الرفاق قد شكلتم مركزاً حزبياً عُرف بـ( المنبر) .

 

هذه المقدمة ستكون محطة للانتقال الى ما هو راهن رغم انني لا أريد العودة إلى ما حدث على يد قيادة عزيزمحمد ومجموعته. فكان الخراب بالنسبة للكل . لقد واكبت أنت بنشاط كل ما حدث .

********

 

 في 25 ــ 28 من تموز / 2005، انعقدت ندوة أو ( مؤتمر ) في بيروت تحت عنوان (مستقبل العراق). وحدث ما حدث، من المساجلات بين عدد من الشخصيات الوطنية العراقية، وحتى غير العراقية، كان أسمك كالنجم ظهر على السطح، على انك أحد البارزين في تدبير وعقد ندوة بيروت. لا بد إنك واكبت تلك المساجلات ولكنك لازمت الصمت التام، دون أي توضيح من جانبك أو الآخرين. ومن خلال علاقاتنا ورفقتنا النضالية السابقة، أرى لزاماً عليّ أن أستوضح بعض الأمور مباشرة منك ولديّ عدد من الأسئلة بهذا الصدد، كلي أمل أن تستجيب للأسئلة التي أطرحها أمامك وكما عهدناك، التحلي بروح المسؤولية والشفافية، فالسياسة عمل حسي يومي ملموس.

وقبل تسجيل الأسئلة أود أن اشير إلى قضية هامة وأنا مؤمن بها كلياً وهي :

 

لا ديمقراطية بدون حرية. ولا حرية بدون حقوق الانسان. ولا حقوق للأنسان دون معرفة الحقيقة من مصدرها الأساسي. إن كانت أنظمة أو أحزاب أو شخصيات سياسية وفكرية خصوصاً تلك المنغمرة في ساحات النضال، كل من موقعه ومسؤولياته. من هنا أتوجه اليكم بالأسئلة التالية التي تشمل عدداً من المحاور:

 

يمكن تقسيم الحوار الى اربعة محاور.

 

المحور الاول حول مؤتمر بيروت: دوركم في التحضير والمساهمة، وكيف تنظر لمنتقدي المؤتمر ودوافعهم؟ وما هو برأيك طبيعة الدراسات التي قدمت اليه وانت مساهم اصيل في كتابة الدستور المقترح؟ وعلى هامشها هل هناك من علاقة بين مواقف خير الدين حسيب ومواقفك حول دور الامم المتحدة وما هي حقيقة تصريحكم وانتم في نيويورك قبل يومين من انعقاد ندوة بيروت في قناة الجزيرة وقولكم : لا بدّ من العودة الى الامم المتحدة في حل مشكلة العراق. ولماذا لم توقعوا على النداء الصادر عن ندوة بيروت حول الجهة الوطنية (المنشودة)؟

 

المحور الثاني- ما هي خلفيات انضمامك الى المؤتمر الوطني العراقي، ولماذا انسحبتم منه وما هو دوركم خلال العدوان الثلاثيني عام 1991 على العراق ثم ما هي حقيقة الخلافات بينك وبين الدكتور احمد الجلبي وهل هناك اسباب مالية؟ فقد رددت بعض الاوساط وجود خلاف حول مليون دولار. وهل هناك روابط حالياً بين المؤتمر وبينك؟

 

المحور الثالث - ما هو موقفكم من احتلال العراق وكذلك موقفكم من المقاومة الوطنية المسلحة ومستقبلها وكيف تنظرون الى العملية السياسية المصنوعة من جانب الاحتلال؟ وهل ترى امكانية لحل دولي قادم للوضع في العراق؟ وكيف تنظر الى دعوات المصالحة الوطنية مع من دعموا الاحتلال؟

 

المحور الرابع - دورك في المنبر الشيوعي ولماذا توقف؟ هناك اقاويل واحاديث تتردد بين بعض الشيوعيين على عودة الوئام والمصالحة بينكم وبين حميد مجيد موسى (الامين العام الحالي) والامين العام السابق عزيز محمد وعضو م.س فخري كريم . ما مدى صحة ذلك، هل تطمح في موقع قيادي في الحزب الشيوعي؟ ثم ما هو رأيك بالقيادة الحالية وموقفها من الاحتلال؟ الا تفكر بتجميع قوى اليسار الحقيقي مع آخرين لان فكرة اليسار اصبحت بعد سقوط المعسكر الاشتراكي تعني الانتقال الى حضن واشنطن والمعسكر الغربي بحجة "التجديد" وعدم وجود ثوابت؟

 

اطمح الحصول على اجابتكم بروح الشعور بالمسؤولية والصدق، كما عهدناكم دائماً.

 

********

  

* وأخيراً أقنعتني بضرورة الرد واجلاء بعض الحقائق وايضاح بعض الوقائع وتسليط الضوء على بعض القضايا، خدمة للحقيقة ولوضع الامور في نصابها، كما ذكرت، ولعل ذلك طلب العديد من الاصدقاء. ومع انك نجحت في اخراجي عن "صمتي" لضرورات كما اشرت، فما زلت اعتبر ذلك استثناءً عن المبدأ العام الذي اتمسك به وهو عدم الانجرار الى اية معركة لا تملك مواصفات المعركة الفكرية والسياسية والثقافية وتهبط بمستوى النقاش والجدل الى مستوى الشتائم والاتهامات والشكوك والتركيز على ما هو شخصي بدلاً من توجيه الصراع والخلاف الى ما هو فكري وسياسي وثقافي، ولعل في اي صراع او خلاف حضاري لا بد من التركيز على ما هو عام خصوصاً مناقشة الاراء والافكار والمواقف في حوار معرفي يتسّم بالرزانة والوقار واي نقاش او جدل سوف لا يكون له قيمة تذكر ان لم يتحلّ بمثل هذه المواصفات.

 

 ان سبب احجامي او عدم رغبتي في الرد يعود ايضاً الى الاجواء المحمومة السائدة، التي صاحبتها اساءات ومهاترات وتعريض شخصي. فقد كنت دائماً وربما الان اشد حساسية بسبب العمر ازاء المعارك المفتعلة والتجريحية لقناعتي بعدم جدواها، فضلاً عن ان لا وقت لديّ لأضيعه في الترهات او "القيل والقال" او المشاكل الثانوية والشخصية. ما تبقى لي من وقت وجهد اريد ان استثمره على نحو مفيد ومثمر ولهذا احافظ عليه ولا اريد تبديده او هدره فالوقت كالسيف كما يقال، ان لم تقطعه قطعك.

********

 

اعرف مسبقاً ان الذي يشتغل في العمل العام، ينبغي عليه ارتداء جلد تمساح، فنحن نتعامل مع بشر، وليس قديسين او انبياء، وهناك بلا ادنى شك تعقيدات حياتية وسياسية وامراض اجتماعية ونفسية وتباين وتفاوت في المستويات والاولويات ناهيكم عن التربية والبيئة العائلية. قسم منهم يجهلون الحقائق والوقائع، لعل عذرهم جهلهم، واستذكر هنا قولاً أثيراً للامام علي " الانسان عدو ما جهل"، وبعضهم ما زال يعيش على ثقافة الحرب الباردة ويعتبر اي اختلاف عداء وتناحر وإلغاء خصوصاً في ظل يقينيات ثابتة ومستقرة حد التحجر احياناً، وثنويات جاهزة : الخير والشر، التقدم والتخلف، الوطني والخائن، مع الاحتلال وضد الاحتلال، مع الحصار وضد الحصار، مع الفيدرالية وضد الفيدرالية، مع الديمقراطية، ضد الديمقراطية، مع حقوق الاكراد او ضدها، بعض هؤلاء لا يستطيعون ان يروا التداخل والتفاعل والخطوط الموصولة والمتشابكة.

 

 

 في العهد الملكي تستطيع ان تستقطب الشارع سريعاً، عندما تهتف عاشت الحرية لتتمكن من تجميع جمهور يشعر بالاستلاب ليسير خلفك. اما اليوم فلا احد يسير خلفك ان رفعت الشعار نفسه. اليوم الصورة معقدّة ومتناقضة ومتداخلة. الثنوية تبسيطية وتسطيحية للامور. انت بحاجة الى عقل تركيبي وليس تبسيطي عليك الالمام بظروف الصراع وتفاصيله وتداخلاته.

 

 تستطيع ان تركب ما يلي :

انت ضد الاحتلال، ولكنك ضد الديمقراطية وضد التقدم وضد حقوق المرأة وضد حقوق الانسان، او مع الاستبداد والدكتاتورية. بالنسبة لي اعتبر مثل هذه الوطنية ناقصة.

(او)

انت مع الاحتلال او مهادناً له، ولكنك مع الديمقراطية والحداثة وحقوق المرأة وحقوق الاقليات، فوطنية من هذا النوع بالنسبة لي قاصرة ومقيدة بل مغلولة، حتى وان ارتدت الثوب الديمقراطي.

 ( او)

انت ضد الاحتلال ومع الديمقراطية والتقدم وحقوق الانسان، هنا تكتمل الوطنية بالديمقراطية. الوطنية بدون ديمقراطية تقود الى الدكتاتورية والاستبداد. اما الديمقراطية بدون وطنية فتقود الى الاستتباع وقبول هيمنة الاجنبي. الديمقراطية والوطنية لا بد ان يكون لهما فضاء انساني. هذه هي حصيلة التجربة التاريخية، فالدكتاتورية رغبت او لم ترغب ستنتهي الى معاداة الشعب وستسهل للطرف الآخر الامبريالي التسلل والتسرب خصوصاً لمعاداة الديمقراطية وكبت الحريات. وكان جون كنيدي الرئيس الامريكي الاسبق ومعه تروست الادمغة والعقول قد صرّح بصدد الصراع الايديولوجي مع المعسكر الاشتراكي بنظرية بناء الجسور، التي ستعبرها الافكار والبضائع والسواح لمجتمعات مغلقة تعاني من القهر السياسي وقمع الحريات والاستئثار بالسلطة وغياب التعددية والتداولية السلمية.

 

القضايا مركبة ومعقدة ومتداخلة ولا يمكن تبسيطها، ماذا تقول بمن يبرر الاستبداد واساليبه القمعية بما فيها التشويهية بصورة مباشرة او عبر بعض ذيوله في السلطة وخارجها احياناً وفي الوقت نفسه يريد المزاودة بأنه ضد الاحتلال ولكنه يريد عودة الماضي بل يمارس نوعاً من الابتزاز الفكري من خلال إساءات لمجرد نقد التجربة الماضية. الموقف من الاحتلال سليم لكنه ناقص او غير كاف. واذا لم يتم اعادة النظر بالموقف من الاستبداد ومصادرة حق الشعب وتحديد مسؤولية إيصال الامور الى ما وصلت اليه، فإنه والحالة هذه لا يتحمل المسؤولية الاساسية عن الماضي حسب، بل يتحمل جزءاً من مسؤولية الحاضر ولا وسيلة تمكن الاحتلال من الاستمرار غير التشبث بالماضي وأساليبه. لا يكتمل الموقف الوطني من الاحتلال او غيره إن لم يتزاوج ويتلاقح مع الموقف الديقراطي.

********

 

انا معجب بموقف السيد الصدر من الاحتلال، لكنني لا اخفي تحفظي من موضوع اسلامية الدولة التي يدعو اليها ومن مواقفه من حقوق المرأة والتقدم الاجتماعي ولا يمكنني كمثقف مستقل الا ان انتقد هذا الموقف علناً، ولكن ليس من موقع عدائي ، مثل ما انتقد كل موقف لا يتخذ رأياً صريحاً وواضحاً من قضية الديمقراطية وحقوق الانسان والمبادئ الدستورية في الدولة العصرية، كما انتقد بشدة واقاوم كل موقف او جهة تدعو صراحة او ضمناً لاستمرار الاحتلال او تسهيل مهمته سواءً كانت هذه مواقف لقوى يسارية أو قومية كردية او إسلامية.

 

هذه وظيفة المثقف كما اعتقد ولست هنا بصدد عقد تحالف سياسي لتتم الترضيات وتبويس اللحى والسكوت عن القضايا المبدئية او الدعوة لتأجيلها بحجة وجود الاحتلال. ولعل هناك فارقاً بين حقوق الشعب الكردي الذي اتعاطف مع معاناته السابقة وبين مواقف قيادة الحركة الكردية. وبالنسبة لي فإن الموقف من الاحتلال ومشروعه والتوجه الديمقراطي هو احد عناصر الافتراق في الرؤية والمعيار.

 

البعض يريد تملّق بعض القوى مثلما تريد هي استخدامه وذلك عن طريق ما يعرف بنظرية "التخادم". هي تريد من يشتم الاخرين الذين يتصدون للمواقف الخاطئة التي ما تزال متمسكة بها، عن طريق الارهاب الفكري تطلب من الجميع السكوت عن الماضي ان لم ترغب في تمجيده. البعض يريد استغلال هؤلاء الضعفاء خصوصاً وان الفشل السياسي يلعب دوراً في ذلك ناهيكم عن عزلة سياسية خانقة يعيشونها، فيتطوع للنيل من الآخرين او الانتقاص منهم سواءً بإدراك أو وعي او دون معرفة عواقب مثل هذا التورط على الصعيد السياسي والاخلاقي، ناهيكم عن امكانيات الملاحقة القانونية.

 

 المسألة اصبحت معروفة ولا يمكن التغطية عليها، فهؤلاء محكومون بعوامل مختلفة، بعضهم استنفذ دوره وليس له ما يفعل سوى النيل من اي جهد او موقف مستقل خصوصاً تلك المواقف التي لا تعتمد الرؤية التبسيطية التسطيحية للامور بل تتجاوزها لرؤية مركبة ومتداخلة مما يدفع المحكومين بنظرية المؤامرة الكبرى وادعاء معرفة الخفايا والاسرار لاجتزاء هذا الموقف وتلك الجملة او ذلك التصريح وتحميله ما لا يحتمل. ان ذلك يحتاج الى خيال روائي لا يخلو من امراض وعقد وكوابيس، كلها تشكل رؤيته المتهلوسة وتعكس ازمته هو ومشكلته مع الواقع.

  

اعرف ان للاستقلالية اثمان باهظة في مجتمعاتنا، التي اعتادت على الاستكانة وعدم التفكير واعتبار الرأي المستقل خروجاً عن المألوف وربما مروقاً وانشقاقاً يستحق التخوين والادانة. فالسير مع الجماعة وفي ظلهم، انما يشكل حماية وغطاءً. السير مع القطيع يجنب الفداحة والنقد بكل السهولة والتبسيطية ... انت مع الماضي وضد الحاضر وتريد التبرير، وترفض كل شيء جديد لانه لا ينتسب اليك، ولا تستطيع ان ترى الجوانب الايجابية في الظاهرة المعقدة، المركبة، السلبية من حيث اتجاهاتها العامة والتي تعارضها وتقاومها، لكنك كباحث ومستقل لا يمكن ان تهمل الظواهر الجديدة وتتركها دون دراسة او تمحيص، كما ان عليك الاقرار ببعضها ان كان ايجابياً.

 

 سيعتبر كلامك عن حرية التعبير وحق تأسيس الجمعيات المهنية والسياسية وحق التظاهر والاضراب والكتابة والنشر وكأنه "تزويق" للاحتلال هكذا يفكر العقل التبسيطي خصوصاً ممن ينتمي الى الماضي او من ذيوله، مثلما كانت تفكر المعارضة المتعاونة مع الولايات المتحدة، فهي لا تستطيع ان ترى شيئاً ايجابياً واحداً في الماضي وظلت محكومة بعقدها بل انها اعتبرت كل دعوة لرفع الحصار الدولي الجائر او منع العدوان على العراق وكأنه خدمة للنظام السابق، حتى وان بعض القوى الوطنية ظلت دعوتها مائعة من الحصار التي دعت لرفعه شرط تشديده على النظام.

 

السياسي لا ينبغي ان ينطلق من عقده او من اخفاقاته او من خصوماته، فالكراهية شيئ ذميم ولا يمكنها ان تصنع شيئاً وهي ما تقود صاحبها الى الوقوع في دائرة الفساد الفكري والاخلاقي احياناً، والاصابة بتشوهات وعقد تاريخية لا يمكن الشفاء منها الاّ بترويض النفس واعتماد التسامح والاعتراف بالاخر منهجاً وسلوكاً. ولهذا سوف تكون الاحكام والتقديرات المبنية على الكراهية والكيدية والحقد لا قيمة لها لانها تنطلق من رؤيةٍ تسقيطية مسبقاً تعكس الازمة الاخلاقية لاصحابها وعقدهم النفسية وستكون هذه اكبر واخطر اذا ما رافقها فشل سياسي او مهني او شعور بالدونية الاجتماعية.

********

 

لقد كنت من معارضي النظام السابق وبأعلى صوتي ودون ان اختفي وراء اسماء وهمية، وكنت ضد حربه على ايران عام 1980، ولكن عندما سحب الجيش العراقي قواته من الاراضي الايرانية، لم يعد هناك مبرر لاستمرار الحرب التي كانت في البداية هجومية عدوانية من جانب العراق، ولكن عند انتقالها الى الاراضي العراقية كنت من اوائل الذين صرحوا وعملوا في العديد من المحافل العربية والدولية الى الاخذ بنظر الاعتبار التغييرات التي طرأت على طبيعة الحرب،وادّت الى ان تصبح هجومية عدوانية من جانب ايران ودفاعية وطنية من جانب العراق وتحدثت عن ذلك في محافل ومؤتمرات وندوات واعددت ملفات نشرتها صحف ومجلات كثيرة.

 

الموقف المعارض لا يقدم الحزبي او الطارئ او المؤقت على حساب الوطني والثابت والاستراتيجي، فالوطن هو القضية الاكبر والاهم. يريد البعض اليوم الدفاع عن الماضي (الحزبي) بكل ارتكاباته ومآسيه وجروحه على مستوى الدولة والسياسة وانتهاك حقوق الجماعة والفرد، بحجة ان الخطر هو الاحتلال ولهذا ينبغي السكوت عن كل شيء او تأجيله وكأن المسألة صفقة سياسية دون ان يدركوا ان نقد اخطائنا وتجربتنا كفيل بوضع ارجلنا على الطريق الصحيح، واي علاقات بدون مكاشفة ونقد ذاتي وشفافية ستعيدنا القهقري.

 

 بعض "رفاقنا" الشيوعيين لا يريدون نقد الماضي وما حصل من ارهاب فكري وسياسي على يد المقاومة الشعبية عام 1959 وما حصل من مجازر في الموصل وكركوك وغيرها. ما زال بعضهم متشبثاً بتعليق كل شيء على شماعة القوى الاجنبية وشركة النفط والقوميين والبعثيين "المتآمرين" وينزّه نفسه من تلك الاثام والارتكابات. وكنت قد تناولت تلك المراجعة والنقد الذاتي في احاديث وكتابات، لعل بعضها قد نشر في كراس عام 1994 بعنوان "بعيداً عن أعين الرقيب" مما ثارت ثائرة البعض ضدّي وهو امر طبيعي لمن ظلّ يبرر الماضي ويتشبث به. وكنت قد سبقت ذلك في ندوةٍ في ديوان "الكوفة كاليري" متحدثاً بنقد لتجربتي الشخصية تحت عنوان " محطات بين الثقافة والسياسة".

 

البعثيون يرمون كل شيء على عاتق المؤامرة الخارجية والقوى المتعاونة معها وينسون ما قاموا به هم وما قالوه. كلامهم عن مبررات الحرب والاجماع المصطنع بشنها وبالانسحاب وكذلك الاجماع المصطنع بقصة غزو الكويت عام 1991 ثم الانسحاب منها والرواية الرسمية السمجة عن "قيام حركة ثورية للاطاحة بآل "الصباح" ثم الالحاق والضم، ثم الانسحاب والموافقة بالاجماع بعد الدخول في حرب محسومة النتائج سلفاً، وفيما بعد جاء مسلسل القرارات الدولية المجحف والمذل، كيف تحولت الدولة الى مهرّبٍ وكيف تنازلت التنازل تلو التنازل للقوى الخارجية، لكنها لم تقدم اي تنازل للشعب بإشاعة الحريات وتطبيع الحياة الساسية وتحقيق المصالحة الوطنية والتخلي عن اساليب الاستبداد والاستئثار بالعمل السياسي.

 

 ولا اريد هنا ان اتبجح الان من انني كنت رغم معارضتي ارفع صوتي عالياً في المحافل العربية والدولية ضد الحصار وضد القرارات الدولية المجحفة ولا اريد ان ابالغ هنا من انني كنت اكثر الداعين والناشطين لرفع الحصار واذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر كتابان صدرا لي عام 1994 الاول بعنوان " عاصفة على بلاد الشمس" والاخر بعنوان" بانوراما حرب الخليج- وثيقة وخبر" الاول تضمن فصلاً عن الحصار وتأثيراته والثاني تم تكريسه بالكامل لتفنيد الحجيّة القانونية للقرارات الدولية وللولايات المتحدة التي تقف وراءها ومحاضرات القيتها في لندن وتونس والمغرب ومصر والاردن وعواصم اوروبية، ناهيكم عن عشرات المقالات ومئات التصريحات والاحاديث الصحافية والاذاعية والتلفزيونية وغيرها.

********

 

وبهذه المناسبة استحضر ايضاً ثلاث مواقف تحدثت فيها ضد الحرب على العراق على المستوى الدولي وهذه على سبيل المثال لا الحصر. الاول، إلقائي خطاباً بإسم المجموعة العربية التي ضمت 13 وفداً في طهران نددت فيه بخطط الحرب والحصار وتناولت معاناة شعب العراق وفلسطين (كنت المتحدث العربي الوحيد من المجتمع المدني الذي تحدث أمام الحكومات، بإسم إتحاد المحامين العرب ومنظمة التضامن الأفرو-آسيوي واتحاد الصحافيين العرب ومنظمات مهنية ومراكز ابحاث ودراسات متنوعة (2001)). وكذلك مساهمتي المعروفة في التحضير لمؤتمر ديربن (جنوب افريقيا2001) حول العنصرية والذي أدان الصهيونية واعتبرها شكلاً من اشكال العنصرية والتمييز العنصري (وبالمناسبة فقد كنت الامين العام للجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية ومن مؤسسيها في اواسط الثمانينات) وكذلك مداخلتي في سيؤول (كوريا 2002) التي أثارت ردود فعل أمريكية شديدة عن موضوع الحرب على العراق ومحاججتي من موقع قانوني للقرارات الدولية وبخاصة الهدر السافر والصارخ لحقوق الانسان الذي سببه نظام العقوبات الدولية.

 

ولعلي استذكر هنا كراسة صدرت عام 1999 بعنوان "العراق تحت الحصار" وهي ملخص لحوارات شاركنا فيها الدكتور وميض جمال عمر نظمي وانا بحضور نخبة مصرية متميزة في مركز البحوث العربية والافريقية وقال حلمي شعراوي مدير المركز في تقديمه: لدينا رؤيتان لمفكرين عراقيين معارضين احدهما في الداخل والآخر في الخارج. ويحضرني الآن ندوةً هامة اقمتها في لندن بإسم المنظمة العربية لحقوق الانسان بعنوان" الحصار الدولي والواقع العربي وحقوق الانسان" في عام 1998 وفتح علينا هذا باب النقد والتشهير وهو نقد لا يقل عن النقد والتشهير دناءة الذي حاول بعض الضعاف ترويجه.

 

وفي كل الظروف والاحوال أحاول الاّ انطلق مما هو ذاتي او شخصاني، إذ رغم كل ما تعرضت له إلاّ أنه لم يمنعني اتخاذ الموقف الوطني الذي ينسجم مع قناعتي فمثلاً رغم اكتشافي ان اجهزة النظام كانت تدبر خطة لقتلي في كردستان وقد القت السلطات الكردية القبض على المنفذين واطلعني الاخ كريم سنجاري على جوانب منها لكن ذلك لم يحول بيني وبين الموقف الوطني من الحصار وكذلك موضوع ضرب العراق. كما ان التنكيل بعائلتي واعتقال افرادها جميعاً بما فيهم والدي ووالدتي واخضاعهم لرعب مستمر على مدى يزيد عن عشرين عاماً وقف بيني وبين الموقف الوطني السليم الذي كان عليّ اتخاذه رغم كل الالآم والعذابات.

 

السياسي والمثقف لا ينبغي ان يتعامل مع الامور من موقع الانتقام او الحقد او الضغينة، لان الكراهية اذا ما سيطرت عليه ستحكمه وتجرّه الى مواقف لا يريدها بل ستلحق ضرراً به ولا احد يدعي امتلاكه الحقيقة كاملة ولا احد لا يخطئ وكل القوى السياسية مارست الاقصاء والعزل والاستئصال ولذلك كنت وربما تلك احدى دروسي الشخصية ضد الالغاء والاقصاء والاستئصال والعزل تحت اية حجة كانت.

 

 ومثلما كنت ضد اجراءات الحكومة السابقة بقيادة حزب البعث لالغاء الاخرين وتحريمهم وتجريمهم بقوانين وقرارات تعسفية بما فيها ملاحقتهم بأثر رجعي كما حصل لحزب الدعوة الاسلامي (العميل) كما سمّاه القرار الصادر في 31/3/1980 كنت في الوقت نفسه ضد قانون الاجتثاث الذي اصدره بول بريمر الحاكم المدني الامريكي في العراق واول من صرّح ضده من موقع معارضة هذا القانون الاستئصالي لحقوق الانسان. انا ضد العزل السياسي ، لان الفكر لا يجابه الا بالفكر والحجّة تواجه بالحجّة والدليل بالدليل وليس بقوة القانون او بالتحريم او بالتجريم المسبق على نحو جماعي واخذ البريئ بجريرة المذنب. المرتكبون مكانهم قاعات المحاكم ومنصات القضاء وعدا ذلك فأي اجراء سيؤدي الى ردود فعلٍ ستكون نتائجها سلبية على الحراك السياسي والاجتماعي.

 

لاحظ ان القوى السياسية جميعها تقريباً مارست العزل السياسي ونهج الانفراد والاقصاء وآن الاوان للاقرار بالتعددية الفكرية والسياسية والثقافية، ونبذ اساليب الماضي الاستئثارية وتحريم استخدام السلاح والعنف وسيلةً لفضّ النزاع بين الاحزاب والقوى الوطنية.

  

 العهد الملكي خصوصاً في الخمسينات وعشية إبرام حلف بغداد حاول الغاء المعارضة. الشيوعيون حاولوا الغاء الناصريين والقوميين والبعثيين عام 1959 وهمشوا دور الديمقراطيين والليبراليين والاسلاميين. البعثيون اصدروا بيان رقم 13 يوم 8 شباط (فبراير)1963 القاضي بإبادة الشيوعيين وصفّوا قيادات الحزب وكوادره وزجوا آلاف المواطنين بالسجون مستخدمين جهاز "الحرس القومي" ثم لاحقوا الحركة الكردية وشنوا الحرب ضد الاكراد.وبعد انقلاب عبد السلام عارف ورغم الانفراج النسبي الا انه تم احتكار العمل السياسي من جانب ( الاتحاد الاشتراكي العربي) وحرمان الاخرين منه. الحركة الكردية هي الاخرى مارست العزل السياسي في كردستان عام 1970-1974 وكذلك خلال عملية الاقتتال الكردي - الكردي عام 1994 -1998 ، بعد المناصفة بين الحزبين .بل ان احدها استعان بإيران والآخر بالحكومة العراقية (الاخوة الاعداء ) لبسط نفوذه على حساب الآخر.

 

 وبعد عام 1968 رغم الانفتاح في السنوات الاولى الاّ سياسة القضم التدريجي كانت مستمرة ابتداءً من تصفية التنظيم البعثي الموازي (مجموعة سوريا) الى القيادة المركزية الى الحركة القومية والناصرية الى الحركة الكردية بعد الاستبشار ببيان 11 آذار (مارس) التاريخي عام 1970 الى الحزب الشيوعي وبقية الهوامش السياسية بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية عام 1978/1979 الى الحركة الاسلامية بمختلف تياراتها.

 

الحكام الجدد بمساعدة الاحتلال يريدون اجتثاث البعث بل يتهمون المقاومة ومن يدعمها بالارتباط بالنظام السابق وذلك في محاولة لعزلها وابعادها عن قوى وتيارات داعمة، واستخدام الابتزاز السياسي والارهاب الفكري وسيلة للتعريض بالخصوم السياسيين.

 

******

على صعيد التجربة الشخصية كنت باستمرار ضحية التعبير عن آرائي ومواقفي سواءً داخل الحزب الشيوعي او خارجه علماً بانني لم اعمل خارجه فالمنبر كان امتداداً لتيار الحركة الشيوعية وبخصوص العمل في المؤتمر الوطني فهو عبارة عن تحالف سياسي اي جبهة وطنية وليس حزباً وقد ضم بعد مؤتمر فييّنا حزيران (يونيو) 1992 وصلاح الدين (اربيل) تشرين الاول تشرين الثاني ( اكتوبر- نوفمبر) 1992 الغالبية الساحقة من القوى السياسية العراقية ( الحركة الكردية بحزبيها الرئيسين واحزاب اخرى والحزب الشيوعي والحركة الاسلامية ممثلة بحزب الدعوة والمجلس الاسلامي الاعلى ومنظمة العمل الاسلامي واحزاب اسلامية اخرى اضافة الى تجمعات قومية وديمقراطية واسلامية صغيرة وشخصيات متنوعة).

 

 وبسبب مواقفي المنشورة والمعلنة من ضرب العراق والموقف من الحصار وترسيم الحدود ونقد الارتهان للقوى الخارجية حصل الاحتكاك بيني وبين القوى المتنفذة في المؤتمر، والتي أرادت ابتزازي عندما اعتبرت ذلك دفاعاً عن الحكومة العراقية (لاحظ هنا المفارقة العجيبة ولكن يبدو إن الذين لا يستسيغون الرأي الحر والمستقل ، يرضعون من ثديّ واحد حتى وان كانوا من مشارب مختلفة) المجموعة المتعاونة مع الولايات المتحدة تعتبر الرأي الحر والمستقل دفاعاً عن الحكومة العراقية ، والمجموعة التي تدافع عن الماضي وارتكاباته وذيولها تعتبره دفاعاً عن الاحتلال والعنصر المشترك هو التشكيك والاتهامات الجاهزة .

 

 لكنني لم أكترث وواصلت مواقفي وكنت أول من استقال من المؤتمر لأسباب سياسية كما سأوضح ذلك وليس لأمر يتعلق باختلافات ثانوية أو إدارية أو مالية، كما بيّنت ذلك في مذكرتي التي قدمتها بعد سلسلة مناقشات طويلة في نيسان ايار (ابريل- مايو) ثم في تموز (يوليو) 1993 والمنشورة في مجلة الملف العراقي التي كان يصدرها غسان العطية.

 

التعبير عن الرأي كان اقرب الى اسئلة تداهمني بإستمرار ولا يروي ظمأي اجوبةً لا اراها شافية وكان قلقي وإرهاصاتي الداخلية تكبر معي ولعل لظروف النشأة والتكوين والروافد الروحية والمدينة والعائلة... كل ذلك كان عنصراً محركاً إضافة الى البحث عن الحقيقة بل والتفتيش عنها، بما يقتضي التعبير عن الرأي والجدل واتخاذ موقف. كان ذلك يجلب لي بعض المتاعب لكنني الان سعيد بها لانها كانت صميمية ومبكرّة في حين كنت ارى كيف يتعلم الاخرون فن الصمت، كنت انا مجاهراً ومحاوراً ولدي مواقف باستمرار حتى وان كان بعضها خاطئاً.

 

 اذكر لك حادثة طريفة يا رفيق ابو جلال ( شوكت خزندار) حين تساءلت في اجتماعٍ ضمّ نخبة بينهم صفاء الحافظ وسعيد اسطيفان وجوهر شاويس وهناء ادور وحميد بخش وسهيلة السعدي وخليل الجزائري وكريم حسين وخالد السلام وحميد برتو ونوزاد نوري ومهدي الحافظ الذي كان قد اصبح عضواً في ل.م وآخرين (ارجو ان لا اكون قد أخطأت في احد الاسماء) هل ان السوفييت هم يريدون الجبهة الوطنية ام هو رأي القيادة ثم ما هي الضمانات للحريات والديمقراطية؟ عندها ثارت الدنيا وبعد اخذ الاستراحة جاءني حميد بخش ( ابو زكي ) وطلب مني تقديم اعتذار في بداية الجلسة التالية، لان الامر جد خطير... حاولت ان اناقشه، لكن الامر كان بلا جدوى، وطلبت الكلام عند بداية الجلسة اللاحقة، ولكنني بدل "الاعتذار" ثبّت رأيي الاول وزدت عليه من خلال التوضيح بأن هذا الموقف عرضه احد اعضاء المكتب السياسي في اجتماع رسمي كنت احضره وكنت قد ناقشت الرفيق بوجهة نظري لضمان استمرار اي تحالف لا بد من توفر عنصري الثقة والحريات إضافة الى الحق في النقد وقلت ان ذلك من مسؤوليتنا ونحن اعرف بظروفنا ولا بد من وضع ذلك في سلم اولوياتنا .

 

ومرة أخرى عبّر احد اعضاء ل.م. في اجتماعٍ قائلاً : نحن نقدم المعلومات للرفاق بالقطّارة ويأتي فلان ليضعها كلّها على الطاولة. من اين له هذه المعلومات التي تشكك برأي الحزب وكيف يتجرأ على قولها امام رفاق بمستويات مختلفة؟

 

 في السبعينات تعرضت الى اكثر من عقوبة حزبية بعضها غير معلن وفي الثمانينات نحيت من جميع المسؤوليات وذلك بسبب الرأي. كان الشائع ان الذين يرفضون الذهاب الى كردستان يعاقبون، اما انا فإن اصراري على العودة الى كردستان رغم مرضي آنذاك كان سبباً في انفتاح الصراع على المكشوف مع القيادة الرسمية رغم عدم قناعتي بخطة ما يسمى بالكفاح المسلح، لكنني تلمست محاولات عزلي وتهميش دوري واستشعرت امراً مبيتاً للحركة تمهيداً لتصفية المعارضة الداخلية وعقد المؤتمر الرابع. اعتقدت ان بامكاني ان ألعب دوراً افضل في كردستان قاعدة الحزب الاساسية آنذاك بعد ان توضحت الصورة امامي كاملةً. حوسبت واعتبرت مخرباً وان اصراري على العودة هو دليل رغبتي التكتلية والتخريبية .

 

 وكنت قبلها قد رفضت عروضاً مغرية بتسلم اعلى المواقع والمسؤوليات، اليوم الى عضوية ل.م وغداً الى م.س، فيما اذا وافقت على التعاون مع الكتلة المتنفذة بقيادة عزيز محمد- فخري كريم، لكنني رفضت ذلك لاعتبارات سياسية واخلاقية وقررت خوض الصراع علناً ودون مواربة او اختفاء وراء بعض الاسماء وهكذا حسم البعض موقفه وظل البعض الاخر متردداً، بل ينتظر نتائج الصراع بين مجموعة المنبر وبين القيادة الرسمية بل ان عينه وهو يشجع المنبر على النشر كانت على قيادة عزيز محمد عسى ان تعيده الى مواقعه بل ان بعض هذه العناصر استثمر ضد المنبر التي اصدرت جريدة وكراريس واعلنت مواقف وكونت علاقات عراقية وعربية وعالمية واسعة .

********

 

المنبر كان محاولة فكرية وسياسية علنية للصراع شارك في التأسيس اربعة رفاق ثم صدر بيان بإسم الرفاق الستة حول الحرب العراقية الايرانية وتوسعت دائرتها فيما بعد لتشمل عشرات الكوادر المثقفة. وكانت قد اصدرت جريدة بإسم المنبر من بيروت وكان عددها الاخير من لندن اواخر العام 1990. لقد تبنى تيار المنبر بعض القضايا المبدئية الصحيحة وقدم اجتهادات ومواقف صائبة، لكنه هو الاخر عانى من اخطاء فادحة ولم تكن تلك بمعزل عن امراض المركز المنافس.

 

لقد قلت في نقد التجربة منذ سنوات طويلة ، عندما تشكل تيار المنبر كان لكل منّا اجندته الخاصة ولذلك بعد حين حصل التعارض بين الخاص والعام ، خصوصاً عندما استنفذ التيار اغراضه. لقد حاولنا تقديم قراءة جديدة للماركسية في ضوء تجربتنا العربية والعالمثالثية ودعونا للتجديد واتخذنا موقفاً انتقادياً من الماضي خصوصاً في موضوع التحالفات وقدمنا رؤية جديدة للقضية الفلسطينية كما اتخذنا موقفاً مسؤولاً ازاء اساليب الكفاح والمغامرة والبيروقراطية .

 

 واتخذ تيار "المنبر" موقفاً وطنياً صريحاً وواضحاً ضد المشروع الحربي والسياسي الايراني بعد انتقال الحرب الى الاراضي العراقية، لكن مراهنة البعض على السلطة في حينها اوقعنا في اشكالات زادها اصراره على العودة بطريقة فردية. وكان الاتجاه العام يعتقد بعدم جدوى مثل هذه الحلول وان السلطة لم تغير اساليبها وهي غير مستعدة للتراجع عن اخطائها بل ان غرورها دفعها لمغامرة جديدة باحتلال الكويت وتعريض العراق واستقلاله الوطني ومستقبله بل والامة العربية لمخاطر حقيقية وقد تكون مروّعة وهو ما جاءت الايام على اثباته سواءاً بشن الحرب على العراق بحجة تحرير الكويت ومن ثم فرض حصار دولي وعقوبات جائرة عليه طحنت عظام العراقيين لمدة 13 عام تحضيراً للعدوان ومن ثم الاحتلال البغيض.

 

لو سألتني الآن بعد مرور نحو 20 عاماً عن تجربة "المنبر" هل انت نادم عليها، لقلت لك كلاّ ولكنني أخطأت حين اندفعت فيها في حين كان البعض يمدّ خيوطه باتجاهات مختلفة، البعض مع السلطة والبعض الآخر مع القيادة الرسمية وهو ما انكشف لاحقاً في حين أنني خضت الصراع بنيّة وتوجه صادقين ولاعتبارات مبدئية، وبشجاعةٍ قد اعتبرها اليوم اندفاعاً كان يمكن ان يكلفني حياتي وربما مستقبلي. كان بامكاني التعبير عن رأيِّ من موقع مستقل وليس كجزء من كيان لا يختلف كثيراً عن الاصل.

 *******

حول مؤتمر بيروت، فقد تم تنظيمه من قبل مركز دراسات الوحدة العربية ، وليس لي علاقة بالتدبير والتحضير، وهو لا يتعدى كوني احد المشاركين والدعوة على اساس شخصي ، وقد ساهمت بتكليف في إعداد بعض الدراسات او مناقشتها. اما المنتقدون ودوافعهم فهذا اجتهادهم ان كان الامر يتعلق بالدراسات او العناوين ولربما لبعضهم بعض الاسباب الشخصية لا ادري؟ سنوياً أدعى الى عشرات الندوات والمؤتمرات. لم اسمع صخباً مثل ما سمعت عن ندوة بيروت، التي دعا اليها رجل جليل وعالم اكاديمي فاضل ووطني رفيع وشخص دؤوب ومتفان بكل معنى الكلمة، وهذا لا يعني التطابق السياسي، فالحياة تقبل الاجتهاد والتنوع والاختلاف.

******

 

بخصوص تصريحاتي في نيويورك، فهذه ليست المرة الاولى التي ازور الولايات المتحدة. لقد زرتها عدة مرات وشاركت في ندوات اكاديمية ومؤتمرات والقيت محاضرات وكلها لم يكن لها طابع سياسي على الاطلاق وهي زيارات معلنة وزيارتي الاخيرة التي تم ربطها بندوة بيروت بشكل إغراضي كان موعدها قبل ان تحدد ندوة بيروت، اي منذ اكثر من 5 اشهر وهي دعوة من الامم المتحدة لحضور ندوة في مقرها عن الحد من النزاعات المسلحة. وقدمت هناك مداخلتين رئيسيتين نددت فيهما بالعدوان على العراق كما تناولت موضوع استمرار اسرائيل في عدوانها ضد الشعب العربي الفلسطيني بما فيها بناء جدار الفصل العنصري وتأثير ذلك على النزاع في الشرق الاوسط. فضلاً عن امتلاكها اسلحة دمار شامل.

 

واذا كنت ضد القرارات الدولية بحق العراق والتي بلغت نحو 60 قراراً كلها مجحفة ومذلة ولكن الحكومة العراقية وافقت عليها باستثناء القرار 688، وقد كنت منذ عام 1991 ادعو لتطبيق القرارالمذكور، الخاص بكفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين، وهو القرار الوحيد الذي رفضته الحكومة العراقية بشكل مستمر، وكنت قد اطلقت عليه في حينها ولاحقاً القرار "اليتيم" و"التائه" و"المنسي".

 

وعن موقفي من الدور المنشود للامم المتحدة، فقد كنت ادعو خلال السنتين ونيّف الماضيتين الى دور محوريٍ للامم المتحدة بديلاً للاحتلال وذلك في مخاطبة المجتمع الدولي. وبالمناسبة حتى لو افترضنا امكانية انتصار المقاومة غداً، فلا بد من فترة انتقالية وجدول زمني لانهاء الاحتلال ويمكن والحالة هذه ان تأخذ الامم المتحدة على عاتقها ملأ الفراغ. لقد اسهمت في عدد من الفعاليات والانشطة التي اقامتها الامم المتحدة. كما انني شاركت في تقرير "التنمية البشرية" الذي صدر مؤخراً، بورقة خلفية حول "القهر السياسي والحكم الصالح" وكنت قد دعيت الى ندوات ومؤتمرات بصفتي خبيراً نظمها " البرنامج الانمائي" و" الايسكوا" و"اليونسكو" وغيرها.

 

الحديث عن دور الامم المتحدة خصوصاً وانها رفضت الترخيص ب" شرعية الحرب" او "تفويض: الولايات المتحدة وبريطانيا وما سمي بدول التحالف لشنها نيابة عن المجتمع الدولي، هو حديث قانوني ينطلق من معايير القانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 ومسؤولية القوات المحتلة، وليس كلاماً عاطفياً بل هو على العكس من ذلك كلام مسؤول يمكن ان يسهم في دعم المقاومة ويقلّص من فترة الاحتلال، كما انه جزء من المعركة الديبلوماسية والدولية التي ينبغي خوضها بجدارة ومعرفة اضافة الى الجوانب الاخرى السياسية والاعلامية والمسلحة ويبدو ان المغرضين او الجاهلين لا يتابعون او يستخفون بأي جهد آخر، ولربما لا يهتمون الاّ بسماع ما يريدون وما يرغبون.

******

 

نعم لم اوقّع على نداء بيروت لانني لم احضر الاجتماع اصلاً . بعد انتهاء الاجتماع الاكاديمي الذي نظمه مركز دراسات الوحدة العربية، لم اكن معنياً بالاجتماع الآخر. انني اتعاطى السياسة من زاوية الفكر وليس من زاوية التنظيم او الاعمال اليومية والمسلكية، ولكن هذا لا يمنع من اتخاذ مواقف سياسية وطنية عامة وليست حزبية او جزءاً من تجمع سياسي.

 

 وفي هذا المجال قد اكون واقعياً ولربما متشائماً ان قلت لك ان محاولة عقد جبهة وطنية بالسرعة المطلوبة وربما القياسية لن يكتب لها النجاح وان نجحت سوف لا تكون فاعلة، وانما ستكون شكليّة، فالظروف لم تنضج بعد والحساسيات ما تزال عميقة والجروح فاغرة، رغم وجود الاحتلال وارتكاباته إذ لا يكفي وجود رغبات شخصية وارادوية، أو لتعويض الفشل لاثبات ما لا يمكن اثباته في الظرف الملموس على الاقل. وهذا لا يعني انني ضدّها ولكن هذه هي رؤيتي واتمنى ان تكون خاطئة، ولعل هذا يشكل محوراً في تفكيري التركيبي وغير التبسيطي.

 

إنّ احد اسباب اخفاق جبهة عام 1973، وهي جبهة حقيقية بكل معنى الكلمة ولها من المقومات والاسس الشيئ الكثير، وليس جبهة تلصيقية، هي انّ القوة المؤتلفة لم تقدم نقداً ذاتياً ولم تتم فيها مكاشفات ومراجعات للماضي، وكان كل طرف "ينام على الجنب الذي يريحه" كما يقول المثل، ويترك الطرف الآخر يتقلّب بالهواجس والشكوك والظنون. وفي حديث متواصل مع د. وميض نظمي كنّا نستعرض المواقف المتناحرة، لماذا ساهم الحزب الشيوعي في تأجيج الشارع ضد القوى القومية وكذلك في دفع الامور لاعدام رفعت الحاج سرّي وناظم الطبقجلي وهما من قادة ثورة 14 تموز (يوليو)1958، ثم لماذا اندفع حزب البعث في اعمال القمع والقتل بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 وصولاً الى قتل سلام عادل امين عام الحزب وجمال الحيدري ومحمد حسين ابو العيس وتوفيق منير وعبد الرحيم شريف وحسن عوينة وعشرات من قيادات وكوادر الحزب الشيوعي.

 

ويمكن التساؤل بمرارة: لماذا وافقت بعض قيادات الحزب الشيوعي الادلاء بشهاداتها في محكمة الشعب برئاسة المهداوي عن علاقاتها مع قياديين بعثيين في جبهة الاتحاد الوطني او في العلاقة المباشرة قبل ثورة تموز (يوليو)؟ وكيف قام قياديون بعثيون بممارسة التعذيب او الاشراف عليه في سجن قصر النهاية ضد شيوعيين قياديين؟ هذه قضايا مهمة وحساسة تخطّت البعد السياسي لتنتقل الى البعد الانساني والاخلاقي والقيمي. كان لا بد من مراجعتها ونقدها والاعتراف بتقصير وخطأ وارتكاب كل طرف تمهيداً لبناء علاقات سليمة.

 

لهذا اقول من دون النقد الذاتي والمراجعة فضلاً عن توفر العامل الموضوعي والذاتي، ووجود قوى حقيقية وليس افراد محبطين او جماعات غير منسجمة او لمجرد شعارات قد يكون عفا عليها الزمن او تجاوزها لا يمكن الحديث عن تجربة حقيقية.

 

وباستعادة قراءة التجربة الماضية يمكن التوصل الى تحديد بعض المسؤوليات، فمن جهة السلطة والحزب الحاكم، ولولا الانفراد والاستئثار والسعي لنزع استقلالية الاخر والشعور بالغرور والاستعلاء والخوف من تعاظم نفوذ "الحليف" وبالتالي ممارسة اعمال قمع ضده وضد عموم الحركة الوطنية شملت حتى قيادات من الحزب الحاكم، وفيما بعد التراجع عن النهج السياسي، فقد كان لها مقومات الاستمرار. ومن جهة اخرى فإن استعراض العضلات وعدم حساب توازن القوى ناهيكم عن القصور في فهم طبيعة علاقة معقدة ومركبة مع السلطة من جانب الحزب الشيوعي دفعت الامور الى المزيد من التعقيد والاشتباك، وكانت الخسارة فادحة على الطرفين بل وعموم الحركة الوطنية. السلطة تتحمل المسؤولية الاساسية وكان بامكانها تجنيب البلاد كوارث لاحقة لو استمعت على صوت العقل والحكمة وقدمت العام على الخاص.

 

لهذا اقول ان الظرف لم يحن بعد لعقد او ابرام الجبهة المنشودة ، لا من حيث المفاهيم ولا من حيث التوجهات، ولا من حيث الاهداف المعلنة او الاجندات الخاصة، ناهيكم عن عدم توفر بيئة او مناخ للنقد الذاتي. الجبهة لا تتم بالمراضاة، انها عقد اجتماعي سياسي تاريخي، تؤسس لمرحلة لاحقة ولا بد ان تمتاز بالتعددية والشفافية وتعزيز القيّم والمبادئ الديمقراطية. اي انها عمل استراتيجي بعيد المدى وليس عملاً تكتيكياً عابراً او تحقيقاً لطموحات فردية او تعويضاً لانكسارات سياسية او استجابة لرغبات ايجابية.

 

واستحضر هنا حديثاً قديماً مع الصديق صلاح عمر العلي ، فقد روى لي ان حزب البعث طرح مشروع جبهة وطنية بناءً على قرار مؤتمر قومي واجرى بعض الاستكشافات والاتصالات مع بعض القوى خصوصاً بعد عدوان 5حزيران (يونيو) عام 1967، فماذا كانت النتيجة؟ : الشيوعيون متحفظون ولديهم الكثير من الحساسيات ضدّنا، المنشقون (يقصد مجموعة التنظيم البعثي الموازي- المؤيد لسوريا) كانوا خصومنا الالداء، القوميون لا يثقون بنا كثيراً، الحركة الكردية لديها شكوك ومخاوف، وهكذا انغلق امامنا الافق... ويستطرد العلي (ابو عمر) لينقل تعليقاً لاحد "الظرفاء" من داخل القيادة الذي قال: اذا كان الجميع لا يوافقون على عقد الجبهة، فلم يبق امامنا سوى التحالف مع " الامن" وهو تعبير مجازي ساخر يعكس تخندق القوى آنذاك. وهكذا هو الظرف الراهن، فرغم وجود الاحتلال، لم ترتق بعض القوى الى مستوى المسؤولية والبعض الاخر يريد ان تتحقق اية صيغة ومهما كان الامر ،حتى وان كان على الورق او شكلياً.

*******

 

أما عن تأسيس المؤتمر الوطني العراقي، فهو يعود الى ان لجنة العمل المشترك التي تاسست في 27/12/1990 التي قررت بقواها الخمسة الاساسية (التي لها حق الفيتو): وهي حزب البعث (سوريا) والحزب الشيوعي والمجلس الاسلامي الاعلى وحزب الدعوة والجبهة الكردستانية (الحزبان الكرديان البارتي والاتحاد) عقد مؤتمر وطني عام بعد مؤتمر بيروت آذار (مارس) 1991 . وكانت لجنة لندن قد تبنت الامر واجرى مسعود البارزاني اتصالات مع اديب الجادر وبحر العلوم وهاني الفكيكي واحمد الجلبي ومهدي الحافظ في فيينا وآخرين وتقرر الدعوة لعقد المؤتمر، لكن مجموعة لندن حاولت توجيه الامور الوجهة التي ارادت، وعقدت عدة اجتماعات في لندن.

 

 وكما هي العادة في التجمعات العراقية كان فريق يخرج وآخر يدخل، وهذا يحتج وذاك يطالب. وكلفت انا بكتابة التقرير السياسي والمهمات البرنامجية. وهو تقرير حتى لو اردت ان تستعرضه الان بعد نحو 14 سنة سترى انه بخطوطه العريضة يتخذ مواقف ايجابية وواضحة بادانة القرارات الدولية والحصار الدولي وينتقد الولايات المتحدة، كما يدعو الى الديمقراطية والتعددية وحق تقرير المصير وحقوق الانسان وغيرها. ولعلها تشكل رؤيتي الشخصية. وفي الاسابيع الاخيرة اخذت لجنة لندن على عاتقها تنظيم المؤتمر بعد تحفظات مجموعات سوريا. انعقد المؤتمر في فيينا واختار قيادة من 17 عضواً كنت من بينها.

 

ثم بادر البارزاني الى دعوة قوى من بقايا لجنة العمل المشترك وخارجها الى عقد اجتماع في صلاح الدين. وانعقد الاجتماع التحضيري بمشاركة حزب البعث سوريا (مهدي العبيدي) القوميون العرب (مبدر الويس واللواء حسن النقيب) حزب الدعوة (ابراهيم الجعفري) المجلس الاسلامي (السيد محمد الحيدري وهمام حمودي وعادل عبد المهدي فيما بعد) الوفاق (اياد علاوي) الوفاق الديمقراطي (راشد الحديثي- مجموعة صلاح عمر العلي) المجلس العراقي الحر( الدكتور القزاز) الحزب الشيوعي(دكتور رحيم عجينة) الحزبان الكرديان (مسعود البارزاني) اضافة الى مشاركة من جلال الطالباني وكذلك فؤاد معصوم وفلك الدين كاكائي وآخرين.

 

كنت قد كتبت صيغة البيان الختامي الذي اعلن فيه انعقاد مؤتمر صلاح الدين بعد شهر من تاريخ الاجتماع. وافق اعضاء لجنة البيان الختامي على النص دون تعديلات تذكر وهم: ابراهيم الجعفري، رحيم عجينة، كمال فؤاد وفلك الدين كاكائي. انعقد المؤتمر بعد شهر وحضره الجميع باستثناء البعث السوري وخرج بصيغة بيان ختامي كتبته انا ايضاً فجر انتهاء اعمال المؤتمر. انتخب قيادة من ثلاث شخصيات هم: البارزاني، النقيب وبحر العلوم ( مجلس الرئاسة) ومجلساً تنفيذياً يتألف من 25 عضواً رئيسه دكتور احمد الجلبي ونوابه هاني الفكيكي وهمام حمودي ولطيف رشيد، وكنت انا اميناً للسر والاعضاء هم: اياد علاوي، وعبد الرازق الصافي وطالب شبيب وهوشيار الزيباري وممثلين عن حركات سياسية صغيرة ومستقلة ، اضافة الى الحركة الكردية والحركة الاسلامية بشقيها.

 

بعد اقل من ستة اسابيع حصل الاحتكاك الاول مع المؤتمر حين صرّح الجلبي بتأييد ضرب العراق بعد قصف يوم 13/1/1993 . فصرحت انا بالضد للاذاعة في لندن وقلت هذه قرصنة ولا علاقة لها بالقانون الدولي والشرعية الدولية التي تتشبث بها الولايات المتحدة، وقلت لو كانت الولايات المتحدة جادة لكانت قد دعت لتطبيق القرار 688 بدلاً من تعويمه والاصرار على تطبيق القرارات الخاصة بالعقوبات والحصار. ثم حصل الاحتكاك الثاني حين تقدمت بحضور مسعود البارزاني بمطالعة حول عزلة المؤتمر وارتهان ارادته وارسال وفد بإسمه يطلب من الامم المتحدة تشديد الحصار بدلاً من الدعوة الى الغائه كما ورد في وثائقه وتناولت ايضاً الاساليب الفردية والارتجالية والغموض في ادارته مما يزيد من الشكوك. ثم حصل الاحتكاك الثالث الفاصل حين تقدمت بمذكرة رسمية وزعتها على الاعضاء وقدمتها الى الرئاسة في اربيل- صلاح الدين تموز( يوليو) 1993 وضحت فيها رؤيتي واختلافاتي (المذكرة منشورة في الملف العراقي) كما جرت الاشارة اليها في عدة صحف وحددتها ببعض المطالب. عندما لم يتم تنفيذ ما ورد في المذكرة وقال الجلبي في حينها الكل يوافقون على تغيير سياسة المؤتمر، قلت انا امثل الاقلية لانني متمسك بالوثائق ولهذا يعاد التعايش يصبح مستحيلاً، وهو ما ذكرته في نص الاستقالة.

 

رغم مناشدات مسعود البارزاني وحسن النقيب وجلال الطالباني ومحمد بحر العلوم بتأجيل استقالتي لكنني اصريت على تقديمها حتى وان تأجل الامر شهر آخر وذلك بهدف اجلاء الموقف واعلان عدم تحمل مسؤولية سياسات المؤتمر، اذ ان الاعتبارات المعيارية والاخلاقية والوطنية يصعب علّي مخالفتها. المسألة كانت محرجة ففي الوقت الذي كنت فيه على وشك قطع صلتي بالمؤتمر كان عامر عبدالله يدخله بصفته ممثلاً للسنّة وكان نوري عبد الرزاق يشتغل له بحماس بفتح مكتب سري في القاهرة وبعد اشهر كان حميد مجيد موسى يدعو الجلبي لاطفاء شمعة الحزب السيتينية في اربيل آذار (مارس) 1994 .

 

لذلك تركزت الحملة ضدي وقيلت في وقتها وليس بمعزل عن تشجيع بعض رفاقنا القدامى خوفاً من المزاودة على الوطنية المبتذلة قضايا مضحكة منها علاقات خاصة مع المسؤولين العراقيين ولقاءات في قبرص ( 42 او 44 مرة) خلال اقل من ستة اشهر، وتشهير شخصي واجتماعي، والاّ لماذا انسحب من المؤتمر في حين كان الاخرون يتهافتون على بركاته خصوصاً وانا امين السر واستثمرت الاسابيع الاخيرة لوجودي في المؤتمر بعد تقديم استقالتي الصامتة بالتنديد بسياساته وادانة الحصار ومواقف الولايات المتحدة الازدواجية والانتقائية. وكنت قد اعطيت مقابلات للصحف والمجلات العراقية والعربية، اتذكر منها الوفاق وجريدة حزب الدعوة والرأي الآخر فيما بعد قلت فيها: المؤتمر مؤتمران، الاول مؤتمر الواجهة العلنية الذي عملنا فيه وله وثائق، مهما كانت الملاحظات حولها والثاني هو مؤتمر "المنظمة السرية" بتداخلات خارجية تديره جهة غير معلومة يشتغل فيها موظفون يعملون لصالح مدير الشركة وهم غير معروفين !!

********

 

قلت ان المؤتمر مخترق من جميع الاجهزة الامنية والمخابرتية العراقية والاقليمية والدولية بما فيها الموساد الاسرائيلي . ولا اخفيك السر انني تعرضت الى تهديدات شفوية ومكتوبة مباشرة وغير مباشرة وضغوط كثيرة بهدف اسكاتي. واذا ما اسعفني الوقت سأكتب عن كل التفاصيل التي اعرفها خصوصاً ذات الابعاد السياسية والفكرية ، التي تؤشر الى تلك الظواهر الخطيرة والتي دفعت بمثقفين وسياسيين ينهون حياتهم وما تبقى من عمرهم لتوقيع عقود مع البنتاغون عشيّة العدوان على العراق.

********

 

ولكن مع كل ما حصل فإن العلاقة الشخصية سواءَ مع الجلبي او الطالباني او البارزاني او بحر العلوم او النقيب او حميد مجيد موسى او عزيز محمد او الجعفري او السيد الحكيم او غيرهم من القيادات ظلت ودية وفيها نوع من الاحترام، مع انني لم اترك مناسبةً منذ قطع صلتي بالمؤتمر الاّ ونددت فيها بالحصار وخطة الحرب وسياسات الارتهان والتعويلية .

 

الان لو سألتني هل كان ذلك ضرورياً ؟ وهل كنت بحاجة الى خوض تلك التجربة؟ لقلت لك: نعم ولا ، نعم لانني خرجت منها وانا اكثر ثقةً بوطنيتي ونزاهتي وبشخصي وقد اطلعت على حيثيات وخصوصيات ومعلومات زادتني خبرة. ولا لأن التجربة كانت مريرة ويعوزها معيار اخلاقي وخمول للضمير واستخفاف بالوطنية لاحظته على سلوك وتصرفات عدد غير قليل من الطامعين السياسيين والضعفاء شخصياً. كان يمكن بعد تقاطعاتي ان استقيل بهدوء وان اترك الامر، لكنني فضلت انذاك وربما خطأً ،المجابهة والتحدي، وتغلبت عليّ نزعة السياسي على نزعة الباحث والاكاديمي.

 **********

 

بصدد موقفي من العدوان الثلاثيني على العراق كما تسأل فقد القيت خطاباً في الهايد بارك في تجمع كبير يوم 19/1/1991 نددت فيه بمبررات ضرب العراق، رغم انني كنت ضد غزو الكويت وكنت قد كتبت مقالات في صحيفة القدس العربي والحياة اللندنيتان عدة مقالات تحدد موقفي من الحرب والقرارات الدولية. إختتمت خطابي بالدعوة الى اقامة نظام ديمقراطي في العراق وحماية بلدنا من الامبرياليين والصهاينة (الخطاب محفوظ صورة وصوت في لندن). وظلت مواقفي وهي منشورة اضافة الى حوارات اذاعية وتلفزيونية تدين العدوان.

 

ورغم تأييدي للهبة الجماهرية لمساءلة المتسببين في الحرب وما دفعه الشعب العراقي من اثمان باهظة بسبب المغامرة ومن ثم الدخول في حرب محسومة النتائج سلفاً، الاّ انني كنت من اوائل المنتقدين لشعارات الانتفاضة وممارساتها خصوصاً الابعاد الدينية والطائفية حين كتبت مقالة بعنوان ( نهاية حرب... بداية حرب).

 

لقد انعقد مؤتمر بيروت في آذار (مارس)1991 ولم احضره لعدم تمكني من السفر لاسباب فنية فيزا وتأشيرات وغير ذلك، اما المؤتمر الوطني فقد تأسس بعد ذلك بسنة وثلاثة اشهر. كان مؤتمر بيروت مدعوماً من المملكة العربية السعودية وسوريا وضم اضافة الى الخمسة المذكورين في لجنة العمل اثنين هما: تنظيم الوفاق (اياد علاوي، صلاح عمر العلي، تحسين معله، صلاح الشيخلي واسماعيل القادري) وكذلك المجلس العراقي الحر (سعد صالح جبر ومجموعته). هذه هي الخارطة السياسية العراقية آنذاك. الحكومة والبعث كانا لوحدهما ولم يكن لديهما حلفاء ولم يكن لديهما اي استعداد للانفتاح او المراجعة. كنت اناقش مع بعض الاصدقاء الذين ذهبوا الى احدى السفارات العراقية ليعبروا عن تضامنهم ضد العدوان، وتلك احدى مشكلات المنهج الاحادي التبسيطي الذي ظل يهيمن على التفكير السياسي العراقي وما يزال لحد الان.

********

 

لقد سمعت قصصاً خرافية وربما اساطير مثيولوجية عن خلافات مالية، وانت تدرك حين يسمع البعض رنين المال لا يسيل له اللعاب فحسب بل تسيل له الرؤوس احياناً، فما بالك بحديث اليقين عن مليون دولار، فكيف سيكون الاستعداء والاستهداف ان لم يكن بهذه الطريقة، والامر شأن مخابراتي قديم فالحاكم دائماً يلوح بكيس النقود مثلما يلوح بالسيف. ولعل ذلك من ذيول وبقايا الاجهزة القديمة التي لم يبق لها وسيلة خصوصاً وهي مخلوعة سوى الاستعانة بنفرٍ وعن طريق التخادم للنيل من اي موقف استقلالي يعارض المنهج التبسيطي. واقول لك حدّث العاقل بما لا يليق فان صدق فلا عقل له.

 

لعل الامر اعقد من الخلاف المالي او الاداري بكثير فكل الخلافات من هذا النوع يجري تسويتها عادةً خصوصاً بوجود "مرجع" هو الذي ينعم ويمكن ان تعم بركته كل الاطراف الا من كان موقفه واضحاً وصلباً ازاء الارتهان الخارجي والصلات بالاجهزة اياً كانت وتحت اي تبرير او ذريعة. يبدو ان البعض كان ينام نومة "اهل الكهف"، فهو لا يقرأ ولا يسمع ولا يرى. لعله كان مغيباً او مجمداًُ او مخدراً بخطب رثّة واجواء احادية، وفجأةً سمع بالضجيج من حوله واكتشف اية هوّة سحيقةٍ تفصل بينه وبين العالم، فحتى جهاز الستلايت والكومبيوتر والانترنت كانت من المحرمات. ان اجواء الاكفهرار كانت مخيمة والشك والخوف كانا سائدين ولذلك لم يميّز البعض بين الغث والثمين خصوصاً وانه تعرض لحملة تضليل منهجية .

 

انقل لك هذه الحقيقة الفاقعة ، وهي ليست دعابة ، انها تعكس العقل التبسيطي الاحادي، فقد التقيت مع احد المسؤولين الحكوميين الكبار على هامش احد المؤتمرات الدولية، وتصافحنا وتبادلنا التحيات وسألته وسألني وورد اسم الاخ صلاح عمر العلي فشن اخونا هجوماً عليه لانه مليونير ومتنعم ويغمزعلاقاته الدولية ( قلت له حاله مثل حالي اقل قليلاً او اكثر قليلاً ) ثم اردفت : لقد كنت اتوقع ان لديكم معلومات كاملة عن الشخصيات العراقية، فإذا كان صلاح عمر العلي وهو عضو قيادي وموقفه معروف ومعلن من الحصار والعدوان لا تعرفون عنه، فما بالك بشخصيات اخرى ... ولانه يثق بي فقد ابدى استغراباَ من معلوماتهم، ثم اعتذر وابدى اسفه وطلب مني ابلاغ ابو عمر (العلي ) تحياته، فقلت له سأروي له القصة كاملةً وكما حصلت ... وفعلت ذلك عند لقائي بصلاح .

 

قلت له الامر لا ينطبق على صلاح العلي وحده، بل على ستار الدوري وحامد الجبوري وماجد السامرائي وفارس العاني وارشد توفيق وآخرين ، قال ابلغهم جميعاً تحياتي ... قلت له ما رأيك ان تأتي الى بريطانيا للحصول على اللجوء السياسي، قال اتريدني ان اصبح عميلاً ! قلت وهل نحن عملاء ؟ قال حاشى، لكن بعض جماعاتنا اصبحوا كذلك ...قلت ان الامر لا يخلو لدى كل الجهات ولكن لا ينبغي التعميم ، فقد ساعدت العديد منهم في الحصول على اللجوء، وفي الوقت الذي كان فيه البعض ينعم بالراحة ، كنت اجاهد على كل المستويات العربية والدولية لمساعدة العراقيين وانقاذهم في الحصول على لجوء كريم وفقاً للقوانين الدولية. واستطيع ان اقول بتواضع انني ساعدت نحو 7000 (سبعة آلاف) عراقي ونحو الف عربي في الحصول على اللجوء .

*******

 

لقد كان البعض في الخمسينات وفي الستينات يشكك حتى بمن يزورون امريكا وبريطانيا فما بالك بالذين درسوا او اقاموا، فهؤلاء ان لم يكونوا (عملاء) فهم مشاريع ولعل كل من درس بموسكو او براغ او برلين او صوفيا فقد يكونوا اعضاء في المخابرات السوفياتية "ك.ج.ب."، انها مرة اخرى النظرة المسبقة التبسيطية والتسطيحية ، وتلك مشكلة العقل العراقي السياسي خلال الحرب الباردة وما بعدها .

 

الشيئ بالشيئ يذكر فقد استحضرت ايضاً حادثة طريفة حين علّق "احد الخبثاء" على آرا خاجادور، الذي قال انه يعرف كيف الوصول الى بيت عامر عبدالله ، لكنه اضاع الطريق ولم تنفع كل محاولاته للاستدلال بالقول : لقد كنت اعتقد بانك تعرف بيوت ال "س أي إي" في واشنطن ونيويورك بيتاً بيتاً واذا بك تعجز للاستدلال على بيت رفيقك، في اشارة رمزيةٍ الى عجز جهاز امن الحزب .

 

الحزبي احياناً لا يكترث بصحة المعلومات طالما انها تمس الخصم، فهو يعيش على الاشاعة وتلك مواصفات العمل السري، المعزول عن المحيط الخارجي، الذي يعيش على التقارير وفي الاوكار ويخاف الاختراقات. اليوم كل شيئ اصبح مكشوفاً ومعلوماً وليس هناك طلاسم الاّ لمن يريد ان يستظل بفيئها ويقنع نفسه بأهميتها حتى ان كانت اكاذيب او اوهام .

********

 

اما حول الموقف من الاحتلال فقد كنت من اوائل الذين تحدثوا عنه قبل وقوعه خصوصاً بدحض مبرراته قانونياً وكنت اشعر كم ذلك كان محرجاً لدعاته من العراقيين الموالين للولايات المتحدة او المعّولين على المشروع الخارجي. وقد تحدثت عن المقاومة قبل اندلاعها عشية ضرب العراق، ويمكنك الرجوع الى صحيفة القاهرة التي يرأس تحريرها المفكر صلاح عيسى وقلت ما نصّه : اذا بدأت الحرب سوف لا تطول وقد لا تستغرق سوى ثلاث اسابيع او اكثر، رغم انني لست عسكرياً ولا معرفة لي بالعلوم العسكرية، ولكنني استقرأ الامر سياسياً ومن خلال معطيات كثيرة، فالنظام سيسقط، ولكن الامريكان سوف لا ينعموا بالتمتع بشمس بغداد الذهبية، فسرعان ما ستنطلق مقاومةً ضارية ضدهم، وقد لا يحتاج الامر الى ستة اشهر ليشهدوا ما الذي سيحصل؟

 

وقلت لصحيفة القدس العربي في استطلاعٍ لراي المثقفين العراقيين : الشعب الذي لا يقاوم محتليه هو شعب من العبيد، ولا اظن ان الشعب العراقي كذلك .... انه شعب نابض بالحياة والحيوية ويريد الانعتاق والحرية لذلك سيقاوم ( كان ذلك عشية الحرب والعدوان).

 

هذه مجرد استذكارات سريعة. ومن يشاهد التلفزيون يعرف مواقفي جيداً، فقد ظهرت على مدى السنتين ونيّف الماضيتين في اكثر من عشرين محطة تلفزيونية. كما كتبت عشرات المقالات والدراسات على امتداد الوطن العربي وشاركت في عشرات الندوات والمؤتمرات لادانة الحرب والعدوان.

********

 

وحول المصالحة الوطنية كنت اقول دائماُ انها ضرورة وهي اليوم اشد الحاحاً. البعض، وانطلاقاً من نظرية العزل، يريد ان يستثني القوى التي تعاطت او تعاملت مع الاحتلال ومؤسساته، ويعتبرهم جميعاً خونة وعملاء وجواسيس ويريد الاقتصاص منهم. هكذا بالجملة يضع الحزب الشيوعي والحركة الاسلامية بشقيها الرئيسيين والحركة الكردية بحزبيها الاساسيين وقوى اخرى في خرج واحد .

 

مرةً اخرى هذه هي النظرة التبسيطية. انا اختلف مع هذا المنهج ، فباستثناء القوى المدعومة مباشرةً من الاجهزة الدولية وهي معروفة ولا تتستر حتى على نفسها، فإن بعض القوى الوطنية وبخاصةٍ قياداتها اتخذت مواقف خاطئة والحقت ضرراً بالقضية الوطنية خصوصاً تعاملها مع الاحتلال. ولكن عند عدولها عن مواقفها وتقديم نقد ذاتي لسياستها سيكون من غير الصحيح عدم دعوتها لاجراء المصالحة الوطنية. ولا بد من تشجيعها على اعادة النظر وتعزيز موقفها بالابتعاد عن الاحتلال وتحميلها مسؤولية الاستمرار معه. الذين اتخذوا قرار تدمير الفلوجة واستباحة الموصل وقصف النجف واستلاب مدينة الثورة (الصدر) هم غير اولئك الذين كانوا ملحقين او ساكتين او مغلوبين على امرهم .

 

بالمقابل فإن البعض الآخر يعتبر البعث وما قام به من ارتكابات وجرائم ومجازر لا يستحق المصالحة، بل يستحق القصاص خصوصاً سياسات القمع والارهاب ضد الحركة الوطنية والكردية وتهجير نحو نصف مليون عراقي بحجة التبعية الايرانية، ناهيكم عن سياسات الحروب والمغامرات التي جلبت الينا الامريكان الذين استكملوا تدمير العراق ونهب ثرواته. انا اختلف مع هؤلاء ايضاً واقول ان قانون الاجتثاث يأخذ البعثيين بالجملة ولا يميز بين المرتكبين والابرياء. البعث جزء من تاريخ العراق السياسي والفكر لا يجابه الا بالفكر والعزل السياسي سيلحق ضرراً بالوحدة الوطنية.

********

 

اما عن الاقاويل والاحاديث حول عودة الوئام والمصالحة بيني وبين قيادة الحزب الممثلة بحميد مجيد موسى وعزيز محمد وفخري كريم، فأود ان انتهز هذه الفرصة للقول انه رغم خلافاتي الشديدة ، لم تنقطع صلتي بالقيادة الشيوعية وكذلك بالقيادة الكردية والاسلامية، رغم انني وضعت مسافةً واضحةً وبالخط الاحمر بعد الاحتلال، لكن العلاقة قائمة ومستمرة وفي الوقت نفسه النقد قائم ومستمر بكل الفترات.

 

كنت التقي عزيز محمد وحميد مجيد موسى وكريم احمد ورحيم الشيخ وكمال شاكر وسامي خالد وجلال الدباغ و ملاّ حسن وآخرين من القيادة عند زياراتي العديدة الى كردستان لالقاء محاضرات في جامعة صلاح الدين " لطلبة الدراسات العليا" واتبادل معهم الرأي واناقشهم. وكنت قد كتبت رسالة الى الرفيق حميد البياتي "الامين العام " حول موقف الحزب من الحرب وشجعته على اتخاذ موقف اكثر حزماً واكثر وضوحاً خصوصاً وأن هذه الحرب ستجر الويلات على العراق والمنطقة، ولكنني لم اتلق جواباً، ورسالتي محفوظة وسأنشرها في الوقت المناسب، كما وجهت رسالتين الى البارزاني والطالباني بالاتجاه ذاته، لكنني لم اتلق جواباً ايضاً على غير العادة، ولعلي ادركت حجم الالتزامات السياسية والدولية وما يرتبه جوابهم على رسالة مثقفٍ متعطش للحقيقة يعيش همّ وطنه بدقائقه. رسالتي الى الحزب الشيوعي سلمتها باليد الى سلم علي (عضو م.س) والى فؤاد معصوم (عضو قيادة أوك ) والى أحد قيادي حدك .

 

وتسألني هل أطمح بموقع حزبي؟ وأجيبك لقد عُرض عليّ مثل هذا الموقع قبل نحو ربع قرن يوم كان الموقع مغرياً والاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية في عنفوان ظاهري والامتيازات يسيل لها لعاب الكثيرين، وحيث كانت اغلبية القيادات والكوادر"تبلع" ألسنتها، كنت أنا ارفض تلك الصفقات التي اعتبرتها وكأنها امتداداً لسوق الشورجة أو سوق الحميدية، وذلك لاعتبارات اخلاقية ومبدأية.

 

كنت في العام 1980 ومنذ قدومي من العراق مسؤولاً عن العلاقات الوطنية وممثل الحزب في العلاقة مع القيادة السورية ونُسبت مع عبد الرزاق الصافي لتمثيل الحزب في الجبهة الوطنية (جوقد) ومنسقاً للجنة الوطنية العراقية للسلم والتضامن ، وفي كردستان كنت مسؤولاً عن منظمة الاعلام المركزي وعضو مكتب العمل الايدولوجي المركزي، وعضو هيئة تحرير الاذاعة ومشرفاً على تنظيمات الشبيبة والطلبة في لجنة التنظيم النقابي المركزي وعضو في لجنة الاعلام المركزية للجبهة الوطنية الديمقراطية وغيرها، وبعد ان رفضت الصفقة التي كانت تشترط قطع صلتي ببعض الرفاق وعدم معارضة السياسة السائدة تم تنحيتي من جميع هذه المسؤليات. اذا كان هذا ما رفضته سابقاً فكيف اقبله الآن خصوصاً ان مياهاً كثيرة قد مرّت من تحت الجسور كما يقال.

 

العلاقة الخاصة والودية مسألة انسانية، ولا اذيع سراً اذا قلت إنني اصبحت أرى في عزيز محمد شخصيةً وطنية عامة وله دور مهم على صعيد كردستان ويستطيع ان يلعب دوراً توفيقياً بين الفرقاء، ربما لم يكن بمستطاعه ان يلعبه لو بقي اميناً عاماً للحزب الشيوعي.

 

 

وحول القيادة الحالية والسابقة للحزب بمن فيهم معارضوها، فإنه يمكنني القول وبإخلاص وتجرد الآن، انها كانت ضعيفة التأهيل، قليلة المعرفة، متلقية وغير مبادرة وتفتقر في الكثير من الاحيان الى الشجاعة الادبية، ناهيكم عن تسلطيتها وبيروقراطيتها، ولربما يعود قسم من ذلك الى ظروف العمل السري وكبت الحريات والملاحقة لكن ذلك لا يمنع من القول بنضاليتها وتفانيها ودرجة تحملّها الصعاب.