عيدنا الرابع والأربعون
د. طالب البغدادي
يا من تلاقت روحها بتبصّري علّ الهوى بنسيمه المتعطـّر ِ
يحي لنا أملاً نروم لوصله أن نلتقي في روضنا المتزهـّر ِ
أن نلتقي عرساً ببغداد التي غَدَرَ الزمان بزهوها المتنوّر ِ
أن يرقص الأطفال فوق ترابها يشدون سؤددها بثغرٍ مـُزهِر ِ
أن يذكر العشاق مهد هواهم ونسيم دجلة في المساء المـُقمر ِ
أن عيدنا نـَحفيه ِ تحت ظلاله النخل عطره رياح العنبر ِ
أيك يـُضللنا تشابك كرمه ِ متناثراً نسق العقيق الأحمر ِ
وصبا الغروب يداعب سعفه يشجيه لحن العاشق المُتحيّر ِ
يشدو ودجلة تسترق سماعه في الأعظمية حـُلمنا المُتبهّر ِ
غدق الخرير كأنه في مائه يسقي الحـُميّا للنخيل المُثمر ِ
* * * * * * * * * * * *
بغداد يا دوحي وروض برائتي يا مـِنـّة الله الجليل المُسخر ِ
بغداد يا تاريخ جـُرح ٍ نازفٍ يا محنة الأمل الشريد المَهجر ِ
ماذا أقول لأجيال تعاتبني إني تركتك دون عـُذر ِ مـُبرّر ِ
ماذا أقول وقد تهاوت رايتي وبرحت أنعى عزّتي وتكبـّري
إني تركتكِ والنداء يصيح بي إنفض غبار الذلّ عنك و كـَبـّر ِ
وأستذكر التاريخ ملء عهوده وأرجع لماضيك البهي وإستذكر ِ
من ثورة العشرين ترشف كأسه ومشانق الثوار في أياره المُتسعـّر ِ
والوثبة الكبرى وانت سهامها تهوي بمكر المارد المُتجبـّر ِ
وبعزّ تشرين وتلك دماؤه كشفت رياء الماكر المستهتر ِ
وبفجر تموزٍ بـَلغت َ كمالهُ وسمـَوت َ ترسم صورة المـُتصوّر ِ
هتف الحناجر لم يكلّ ولم يلنْ وأبو الفرات بصوته المُتهدّر ِ
هذا العراق وهذه ضرباته كانت له ألفٌ وألفُ تفجّر ِ
* * * * * * * * * * * *
من عهد هولاكو تسيل دماؤه نهراً يفيض بموجه المتبخـّتر ِ
وبغدر تيمور وغدر ربيبه الماكر الصلف الردي المُتكبـّر ِ
قطع الرؤوس عقيدة في شرعه تسري بما يـُملي هوى المستكبر ِ
الطائفية نهجهُ و سِراطهُ والحقدُ رائدُ فكره المتحجـّر ِ
وجرت سيولٌ بعد ذاك وهذه دفقات ينبوع ٍ من الدم ِ موسر ِ
واليوم خاتمة المطاف وهذه أرضي تـُدنسـّها حِراب الفـُجـّر ِ
فكأنما هو مِن تقادم عهدهِ أمسى ضحية كلّ طاغ ٍ مـُكـْبـِر ِ
شعبٌ تـُباد جذوره وكأنهُ زمرٌ تعيش بغاب ٍ مـُقفِر ِ
وكأنه غنمٌ يسود قطيعهُ ذئبٌ وجرذانٌ برهطِ عرعر ِ
وكأنه أ َمـَة ٌ تـُباع
وتـُشترى لا تدري من باع ومن هو يشتري
* * * * * * * * * * * *
رقد العراق على جراح ِ ضلوعهِ صقراً يئنّ على خطايا المـُفجِر ِ
هل يوقف التاريخ نزف جراحه ِ ويعود يـَسمو في علاه الأكبر ِ؟
ويعود يرفلُ بالحياة وبالمنى يرجو السلام لشعبه المـُتدمـِّر ِ؟
وتعود بغداد تعانق مجدها تزهو على إخفاقة المُستعمر ؟ِ
ويعود شعبي شامخاً ومـُجلّلا ً ويعود يهتف فوق هام المنبر ؟ِ
هذا العراق وهذه ضرباته أكرِمْ به من شامخ ٍ مـُتحرّر ِ
* * * * * * * * * * * *
يا بنت بغداد يا روحاً أقدّسها يا محنة القلب الكسير المـُذمـِر ِ
يا بنت بغداد يا نبضاً يرافقني يا كـُلّ ما أرجوه في أطلالة الكـِبر ِ
يا بنت بغداد يا عشقي ويا لهفي يا نشوة الأمل المضيء النيـّر ِ
يا زهرة الكرخ التي في دمها تجري مياه الرافد المـُتحدّر ِ
خمسون عاماً مذ عرفتك آنها يحيا العراق بقلبك المـُتبصـّر ِ
علمتني أن العراق وجودنا وضياعنا في أيّ دربٍ موعـِر ِ
علمتني ان العقيدة منهجٌ وسـِراطـُها نهج الصمود الأنور ِ
علمتني أن الهوى مـُتلازم حـُبّ العراق بعشقنا المـُتسمـّر ِ
هذا العراق هناؤنا وشقاؤنا ضـُمـّيه في عينيك ِ في وجدانك
المـُتكدّر ِ
جسدي وقد طهـّرت فيض جراحه أنا يا عراق بدمعـِكَ المـُتفجـّر ِ